الحسد أسبابه وعلاجه الجزء الثاني
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
صور الحسد ومعالجة النفس منه
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أفلح من تزكى. وهذا هو المجلس الثاني، يا أيها الإخوة الكرام، في الحديث عن الحسد أعاذنا الله عز وجل منه بمنه وكرمه عرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، في اللقاء السابق معنى الحسد، وكذلك ذكرنا بعض أنواعه وصوره كما عرضنا لبعض أسبابه.
جهاد النفس في دفع خواطر الحسد بالدعاء للمحسود بالبركة
نسأل الله السلامة والعافية ومما يتعلق بالحسد، يا أيها الإخوة الكرام أن نعلم أنه من صور الحسد أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن غيره وإن لم تصل إليه تقدم، أنَّ هناك من الناس من يتمنى زوال النعمة عن غيره ويسعى في ذلك بالإفساد فيسب ويقدح فيه ويتعرض له ويؤذيه. وهذا من شر أنواع الحاسدين. نسأل الله السلامة وهناك من يتمنى زوال النعمة لكنه لا يفسد في الأرض هو تمنٍّ عنده يريد أن تزول النعمة التي عند غيره دون أن يباشر الفساد ودون أن يؤذي بلسانه وهناك قسم آخر وهو من يتمنى زوال النعمة عن غيره وإن لم تصل إليه، فالقسم الذي قبله يريد أن تزول النعمة لتصل إليه. وأما هذا فهو يكره الشخص بغض النظر عن هذه النعمة فلا يتصور، أو فلا يشغل باله بأن تتحول النعمة إليه المهم، أن تزول عن فلان كونها تأتيه أو لا تأتيه، هذا لا يعنيه.
وهذا لا شك أنه جاهل لأنك إذا لم ترد النعمة فما لك ولغيرك إذا لم ترها لنفسك فما لك ولغيرك وإن أردتها لنفسك فالله عز وجل واسع العطاء وخزائنه لا تنفد سبحانه عز وجل هناك صورة أخرى من الناس من يقع في قلبه هذا التمني وهو تمني زوال النعمة عن غيره لكنه يعالج نفسه ويكبح جماحها ويعلم، أن الحسد كبيرة من الكبائر وذنب خطير فيستعيذ بالله من شر الحسد ويحاول جاهدًا أن يصرف هذا الداء عن نفسه.
بل لربما دعا لمن يحسده لئلا يصل إليه ضرر بسبب حسده إياه. وهذا الإنسان معفو عنه ولا تثريب عليه فيما وقع له في نفسه لأنه يسعى في تزكية نفسه ولكن الحق به أن يستمر إلى أن يقتلع هذا الداء من قلبه فينصرف عنه بفضل الله، ولا يفكر فيه من بداية الأمر فيكون ممن يحب الخير للمسلمين كما علمنا الرسول الأمين «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
لكن على كل حال هو معذور إنسان حينما يرى غيره في نعمة قلبه يتحرك لماذا عنده وليست عندي يريد أن تزول هذه النعمة عن هذا الذي أعطيها ثم يراجع نفسه ويقول الله سبحانه وتعالى، قادر على أن يعطيني كما أعطاه فأنا أسأل الله ولكنني لا أريد أن تزول النعمة عن هذا الشخص. بل لتبقى له وليزده الله عز وجل مما أنعم به عليه.
فهذا الإنسان معفو عنه لكنه إن استطاع أن يتخلص من هذا الداء، ومن التفكير فيه أصلًا لأن العبد إذا سمت نفسه لم يتعلق بغيره لأنه لا يتعلق بالأشخاص المنعم عليهم وإنَّما يتعلق قلبه بالمنعم وهو الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد النعمة طلبها من مُعطيها، ومن مالكها، ومن مقدرها، ومن خالقها وهو الله عز وجل.
لكن على كل حال هذا معفو عنه ثم هذا الحاسد الذي في قلبه حسد ثم يداوي نفسه هو في حقيقة الأمر لا يؤذي أحدًا. بل إنه ربما نفع هذا الشخص الذي صار قلبه مشغولًا به فتراه يدعو له مع أنَّه ربما لو لم يفكر في أمر الحسد ما فكر في الدعاء له أصلًا، فالمحسود استفاد بشيء. بل لربما فاد بسبب دعاء غيره له.
دلالة إذا حسد في سورة الفلق وأثر الحسن البصري
ولذلك تلحظ أن الله سبحانه لما ذكر الاستعاذة من الحسد في سورة الفلق قال ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾2 (الفلق: 5) وهنا يأتي السؤال ما فائدة قوله: «إذا حسد»؟ لم يقل ومن شر حاسد فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ إذًا هناك حاسد لكنه لم يحسد هو عنده الإشكالية في القلب. لكن يعالجها. لكن يداويها يحاول التخلص منها فلذلك قال ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ هذا الذي ضرره يكون شديدًا، وفيه معنى آخر والعلم عند الله، أن الحاسدين على أنواع فهناك إنسان يحسد كل منعم عليه وهناك إنسان لا يحسد إلا بعض الناس، يعني: أنت تجد مثلًا بعض الطلاب يحسد طالبا بعينه ولو أنَّ غيره تفوق عليه ما وجد عليه إنسان في صنعه وآخر في الصنعة نفسها وآخر معهما في الصنعة هذا عنده محل والآخر كذلك ربما تراه لا يشتغل إلا بشخص واحد هذا هو المراد.
أما غيره يتقدم عليهما، ولا يشغل به باللا، ولا يتحرك، ولا تتحرك نفسه، ولا يحسده فلذلك أيضًا قال ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، يعني: إذا تحركت نفسه تجاهك فالله يحفظك فلا يصيبك بأذى أو بضرر. ولذلك. فإنَّ الحسد قد يتسرب إلى الإنسان. ولذلك لما قيل للحسن البصري رحمه الله تعالى أيحسد المؤمن، يعني: المؤمن ممكن يقع منه حسد.
فقال لمن سأله: ما أنساك ما وقع من إخوة يوسف عليه السلام؟ إخوة يوسف لا شك في إيمانهم. بل بعض العلماء ذهب إلى نبوتهم بعد ذلك. وقالوا هم الأسباط وإن كان القول المرجح عند كثير من المحققين إنهم لم يصيروا أنبياء وأن الأسباط أحفاد يعقوب عليه الصلاة والسلام. لكن على كل حال هم من أهل الإيمان وهم أبناء نبي مبارك وهو يعقوب عليه السلام واخوه رسول مبارك وهو يوسف عليه الصلاة والسلام، ووقع منهم الحسد فالإنسان لا يأمن على نفسه.
من أسباب الحسد: الكبر وحب الرئاسة
يا أيها الإخوة الكرام، عرفنا في اللقاء السابق أن هناك أسبابًا كثيرة للحسد فمنها الحقد. ومنها الترفع والتعاظم والكبر وفرقنا بين الاثنين ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك شخص هو في الأصل لا يطلب الكبر لا يتكبر. لكن لا يحب أن يكون غيره أكبر منه، يعني: ما عنده مشكلة، أن يكون غيره مثله. لكن، أن يتفوق عليه غيره يحزن فلان زميله في العمل يصير مديرًا لا دي مشكلة عنده.
فهذا يكره الترفع عليه. أما هناك من الناس من يحسد بسبب الكبر هو يريد أن يظهر أنه أفضل من غيره، ولا يظهر أنه أفضل من غيره إلا إذا انتقص غيره شخص يريد أن يثبت أنه أفضل من غيره ماذا يصنع ينتقص غيره فيدعي عليه كذبًا وزورًا أنه كذا وكذا مما يكون قادحا فيه مع أنَّه سالم من ذلك من أسباب الحسد أيضًا.
يا أيها الإخوة الكرام، هذه الصورة التي ذكرتها وهي الكبر. وهذا ما وقع من هؤلاء المشركين مع النبي الأمين ﷺ فإنهم تركوا الإيمان به تكبُّرًا. ولذلك قال الله. ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ﴾3 (الزخرف: 31-32).
فتأمَّل! قوله حينما قالوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ﴿ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ﴾ عظيم نحن إذا كان ولا بد أن نؤمن برسول وأن يكون الرسول من البشر لا بد أن يكون غنيًّا وأن يكون أغنى الناس كيف يصير نبيًّا رسولًا، وكان يتيمًا وهو فقير وليس معه كيف يسود علينا كيف تكون له النبوة الرسالة دوننا فحسدوا رسول الله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، من أسباب الحسد.
يا أيها الإخوة الكرام، حب الجاه والسلطة إنسان يحب أن يكون المقدم وأن تكون الرياسة إليه وأن يكون النظر إليه وأن يكون السؤدد في يده فلذلك يحسد كل إنسان يمكن أن يصل إلى رتبته كما قلت: تاجر مشهور بين الناس بالصدق والأمانة والناس كلهم يأتون من أجل الشراء منه فجأةً بدأ يظهر تاجر ضعيف صغير بدأ يكبر شيئًا فشيئًا وتظهر أمانته وبدأ الناس يقتربون منه ويريدون الشراء منه أو يرغبون أو صاروا يشترون ماذا يصنع يبدأ يتكلم فيه ليبقى وحده ليبقى وحده هو المتحدث عنه ليبقى وحده هو موضع ثناء الناس ومدحهم كذلك إنسان الناس يعرفون قدره وفضله يقولون عنه الشيخ فلان صاحب الصوت الندي والقراءة الجيدة والعلم الغزير فجأةً بدأ يظهر في بلد من البلاد في بلدته أو في بلد قريب يظهر شخص له مثل الوزن مثل هذا الكلام من القراءات الجيدة من الصوت الحسن من الحفظ من العلم فيكره ذلك كيف والناس يميلون إليه فيقضيها، وكذلك في كل الأبواب التي يتصور أن يقع فيها الحسد يقع
ذلك حينما يكون راغبًا في الترأس ولعلكم تتذكرون، أن هذا باب خطير وأن الرياء يتسرب منه ولعلكم حفظتم قول النبي ﷺ: «ما ذئبان»، ها، تتذكرون الحديث؟ «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» وشرحنا الحديث ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ هذا يفسد دين الإنسان إنسان مثله ذئب، قلبه فيه ذئب هذا الذئب إذًا أتى على الغنم قضى عليها، وكذلك هذا الذئب الذي يدخل على القلب ذئب حب الجاه والسلطة والترأس فيدخل عليه فيفسد القلب فيدخل عليه الرياء والحسد ونسأل الله السلامة والعافية.
من أسباب الحسد: التزاحم على مقصود واحد وخبث النفس
من أسباب الحسد أيضًا التزاحم على مقصود واحد وخوف فواته يكون هناك مقصود واحد فالشخص يخشى أن يفوته فيحسد غيره لأنه لا يريد أن يكون له شريك. وهذا يظهر في صور كثيرة منها مثلًا عند الضرتين حينما يكون الرجل متزوجًا من زوجتيه تجد المرأة تبغض ضرتها جدًّا بلا شك ليه لأنَّ المقصود واحد هو زوج واحد وهما اثنتان هذه مبتغاها هذا الزوج والأخرى أيضًا مبتغاها هذا الزوج فهي ترى أن هذه المرأة شريكة لها فيه فهي تبغض ذلك وتكرهه لذلك ربما أساءت إليها كثير من النسوة لا تتعفف، لا تتجاوز عنها ألبتة.
وهذا يتأتى أحيانًا ليس في صورة الضرتين وإنما في صورة المرأة وأم الزوج مع الزوج الزوج عنده أمه وعنده امرأته زوجته صح طبعًا الزوجة الزوج في النص عنده أمه فالزوجة ترى أنه يهتم بأمه ويعتني بها وأنه يقدم أمه فإذا بزوجته تحقد وتحسد أمه وكذلك العكس عند بعض الأمهات لأنَّ بعض الأمهات تجد منها شيئًا عجيبًا تمنع ابنها من أن يكون مع زوجته في كل الأحوال تلاقي الولد قاعد، أول ما يطلع: تعال اقعد جنبي ما يتحرك وهي تحسد في حقيقة
الأمر هذه المرأة على زوجها، هذا خلل كذلك يتحقق هذا عند الطلاب مع أستاذ مثلًا، يعني: طلاب يحبون أستاذًا يحبون شيخًا يحبون معلِّمًا فالمعلم يحب هذا ويحب هذا ويثني على هذا ويثني على هذا فيأتي بعض الطلاب يحسد بعضهم بعضًا ليه لأنه يريد أن يملك قلبه معلِّمه يريد أن يكون قلب معلِّمه له وحده وليس لغيره فيخاف فوات المقصود فمن أجل ذلك يقع الحسد وصوره كثيرة وتقدم لو تذكرون، أن الحسد غالبًا ﴿أَنَّمَا﴾ يقع بين الأقران يقع بين الإنسان وقرينه بين الإنسان وصاحبه بين الإنسان، ومن كان نظيره في المكانة والفضل ليس في طبقة مختلفة عن هذه بعض أسباب الحسد كذلك.
يا أيها الإخوة الكرام، من أسباب الحسد، وهذا من أسوئها، خبث النفس إنسان عنده خبث فهو يكره كل الناس أو إن شئت فقل يكره الخير لكل الناس بدون سبب هو لا يريد النعمة أصلًا، ولا يشتغل بها. لكن هو يكره، أن يجد خيرًا عند أحد لا يفرح إلا إذا أُصيب الناس، فرحه عند حزن الناس، سعادته عند شقاء الناس وهمِّ الناس فنسأل الله السلامة قالوا.
وهذا من أخبث الأنواع وشر الأنواع. نسأل الله السلامة والعافية. إذًا هذه بعض الأبواب التي من خلالها يقع الحسد لكثير من الناس. فإنَّ قلت: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم وكيف ادفع عن نفسي الحسد كيف اداوي نفسي كيف اعالج نفسي فنقول لذلك طرق متعددة. لكن هذا له وجهان وجه يتعلق بك من حيث أنك تريد أن تسلم من أن يتسرب الحسد إلى قلبك هذا وجه والوجه الثاني كيف أتغلب على حسد الحاسدين لي؟ يبقى إحنا عندنا شقان أنت تخاف على نفسك، أن يقع في قلبك الحسد كيف تداوي نفسك
حسد الإنس والجن وقاعدة الحاسد عدو نفسه وشعر الأدب
هذه طريقة، هذا باب، الباب الثاني أنت إذا حُسدت كيف تتعامل مع الحاسد؟ إذًا عندنا جانبان هذان الجانبان يعالجان بالاستعاذة بالله رب العالمين لذلك أنزل الله سورة كاملة وهي سورة الفلق ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾4 (الفلق: 1-5) أن تستعيذ بالله تستعيذ بالله، ممن تستعيذ؟ بالله من الحاسد إذا حسد وتستعيذ بالله من الحسد نفسه ليسلم الله عز وجل منه يبقى أنت الاستعاذة تشرع منين من أمرين أنك تستعيذ من الحسد أن يدخل إلى قلبك وتستعيذ من الحاسد الذي يريد أن يحسدك وهنا مسألة يتصور بعض الناس أن الحسد لا يكون إلا من الإنس والذي حرره كثير من المحققين كابن القيم رحمه الله، أن الحسد يقع من الإنس ومن الجن.
كما أنَّ الوسوسة تقع من الإنس، ومن الجن إلا أن الوسوسة بالجن ألصق والحسد بالإنس ألصق زي ما في إنسان ممكن يوسوس لك والجن الأصل أستاذ هو في هذا الأمر. ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ كذلك الحسد يقع من الأنس، ومن الجن وإن كان بالإنس ألصق إذًا هذا مقام يحتاج إلى إيضاح وإلى بيان، يا أيها الإخوة الكرام، إذا وقع في قلبك الحسد فلك، أن تداويه بإذن الله بطرق متعددة منها أولًا أن تعلم، أن الحسد يضرك، ولا يضر المحسود في شيء إلا إذا قدَّر الله ذلك فالحسد نفسه ليس ضررًا على المحسود وإنَّما هو ضرر على الحاسد نفسه لذلك بعض الناس يظن أنه إذا حَسَد لا بد أن يؤذي ويضر لا إذا كان الله لما ذكر السحر قال ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾5 (البقرة: 102) لذلك تجد بعض الناس يحسد كثيرًا، ولا يضر بشيء إذًا هذا الضرر مقدر هذا الضرر مقدر.
لكن الحاسد مضرور بلا شك، مضرور في دينه ودنياه وآخرته. نسأل الله السلامة والعافية. كيف يضر الحاسد في دنياه هو مضرور في دنياه لأنه مشتغل بأمر غيره والإنسان إذا اشتغل بأمر غيره. فهذا من الخلل العظيم الذي يدل على سفاهة عند هذا الإنسان أنت شاغل نفسك بغيرك ليه ما يكفيك ما أهمَّك؟ وكل منا عندنا عنده همومه، وعنده أحزانه، وعنده آلامه أنت تزيد على هذا بأن تشتغل بأمر غيرك إذًا هو مضرور، قلبه متعلق بغيره.
الأمر الآخر أن الحاسد يأكل بعضه بعضًا مثل النار التي تأكل بعضها بعضًا هو عمال يأكل في نفسه والثاني ولا في دماغه، لا يشغل باله به إذًا هذا الحاسد ظلم نفسه واعتدى على نفسه. ولذلك أحسن من قال «الحاسد عدو نفسه وصديق عدوه» اسمع هذه العبارة الحاسد عدو نفسه وصديق عدوه هو عدو لنفسه لأنه شغلها بما يضرها وبما لا ينفعها وبما يضرها في الآخرة هذا من جهة ثم أنه صديق عدوه لأنه صديق الشيطان الرجيم لأنَّ هذا وسوس به الشيطان فهو مصادق له وموال له ومعاد للرحمن سبحانه وتعالى، لما لأنَّ إبليس أول مَنْ حسد ولأن الحاسد في حقيقة
الأمر معترض على قسمة الله سبحانه وتعالى. ولذلك في الحقيقة قضية الحاسد ليست مع المحسود قضية الحاسد مع الله سبحانه وتعالى، الخصومة في الحسد ليست بين الحاسد والمحسود ﴿أَنَّمَا﴾ بين الحاسد والله عز وجل لأنه بيعترض على ربنا «﴿إِلَّا﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لمن بات لي حاسدًا» أتدري على من أسأت الأدب أسأت إلى الله في حكمه «لأنك لم ترضَ لي ما وهب» أنت بتعترض على قسمة الله لذلك الرسول ﷺ كان يقول «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» والله خزائنه لا تنفد إذا أردت فاطلب منه ولا تطلب من غيره ﴿مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾6 (فاطر: 2).
يا أيها الإخوة الكرام، هناك أدوية كثيرة وعلاجات متعددة وناجحة للحسد نستكملها بإذن الله تعالى في اللقاء المقبل ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص والقبول وأن يوفقنا لما يحب ويرضى
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 5 ↩
- آية: ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 31-32 ↩
- آية: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفلق 1-5 ↩
- آية: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 102 ↩
- آية: ﴿مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 2 ↩
من سلسلة: أفلح من تزكى (40 درسًا)