مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

احفظ لفظتك وكلمتك وأربعة ضوابط قبل الكلام

أفلح من تزكى · الدرس 2 من 40 · 24 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. بيان اللفظة كمدخل للشيطان وعلاقة اللسان بالقلب
  2. مَثَل يحيى بن معاذ للقلوب والقدور وقاعدة موازنة الأرباح
  3. ضوابط الكلام عند الماوردي: وجود الحاجة الداعية ومناسبة الوقت
  4. ضابطا الاقتصار على قدر الحاجة وانتقاء اللفظ في رد النبي على اليهود
  5. عموم إحصاء الأقوال وفقه آفتي النطق بالباطل والسكوت عن الحق
  6. التحذير من حصائد الألسن المكبة في النار وضمان الجنة
التفريغ النصي الكامل للدرس

بيان اللفظة كمدخل للشيطان وعلاقة اللسان بالقلب

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾2 (الأعلى: 14-15) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة أفلح من تزكى حدثتكم في المجلس السابق، يا أيها الإخوة الكرام، عن أمر ﴿إِلَّا﴾ وهو أن الإنسان يقع في المعصية من خلال أربعة أبواب خطيرة، وعلى المسلم، أن يتحرى هذه الأبواب الأربعة. فإنَّ الشيطان ينفذ إليه كثيرًا عن طريقها وقلنا إن هذه الأبواب هي اللحظة، أي: النظرة والخطرة واللفظ والخطوة فالشيطان يأتي للإنسان من هذه الأبواب الأربعة أو الأربعة، يأتيه عن طريق لحظته ونظرته وعن طريق خطرته وعن طريق لفظته وكلمته وعن طريق خطوته.

وقد تحدثنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ بفضل الله سبحانه وتعالى، عن النظرة واللحظة ثم تحدثنا عن الخطرة وقلت لكم في اللقاء السابق أنَّ هناك خمسة أفكار يحسن بالمرء أن يتفكر فيها فإنها تملأ عليه وقته وحياته، فحينئذ تكون هذه الخواطر خواطر خير وبر وتقوى، فيبتعد عن وساوس الشيطان ويتجه إلى تلك الخواطر الإيمانية التي يعان بها على طاعة ربه سبحانه وتعالى، والحديث الليلة عن اللفظة لأن الإنسان إذا نظر إلى الشيء خطرت في قلبه خاطرة وحينئذ يأتي دور التفكير فينتقل في هذه الأبواب الخمسة التي تقدم بيانها ثم إن هذا التفكير وتلك الخطرة تفضي بالإنسان إلى أن يتكلم ويتلفظ.

وهذه هي اللفظة فكيف نتعامل مع اللفظة؟ كيف نتعامل مع الكلام؟ هذا الكلام الذي يخرج من اللسان ينبغي للإنسان أن يعرف قدره وخطره. فإنَّ اللسان وزير الإنسان، وإن شئت فقل: إن اللسان وزير القلب. ولذلك عندنا حديثان لا تعارض بينهما أحدهما قول النبي ﷺ في المتفق على صحته من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وفيه، أنَّ النبي ﷺ قال «﴿إِلَّا﴾ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ﴿إِلَّا﴾ وهي القلب» ففهم من هذا الحديث أن القلب سيد الجوارح وأن القلب ملك الأعضاء ﴿إِلَّا﴾ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله فالجسد كله تابع للقلب والحديث الثاني حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند الترمذي وغيره، أنَّ النبي ﷺ قال إذا أصبح ابني آدم.

فإنَّ الأعضاء كلها تكفر اللسان إذا أصبح ابن آدم فإنَّ الأعضاء كلها تكفِّر اللسان ما معنى تكفر اللسان أي: تخضع للسان وتنقاد له لا أن تحكم عليه بالكفر تكفر اللسان، يعني: تخضع للسان تقول له ﴿أَنَّمَا﴾ نحن بك. فإنَّ استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا الجوارح تقول للسان نحن في رقبتك أنت المسؤول عنا إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا وهنا يأتي السؤال إذًا ما الفرق بين القلب واللسان إذا كان القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله «وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» وإذا كانت الجوارح كلها تخضع للسان وتقول ﴿أَنَّمَا﴾ نحن بك فمن الملك يقال: إنَّ الملك هو القلب وأن اللسان وزيره لذلك إذا أردت أن تعرف حقيقة ما في قلب إنسان فانظر إلى ما يخرج من اللسان فاللسان مترجم عما في القلب لأنَّ اللسان ينبئ عن مكنونات الضمائر وعن السرائر.

مَثَل يحيى بن معاذ للقلوب والقدور وقاعدة موازنة الأرباح

ولذلك قال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى واسمع هذا المثل الجميل الذي ذكره يحيى بن معاذ يقول رحمه الله، القلوب مثل القدور تغلي بما فيها القلوب مثل القدور القدور جمع قدر هذا القدر الذي تضعه على النار لتضع فيه الطعام حتى يستوي فيقول: القلوب مثل القدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها.

تأمَّل! عبارته وألسنتها مغارفها، يعني: الآن أنت وضعت القدر على النار ماذا تصنع بعد ذلك تأتي بالمغرفة من أجل أن تغترف بعض الطعام فترفع هذا إلى لسانك فحينما تطعم بلسانك تعرف ما في القدر إذًا أنت تعرف ما في القدر طيبًا أو خبيثًا إذًا ما كان حلوا أو كان حامضًا عن طريق ماذا عن طريق الاغتراف وعن طريق التذوق، وكذلك لسان الإنسان ينبئ عما في قلبه لسان الإنسان ينبئ عما في قلبه فصاحب القلب النظيف صاحب القلب السليم ترى ذلك في كلامه وصاحب القلب الخبيث ترى ذلك في كلامه فاللسان مترجم عن القلب «لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ» لذلك وجب على الإنسان، أن يعي هذا.

الأمر وأن يعتني بلسانه والقاعدة العامة في ذلك، أن تنظر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم أهذا الكلام ستربح به أم تخسر؟. فإنَّ كان هذا الكلام ستربح به فانظر هل سيفوتك آخرُ أفضلُ منه وتربح فيه أكثر؟. فإنَّ كان كذلك فانظر إلى الأفضل، وقدم؛ وإلا فتوكل على الله وتكلم بهذا الكلام الذي تربح من ورائه إذًا عندنا قاعدة عامة أنت الآن تريد أن تتكلم بكلام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم سل نفسك هذا الكلام أربح به أم أخسر؟ ما معنى اربح، يعني: هذا الكلام سيكون في ميزان الحسنات أم أنه سيكون في ميزان السيئات؟.

فإنَّ وجدت أن كلامك تنتفع به في دينك ودنياك وآخرتك فسل نفسك هل هذا الكلام الذي تقول، هناك كلام أفضل منه تربح به أكثر؟. فإنَّ وجدت ما تربح به أكثر فقدمه. ولذلك الفقيه يقدم خير الخيرين وهكذا الإنسان يصنع مع كلامه. وقد ذكر الماوردي رحمه الله تعالى في أدب الدنيا والدين أنه ينبغي للإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتكلم، أن يراعي أربعة شروط فإذا راعى الإنسان هذه الشروط الأربعة كان كلامه مسددا موفَّقًا بفضل الله سبحانه وتعالى، الشرط الأول إذا، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم أنت تريد أن تربح أن يكون الكلام في ميزان حسناتك ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾3 (ق: 18) فأول شرط أن يكون كلامك لحاجة داعية إليه، يعني: إذا تكلمت فتكلم لأن هناك حاجة، لأن هناك حاجة تدعو إلى الكلام؛ وإلا فلا تتكلم.

ضوابط الكلام عند الماوردي: وجود الحاجة الداعية ومناسبة الوقت

فإنَّ الرسول ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ولذلك ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ خيرًا تغنم أو اسكت عن شر تسلم؛ وإلا فإنك سوف تندم الإنسان يسأل نفسه لماذا هذا الكلام هل هناك داع إليه الداعي أحد أمرين: إما جلب منفعة أو دفع مضرة إذًا الآن إنسان في مأزق إنسان في ضراء في مصيبة وأنت بإمكانك بإذن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ تكلمت أن ترفع عنه الضر بإذن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ تكلم ادفع عنه الضر اقض حاجة قف إلى جواره أو أنت إذا تكلمت دللت نفسك وغيرك على الخير فافعل وسر على بركة الله وقل («(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)»)، فهناك داعٍ يدعو إلى الكلام. أما أن تتكلم شذر مذر تتكلم بما هب ودب لا تدري كيف تكلمت، ولا بما تكلمت.

فهذا خطأ جسيم، إذن الإنسان لا يتكلم لأنه يشتهي الكلام وإنَّما يتكلم لأنَّ كلامه ينفع. ولذلك ربما كان الصمت أفضل فحينئذ يصمت. وقد قال ﷺ: «من صمت نجا» فالصمت في بعض الأحوال تكون فيه النجاة للإنسان بهذا الصمت ينجو ويسلم بفضل الله سبحانه وتعالى من صمت نجا وأما إذا كان الكلام نافعًا فإنَّه يتكلم وسيكون موفَّقًا بفضل الله سبحانه وتعالى وبإمكانك حتى لا تنسى هذا الشرط أن تضع هذا السؤال لماذا أتكلم إذًا هذا هو السؤال ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم ضع هذا السؤال لماذا أتكلم أتكلم لخير أقبل تتكلم لشيء فيه شر لا تتكلم تتكلم بأمرٍ فيه ضُرٌّ أو فيه إضرار بالناس لا تتكلم ومع السؤال بـ«لماذا» سل نفسك: لمن؟ ليكون كلامك لله ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، ثم الشرط الثاني الشرط الثاني في الكلام أن يتكلم، أن يتكلم في الوقت المناسب لهذا الكلام بأن يأتي بالكلام على وجهه، وفي وقته، ولا يتجاوز به حده لما لأنَّ الإنسان قد يكون كلامه صحيحًا لكنه ليس في كل المواضع أن يأتي بالكلام في موضعه، هكذا قال الماوردي بلفظه قال أن يأتي بالكلام في موضعه كل كلام له موضع أنت قد تتكلم بالكلام قبل أوانه.

وقد تتكلم بالكلام بعد فوات أوانه إذًا الحكمة تقتضي أن تتكلم في الوقت المناسب. ولذلك في بعض الأحيان لا يحسن بالإنسان، أن يتكلم كوقت الغضب مثلًا فالإنسان عند اشتداد الغضب الأولى به الصمت. ولذلك جاء في الحديث إذا غضب أحدكم فليسكت لأنَّ الإنسان إذا تكلم وهو غاضب كثيرًا ما يقع منه الخطأ والخطل والخلل ثم بعد ذلك يندم بعد فوات الأوان لأنَّ الكلمة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم بها أنت مالكها فإذا خرجت منك أسرتك، صرت أسيرًا للكلمة الكلمة ملكٌ لك.

لكن إذا خرجت منك صرت أسيرًا لها ويمكنك، أن تضع سؤالًا وهو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ أتكلم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ أتكلم عندك كلام كثير. لكن هذا ليس وقته، إذا تكلمت به أوقعت الناس في المصائب أوقعت بين الناس فرقةً وشقاقًا ونُفرةً ليس هذا وقته يقول لك: لا أنا أريد لا بد أن أبين نعم البيان مطلوب. لكن البيان له فقهه وله وقته وكما قالوا لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فيجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة فإذا يراعي هذا.

الأمر.

ضابطا الاقتصار على قدر الحاجة وانتقاء اللفظ في رد النبي على اليهود

وأما الشرط الثالث في الكلام أن يتكلم على قدر الحاجة، أن يتكلم على قدر الحاجة وبإمكانك أن تضع لهذا سؤال وهو جواب كم كم عدد الكلمات التي أتكلم بها أن تعد كلامك لا أن تتكلم كلامًا كثيرًا دون أن تكون من ورائه جدوى أو فائدة. ولذلك نهانا النبي ﷺ عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. وقد أعطاك الله عز وجل أذنين وأعطاك لسانًا قالوا ليكون سمعك ضعف كلامك، يعني: أنت لك أذنان ولك لسان يبقى المفترض أن الكلام الذي تتكلم به نصف الذي تسمعه. وقد قال ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» الإنسان إذا حدث بكل ما سمع وقع في الكذب ووقع في الإثم لكنك تسمع كثيرًا ثم تحلل وتفحص هذا الذي سمعته وتُمَحِّص فتنظر ما الذي تتكلم به منه وما الذي لا تتكلم به منه وتقدم في بعض المناسبات ونحن نتكلم عن صفة الحلم ما كان من الأحنف بن قيس رحمة الله حينما قال له رجل لئن تكلمت بكلمة، يقول الرجل للأحنف بن قيس لئن تكلمتَ بكلمةٍ لأجيبنَّك بعشر كلمات، وكان الأحنف بن قيس مشهورًا بالحلم والحكمة.

فقال له: يا هذا، وأنت إن تكلمت بعشر كلمات لم تسمع مني واحدة أنت إذا تكلمت بعشرة أنا أتكلم بواحدة ما يُقاس بالشبر الكلام لا يقاس بالعدد ﴿أَنَّمَا﴾ يقاس بقدر الكلمة رب كلمة خير من ألف كلمة رب جملة خير من كلمات وجمل لا حصر لها فالإنسان يراعي هذا أن يتكلم بالكلام على قدر الحاجة لا يزيد لأن الإنسان إذا زاد في الكلام وقع في الخلل، ولا بد.

وقد قالوا إذا أكثر الإنسان من الكلام كان للشيطان منه حظ أو نصيب، يعني: أنت تبدأ الكلام كلامًا جميلًا ثم تسترسل وتسترسل وتسترسل فحينئذ يدخل الشيطان عليك. نسأل الله السلامة. وقد كان من دأب بعضهم، أن يقول إذًا اشتهيت الكلام فاصمت وإذا اشتهيت الصمت فتكلم إذًا اشتهيت الكلام فاصمت وإذا اشتهيت الصمت فتكلم، يعني: إنسان يشتهي أن يتكلم إذا جلس مجلسًا يريد أن يكون هو المتكلم هو أكثر الناس تكلما لا ليس كذلك ثم الشرط الرابع أن يتكلم بالكلام واللفظ المناسب أن يتخير اللفظ المناسب تتخير اللفظ آلافضل.

ولذلك ربنا قال ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾4 (الإسراء: 53)، يعني تتكلم بالأفضل، بالكلام المناسب. ولذلك كلام قليل لكنه كلام جميل وجليل أنفع من كلام كثير فيه لغو وعبث والنبي ﷺ كان يراعي ذلك لذلك لما أتاه جماعة اليهود. وقالوا للرسول السام عليك وردت أمنا عائشة رضي الله عنها.

وقالت. بل عليكم السام والذم واللعنة قال لها الرسول ﷺ يا عائشة لا تكوني فاحشة. فقالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا قال أولم تسمعي ما قلت: لهم. فإنه يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فينا قلت: عليكم هم يقولون السام عليك فردت عائشة. وقالت. بل عليكم السام لأنَّ السام معناه الموت فردت قال.

بل عليكم السام والذم واللعنة. فقال لها الرسول يكفيك، أن تقولي وعليكم. فإنه يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فينا يعلمنا الأدب وكيف نرد حتى على الخصوم كيف نرد على الأعداء فضلًا عن الأصدقاء وقول أن الشيطان ﴿يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يدل على أن كثيرًا مما يقع من نزغ الشيطان راجع إلى اللسان فلان قال عليك كذا وفلان قال لك كذا فتجد الأخوين المتصادقين تنقلب مصافاتهما وصداقتهما إلى عداوة بسبب كلمات يسيرة نابيةٍ صدرت من أحدهما أو تبادلاها.

نسأل الله السلامة إذًا هذه ضوابط مهمة هذه الشروط الأربعة راعها عند كلامك ويمكنك، أن تتذكر هذا الشرط الرابع بالإجابة عن سؤال كيف؟ كيف أتكلم؟ إذًا عندنا هذه الأسئلة لماذا، ولمن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ أتكلم وأيضًا كم وأيضًا كيف فإذا رعيت ذلك فتكلم وأنت على خير وبركة بفضل الله سبحانه وتعالى، حقيق بك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان، أن تعلم، أن اللفظ أمره عظيم لأنَّ الله قال: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)

وقد اختلف العلماء ما الذي يسجل ويدون على الإنسان هل الذي يُسجَّل عليه الكلام الذي فيه خير أو شر، أم يُسجَّل عليه كل كلام؟ ورجح عدد من أهل العلم أنه يسجل عليه كل كلام سواء أكان خيرًا أم كان شرًّا أم كان لا خير ولا شر كلام مباح حتى المباح قال بعضهم: حتى الأنين، حتى الأنين سبحان الله استدل القائلون بالعموم بأن الله قال ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ و«قول» جاءت نكرة في سياق النفي فأفادت العموم.

عموم إحصاء الأقوال وفقه آفتي النطق بالباطل والسكوت عن الحق

ولذلك كما ذكر ابن القيم رحمه الله، كان الرجل منهم يحاسب نفسه على كلامه إذا قال يوم حار ويوم بارد سبحان الله، يعني: الجو حر فما قيمة: اليوم حر؟ بعدين يقول لنفسه: طب وإيه الفائدة اللي عادت على من هذه الكلمة سبحان الله يقول يوم برد يوم شديد البرد، وبعدين يقول طب ما الذي عاد على من هذه الكلمة يحاسب نفسه على كل كلمة يتكلم بها لذلك قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله، من عد كلامه من أفعاله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ كلامه إلا فيما ينفعه وورد عنه من لم يعد كلامه من أفعاله كثرت خطاياه.

وهذه هي المشكلة، إن كثيرًا من الناس يتورعون في الأفعال، ولا يتورعون في الأقوال، يعني: أنت تجلس مع شخص لو عرض عليه درهم حرام لو عرض عليه جنيه حرام أبدًا لا يقبل مهما كان لا يقبل لو قيل له اظلم فلانًا وسنتوجك وسنجعلك في مكان وفي سُدَّة سيرفض يقول أبدًا لو ذهبت الدنيا كلها عليَّ ولو عرضتم على الدنيا كلها لن أعصي الله عز وجل بظلم أحد.

لكن مع ذلك يجلس الساعة الواحدة فيغتاب وينمّ ويكذب ويقول ويعيد وهو لا يدري أنه في هذا كله ظالم لنفسه وظالم لغيره لذلك الورع حقًّا، المتورع في لسانه يعرف ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يتكلم وكيف يتكلم يعرف أنه مسؤول عن الكلمة على أن اللسان فيه آفتان وينبثق عن الآفتين آفات كثيرة، يعني: اللسان ده عندنا فيه مشكلتان. أما المشكلة الأولى فمشكلة النطق. وأما المشكلة الثانية فمشكلة الصمت سبحان الله، يعني: عندنا الحديث من صمت نجا.

لكن ليس معناه أن تصمت في كل الأحوال لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس والناطق بالباطل شيطان ناطق، يعني: أنت الآن إذا كنت في موقف يجب عليك، أن تتكلم، ولم تتكلم فأنت ظالم وإذا كنت في مقام يجب عليك، أن تصمت، ولم تصمت. فهذا ظلم إذًا آفة اللسان تتأتى في الحالتين في حالة النطق، وفي حالة الصمت إذًا الصمت له فقه والنطق له فقه.

وهذا له مسؤوليته. وهذا له مسؤوليته أمره خطير لذلك، أن تعجب فاعجب من قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حينما سأله عن عمل يباعد عن النار ويدخله الجنة فأخبره برأس الأمر وعموده وذروته. ثم قال: «﴿إِلَّا﴾ أخبرك بملاك ذلك كله؟» ثم أخذ ﷺ بلسانه، أو أشار إلى لسانه.

التحذير من حصائد الألسن المكبة في النار وضمان الجنة

وقال «كُفَّ عليك هذا» سَمَّاه ملاك ذلك كله، يعني: الذي يملك عليك أمرك ويستقيم به أمرك، أن تملك هذا. فقال له معاذ رضي الله عنه «أوإنا لمؤاخذون يا رسول الله بما نتكلم به؟» قال «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» الناس يدخلون النار من أجل ماذا من أجل حصائد الألسنة وتأمَّل! التعبير حصائد

هذا هو الحصاد هناك حصاد حلو وهناك حصاد مر. ولذلك سُئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: «الفم والفرج». وقال صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة»

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
  2. آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ۝ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 14-15 ↩
  3. آية: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 18 ↩
  4. آية: ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا۟ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 53 ↩

من سلسلة: أفلح من تزكى (40 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة