قال تعالى:﴿الم يعلم بأن الله يرى﴾
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
صدر المجلس بآية التذكير والموعظة
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾2 (يونس: 57) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع مجلس من مجالس هذه السلسلة ﴿قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ موعظة في آية والآية التي نتحدث عنها في ليلتنا هذه قول الله سبحانه ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾3 (العلق: 14)
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ من سورة العلق
﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ هذه الآية الكريمة آية جليلة من سورة العلق قال الله جل وعلا: قبلها ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ﴾ (العلق: 9) ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلْهُدَىٰٓ أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ (العلق: 10-11) ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾4 (العلق: 13) ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ فما جرأه! ما الذي جعل هذا الإنسان يكذب وما الذي جعله يتولى ويعرض ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ﴾ يراه لو كان يعلم أنَّ الله يراه وأن الله مُطَّلِعٌ عليه لا يخفى عليه شيء من حاله ما كان ليتجرأ على الله بالتكذيب والتولي والإعراض فنستفيد من ذلك، أن العبد كلما قوي يقينه في الله وكلما عظمت مراقبته لله حسنت أخلاقه، وكان مطيعًا لله تاركًا معصية الله عز وجل وكثير من الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يجرهم إلى المعصية جرًّا ويستفزهم الشيطان استفزازًا بسبب ضعف مراكبتهم لله سبحانه وتعالى.
حديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن
ولذلك قال الرسول الكريم ﷺ «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» فالسارق حينما يسرق والزاني حينما يزني في هذا الوقت الذي ارتكب فيه المعصية كان غافلًا عن مراقبة الله نسي أن الله يراه؛ وإلا لو أيقن، أن الله يراه وهو يتسلق على بيت هذا أو ذاك ليأخذ المال خفية ما تجرأ على إتمام تلك العملية، ولا تراجع، ولا تاب إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك هذا الشخص الذي أراد انتهاك العرض والذي أراد فعل الفاحشة والمحرمات لو تذكر أن الله يراه وأن الله قادر على أخذه وهو على هذه الصورة ما تجرأ على معصية الله، ولا ارتكاب الفاحشة.
ولذلك حقيق بالعبد ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يواظب على طاعة الله وأن يترك معصية الله، أن يكون الله عز وجل على ذكر منه على بالك لا يغفل عن الله سبحانه وعن ذكره ومراكبته يتذكر دومًا أن الله يراه وأن الله مُطَّلِعٌ عليه في سرك وعلانيتك في ذهابك وإيابك في سرك وجهرك أحوالك.
توكل على العزيز الرحيم وأصناف الناس في الدعوة
ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾5 (الشعراء: 217-220) هذا معنى جليل ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ أَرَءَيْتَ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ عَلَى ٱلْهُدَىٰٓ ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ والعجيب في السورة الجليلة، أن الله ذكر فيها أقسام الناس فالناس إزاء الدعوة على أربعة أحوال من الناس من يقبل الدعوة ويقبل الإسلام ويقبل الدين ويكون صالحًا في نفسه لكنه غير مصلح لغيره وهناك من يكون صالحًا ومصلحًا يستفيد ويفيد الناس ويعلم الناس الخير وهناك من يكون فأصل الخلق والاصناف الأربعة ذكرها الله في تلك الآيات ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ﴾ عبدًا إذا صلى هذا مفسد ينهى ﴿أَوْ أَمَرَ بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ هذا هو المصلح لم يكتفِ بأنه على الهدى وإنَّما أمر غيره ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾.
حديث جبريل أم السنة وعبادة الله كأنَّك تراه
وهذا أجله أو مثاله الأعظم في رسول الله محمد ﷺ ثم صنف الرابع أن كالذعلم بأن الله يرى لو علم، أن الله يرى من تجرَّأ على معصية الله سبحانه وتعالى، جوابًا كلف الله عالم به ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ وهؤلاء هم الذين يقولون لأنَّ الجملة استفهامية ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ فجوابها يكون مقترنا بالفاء وليس ثَمَّةَ فاء في قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ فيقولون الجواب فالله عالم به ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ﴾ لا يلزم ذلك حجة لهذا القول فحينئذ يقول جواب قوله ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ وتُحفظون حديث الرسول الأكرم ﷺ في شرح أمهات الدين أو في شرح أصول السنة حينما سُئل عن الإسلام والإيمان والإحسان.
وهذا الحديث الجليل يقال عنه أم السنة، كما أنَّ سورة الفاتحة يقال عنها أم القرآن، فحديث جبريل عليه السلام الذي فيه وصف الإسلام والإيمان والإحسان أم السنة لما سُئل عن الإحسان قال «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» «إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ علي رقيب»، ولا تحسبن الله يغفل الساعةً ﴿وَلَآ أَن﴾ ما تُخفي عليه يغيبُ هذا معنى جليل ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ إذًا في كل أحوالك تذكر هذه الآية الجليلة الم يعلم الم يعلم هذا الإنسان، أن الله يراه فَلِمَ الجرأة على الله سبحانه وتعالى.
المراقبة دوام علم العبد باطلاع الله
ولذلك تقدم معنا ونحن نتحدث عن مراقبة الله ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن المراقبة دوام علم العبد باطلاع الله على ظاهرة وباطنه، أن يدوم علمك ويقينك في أن الله تعالى فنسأل الله، أن يجعلنا من المراكبين له ومن المحافظين لحدوده، ومن الحافظين لحدوده وأن يوفقنا لما يحب ويرضى
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 57 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 14 ↩
- آية: ﴿أَرَءَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 13 ↩
- آية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٱلَّذِى يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 217-220 ↩
من سلسلة: موعظة في آية (3 درسًا)