قال تعالى : ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾1 (الذاريات: 55)
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾2 (يونس: 57) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة ﴿قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾3 (يونس: 57) موعظة في آية ونحن الليلة على موعد مع قول الله سبحانه ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾4 (الملك: 15) هذه آية جليلة من آيات سورة الملك يذكر الله سبحانه وتعالى، فيها بعض مننه على خلقه فالله جل وعلا له آيات عظيمة ونعم جليلة ينبغي للعباد أن يشكروا الله عليها وأن يتأمَّل!وها ويتفكروا فيها فمن ذلك خلق الأرض هذه الأرض التي نسير عليها ونأكل من خيرها بفضل الله سبحانه ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ جعلها مذللة جعلها سهلة لينة تتمكنون من السير عليها لا تستعصي عليكم ولو كانت الأرض مستعصية على الخلق لم يتمكنوا من ممارسة المشي والعمل والسعي على الأرزاق والكسب فالله جعلها ذلولا.
وقد قال الله سبحانه وتعالى، ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾5 (البقرة: 22) أي: وطاء للاستقرار عليها. وقال ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا﴾6 (النبأ: 6). وقال ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾7 (نوح: 19) فالأرض فراش ومهاد وبساط وذلول كل هذا من تيسير الله سبحانه وتعالى، ليتمكن الخلق من السير عليها والعمل والكسب والجد والاجتهاد ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا﴾ أي: فامشوا في نواحيها امشوا في جوانبها امشوا من أجل تحصيل الأرزاق فالآية الكريمة فيها دعوة إلى الأخذ بالأسباب وإلى السعي من أجل تحصيل الرزق.
لكن الله سبحانه وتعالى، لطيف بعباده فلما أمرنا قال ﴿فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا﴾ قال بعض العلماء: جاء التعبير بالمشي مع أنَّه في مقامات أخرى جاء التعبير بالسعي لأنَّ الإنسان في الدنيا يمشي قدر مستطاعه، وقدر استطاعته ويدع النتائج لله والله سيعطيه من واسع فضله سبحانه وتعالى، ﴿فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا﴾ في نواحيها وجوانبها لتحصلوا على الخير الذي جعله الله فيها ﴿فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ﴾ لم يقل وكلوا من مشيكم.
وهذا المشي سبب في تحصيل الأرزاق لكنه لم يقل وكلوا من مشيكم ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ﴾ وكم من عبد مشى في الأرض، ولم يأت بشيء وكم من عبد مشى قليلًا وحصل كثيرًا والله هو الرزاق إذًا المطلوب من العبد أن يمشي وأن يأخذ بالأسباب وأن يتعلق قلبه بخالق الأسباب وهو الله سبحانه وتعالى، لذلك قال وكلوا من رزقه إذًا.
الأمر الأول في الآية ﴿فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا﴾ للأخذ بالأسباب والعمل والجد وكلوا من رزقه لتتعلق القلوب بعلام الغيوب سبحانه وتعالى، ليكون هناك توكل على الله عز وجل وكلوا من رزقه فهو الرزاق سبحانه لا تكونوا مثل هؤلاء، لا تكونوا أمثال هؤلاء الذين يقع منهم ما يقع حينما يرزقهم الله رزقًا في الدنيا فإذا بهم يتكبرون وإذا بهم يغترون فيقع منهم البطر والأشر ويقول أحدهم ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ﴾8 (القصص: 78) ولكن تواضعوا لربكم فهو الذي رزقكم وأعطاكم وكلوا من رزقه ثم ختم الله الآية.
فقال: وإليه النشور إليه سبحانه وتعالى، النشور إليه المرجع وإليه المآب فإليه ترجعون فهو يحييكم يوم القيامة بعدما تموتون كما قال الله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾9 (البقرة: 28). فقال: وإليه النشور في الآخرة. تأمَّل! الآية في أولها حديث عن الدنيا حديث عن الكسب حديث عن العمل حديث عن المشي ثم حديث عن التوكل وأن يعلم العبد أن الله هو الرزاق ثم مع ذلك.
فإنَّ الآية حينما ختمت ختمت بالحديث عن الآخرة واليه النشور، يعني: وأنت في الدنيا اعلم أنك في دار طارئة أو في دارٍ مؤقتة، وليست دارًا باقية لا تخلدون فيها وإنَّما دار الخلد في الآخرة في الآخرة ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾10 (العنكبوت: 64) الحياة الدائمة المستمرة ﴿لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤) وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، نرى أن هذه الآية الكريمة مع وجازتها مع وجازتها إلا أنها قد حوت هذه الأصول العظيمة الأخذ بالأسباب والتوكل على الله وتذكر الآخرة فأنت في الدنيا وأنت تعمل وأنت تكدح وأنت تسعى لا ينبغي أن تنسى الآخرة لا ينبغي أن تنسى المرجع أن تنسى المآب، أنك إلى الله صائر ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 55 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 57 ↩
- آية: ﴿قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 57 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 15 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبأ 6 ↩
- آية: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 19 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 78 ↩
- آية: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 28 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 64 ↩
من سلسلة: موعظة في آية (3 درسًا)