مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم -وقفات مع سورة الفاتحة جزء9 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم · الدرس 6 من 35 · 28 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. افتتاح الدرس
  2. أوصاف الصراط المستقيم ودلالاتها
  3. شرح مثل الصراط والسورين والستور المرخاة وداعي القرآن
  4. تفسير الصراط المستقيم وافتراق السبل عند ابن مسعود
  5. حقيقة الصراط المستقيم ولزومه في كل وقت وحال
  6. الحث على الصدقة الجارية لدعم المستشفى الخيري للغسيل الكلوي
التفريغ النصي الكامل للدرس

افتتاح الدرس

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾

﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زلنا بفضل الله ومِنَّته مع هذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع سورة الفاتحة ومع هذا الأمر العظيم ومع هذا الدعاء الجليل الذي علينا ﴿إِلَّا﴾ نغفل عنه ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ تعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، على معنى الهداية وأنواعها وأسبابها كيف يحصل العبد عليها بإذن الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يجعلنا من المهتدين واليوم نتعرف، يا أيها الإخوة الكرام، على معنى الصراط المستقيم أنت تسأل الله قائلًا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ فما هذا الصراط المستقيم؟؟

الذي تسأل الله، أن يهديك إليه وأن يهديك فيه وأن يجعلك ثابتًا عليه ما هذا الصراط المستقيم؟ مادة الصراط، يا أيها الإخوة الكرام، أصلها سراطة بالسين والراء والطاء. ثم إن السين والصاد يتناوبان فيقال سرط وصرط. ولذلك هناك قراءات في قوله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وهي قراءات متواترة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ بالصاد، وأيضًا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وهي قراءة متواترة، وكذلك بإشمام الصاد صوت الزاي: اهدنا الصراط المستقيم وأصل مادة «سرط» تدل على السرعة والابتلاع.

أوصاف الصراط المستقيم ودلالاتها

ولذلك يقولون سرط الأكل أي: ابتلعه بسرعة فقيل للطريق الواسع سراط لأنه طريق واسع يسير عليه السائر بسرعة شديدة كأنما يبتلع الطريق بلعا. ولذلك يقال فلان قطع مسافة كبيرة حتى كأنه أكل الطريق أكلًا، ومن هنا فُهم أن كلمة الصراط تدل على معنى في داخلها أولًا أنه طريق واسع. إذن الصراط طريق واسع، ولا يقال للطريق صراط إلا إذا كان واسعًا فالصراط طريق واسع هذا من جهة ومن جهة أخرى فهو سهل واضح ميسور لأنَّ السائر عليه لا يجد معوقات أو إذا وجدها شيئًا سرعان ما يتجاوزها إذا وُفِّق لذلك بإذن الله - تبارك وتعالى لذلك قالوا: وصف الطريق بالصراط يفيد أمورًا كثيرة من أجلِّها وأعظمها أنه طريق واضح وأنه طريق واسع وأنه طريق سهل وأنه كذلك مستقيم مع أنَّه وصف هنا بقوله ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ إلا أن بعضهم قالوا الصراط نفسه في الأصل يكون مستقيمًا.

لكن وصفه بالاستقامة أفاد معنًى آخر سيأتي ذكره. إن شاء الله، ومن المعلوم لدى المشتغلين بالهندسة، أن الخط المستقيم هو أقصر الطرق الموصلة إلى الغرض فإذا كانت هناك نقطة ونقطة أخرى وأردنا أن نصل إلى تلك النقطة لن نجد طريقًا أقصر من الخط المستقيم، ومعنى ذلك، أن طريق الله مستقيم وأن الوصول إليه مقصود يوصل إلى الغرض بإذن الله جل وعلا وكذلك الصراط هو الطريق الموصل إلى المقصود وهو المتعين لذلك أي: لا يصلح غيره ليقوم مقامه، وكذلك الصراط دليل على قربه فهو قريب بفضل الله عز وجل كل ذلك نفهمه من كلمة الصراط حينما نسمع كلمة الصراط نعلم، أن صراط الله طريق واضح وطريق سهل بين وطريق واسع وطريق قريب وطريق موصل إلى المقصود، ولن يوصل إلى المقصود إلا هذا الطريق.

والمقصود في الدنيا نيل رضا الله، وفي الآخرة أن يرضى الله عن العباد وأن يدخلهم جنات النعيم. نسأل الله الكريم من فضله اهدنا الصراط وأنت حينما تتأمَّل كلمة الصراط في القرآن الكريم تراها قد عرفت أحيانًا بأل كما في هذا الموضع اهدنا الصراط، وفي بعض المواضع عُرِّفت بالإضافة إلى الله جل جلاله فما أعظم ذلك الصراط حينما يضاف إلى الله جل ذكره ألم يقل الله سبحانه وتعالى، ﴿صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾2 (الشورى: 53).

﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾3 (الشورى: 53) صراط مَن؟ صراط الله. إذن هنا قال الصراط المستقيم. بل أضاف الصراط هنا إلى مَن يسير عليه. فقال ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فهنا أضاف الصراط إلى المنعم عليهم وهم الذين يسلكون هذا الصراط، وفي بعض المواضع أضاف الصراط إلى نفسه جل وعلا. فقال: ﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ (الشورى: 53).

وقال أيضًا ﴿وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾4 (الأنعام: 126). وكذلك قال نبي الله هود عليه السلام كما بين ربنا جل ذكره قال ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾5 (هود: 56). آخذ بناصيتها. إذن الصراط صراطه وهو ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وما معنى قوله؟ أي: هذا الصراط العدل لأنَّ الله ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ لأنه إذا أمر فإنَّه يأمر بالعدل وإذا قضى أو قدر أو شرع فإنَّما يشرع العدل وإذا أخبر فخبره الصدق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ فربنا ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ويريد منا أن نسلك هذا الصراط ولأنه يريد منا أن نسلكه أضافه إلى السالكين السائرين عليه.

فقال الصراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو صراط الله وصراط المؤمنين صراط الله لأنه الذي أنشأه صراط الله لأنه الذي شرعه صراط الله لأنه الذي رسمه لعباده وهو صراط المؤمنين لأنَّهم المتمسكون به السائرون عليه إلى أن يصلوا إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾. ومع ذلك وصف الصراط بأنه مستقيم ولو لم يوصف بالاستقامة لعرف من كلمة الصراط أنه مستقيم كما قال كثير من أهل اللغة.

لكن الوصف بالاستقامة له معنى زائد، والله تعالى أعلم. وهو، أن هذا الصراط صراط مستقيم ليس فيه انحراف لأنَّ الصراط قد تسير عليه لكنك تنحرف في أثناء الطريق فقوله: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾، أي: الصراط الذي لا اعوجاج فيه والذي لا انحراف فيه فلك، أن تقول إنه وصف كاشف ليبين لنا حال هذا الصراط الذي يسير الناس عليه إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

شرح مثل الصراط والسورين والستور المرخاة وداعي القرآن

وقد بيَّن النبي محمد ﷺ هذا المثل الجميل الذي ضربه رب العزة لهذا الصراط المستقيم الذي نسأل الله أن نكون من أهله. فقال ﷺ واسمع هذا الحديث الجليل الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في سننه وغيرهما وهو حديث جيد حسن من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، أنَّ النبي ﷺ قال: «ضرب الله مثلًا صراطا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران».

فيهما أبواب مفتحة، وعلى تلك الأبواب ستور مرخاة وداع من فوق الصراط يقول يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾6 (البقرة: 208). وفي لفظ: ولا تعوَّجوا، وداعٍ كلما أراد أحد أن يفتح بابًا من تلك الأبواب من فوق الصراط يقول ويحك لا تفتح فإنك إن تفتحه تلجه قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب محارم الله». ما معنى هذا الكلام الجليل الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول «ضرب الله مثلًا صراطا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران هذا الطريق الواسع على» جنبتيه سوران السوران حدود الله التي لا يجوز لك، أن تتجاوزها ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، يعني: لا تتجاوزوها قفوا عند الله، ولا تتجاوزوا حد الله، وفي ذلك، أو في هذين السورين، أبواب مفتحة، وعلى تلك الأبواب ستور مرخاة.

تأمَّل! هذه الأبواب ليست مغلقة، ولا مقفلة ﴿أَنَّمَا﴾ هي مفتوحة. لكن عليها ستور هذه الستور المرخاة وتلك الأبواب المفتحة هي محارم الله عز وجل المعاصي والذنوب باب مفتوح إليها. وعليه ستر رقيق، هذا الستر الذي يحجزه هو مراقبة الله والخوف من الله فإذا انتهكت حرمة الله دخلت الباب واقترفت من المعاصي ما اقترفت.

نسأل الله السلامة والعافية. وهناك داع يدعوك على باب الصراط كما في بعض الروايات على باب الصراط على رأس الصراط داع يدعوك يقول يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ادخلوا الصراط ما لك وللأبواب ما لك ولهذه الطرق هنا وهناك سِرْ على الطريق مستقيمًا، سِرْ على الصراط مستقيمًا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ادخلوا هذا الصراط جميعًا، ولا تتعرجوا، ولا تتعوجوا. مَن هذا الداعي؟

إنه كتاب الله عز وجل القرآن الكريم هو الذي يدعوك يقول لك: لا تعوج. ولذلك قال الله ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ﴾، وفيكم رسوله ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾7 (آل عمران: 101). وقال: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾. وقال ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾8 (المائدة: 16).

وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ والداعي الذي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم هناك واعظ في قلبك هناك واعظ هذا الوازع الإيمان الذي يحركه حينما تأتي لتفعل معصية يقول لك... أن الصراط هو الإسلام. إذن حينما تقول ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: يا رب اهدني إلى الإسلام واهدني في الإسلام لأنك تقول: أنا مسلم، فكيف أُهدى إلى الإسلام؟ تُهدى إلى الإسلام وتُهدى في الإسلام بأن تزداد بصيرة بدينه وأن تزداد تمسكا بدينه وأن تثبت على دينه بفضل الله سبحانه فيجتمع لك الخيران: خير القول وخير العمل.

نسأل الله أن يرزقنا خير القول وخير العمل.

تفسير الصراط المستقيم وافتراق السبل عند ابن مسعود

وقد بين الله في القرآن أيضًا في مواضع عديدة هذا الصراط المستقيم قال سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾9 (آل عمران: 51). إذًا ما الصراط المستقيم توحيد الله، عبادة الله، الإسلام، وكذلك قال ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾10 (الزخرف: 61). صراط مستقيم. وقال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَٰنَ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝ وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾

﴿هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾. إذن الصراط المستقيم هو دين الله الإسلام اتِّباع الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال الله جل وعلا: وأن هذا صراطي أضافه الله إلى نفسه ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾11 (الأنعام: 153). فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ، ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فثبت عند أحمد وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام خطَّ خطًّا مستقيمًا الرسول «خط خطا مستقيمًا وقال: هذا سبيل الله أو صراط الله مستقيمًا».

ثم خط عن يمين هذا الخط خطوطًا وعن يساره خطوطًا. وقال: «على رأس كل سبيل شيطان». شيطان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد…. أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول للرسول ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾12 (الأنعام: 161). ﴿قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾. إن هذا الصراط المستقيم، أعني الإسلام، هو صراط الأنبياء والمرسلين كلهم فليس نبي ولا رسول إلا وهو على الصراط المستقيم على الإسلام والإسلام هنا المقصود به الإسلام العام وهو الاستسلام لله بالتوحيد الاستسلام لله والإقرار له بالوحدانية والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.

ولذلك قال الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾13 (الأنبياء: 25). فكل الأنبياء والرسل مهتدون لأنَّ طريقهم واحد وهو الصراط المستقيم هناك سبل قد تختلف وهي الشرائع هذا له شريعة. وهذا له شريعة لموسى شريعة ولعيسى شريعة ولغيرهما شريعة. لكن الأصل واحد وهو توحيد الله الواحد جل وعلا هذا الصراط المستقيم ولكن يحجز الناس عنه الشيطان الرجيم وإخوانه ووساوسه فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند أحمد والنسائي وغيرهما من حديث سبرة بن أبي فاكه، أنَّ النبي ﷺ قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه».

حقيقة الصراط المستقيم ولزومه في كل وقت وحال

الشيطان لن يتركك قعد لابن آدم بأطرقه فلما أسلم أسلم العبد. فقال له «أتسلم وتذر دينك ودين آبائك». وآباء آبائك ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾14 (الأعراف: 16). تأمَّل! العبارة لأقعدن لهم أنا قاعد قاعد، ما معنى قاعد؟ قاعد، يعني: ملازم كما قال الله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾15 (ق: 17). قاعد ما معنى قاعد ملازم. ولذلك لم يحتج إلى ذكر على فلم يقل لأقعدن لهم على صراطك المستقيم لأن معنى لأقعدن أي: لألزمن صراطك المستقيم، ما الغرض؟ لماذا؟ حتى أصد الناس عنه وحتى أصرف الناس عن الصراط المستقيم.

إذن عبد الله صراط الله المستقيم هو الإسلام وشعائر الإسلام وسبل السلام وباختصار شديد أن تعرف في كل وقت ما الذي يرضي الله في ذلك الوقت احفظ العبارة وحقِّقها. نسأل الله أن يلهمنا الصواب الصراط المستقيم، أن تعرف في كل وقت ما الذي يرضي الله في ذلك الوقت فتقوم بهذا الذي يرضي الله عز وجل فمثلًا أنت معك مال ما الصراط المستقيم لمن كان معه المال أن يشكر الله وأن يتصدق وأن يعطي حق الله إنسان مبتلى ما الصراط المستقيم في حقه، أن يصبر على ضرائه وهكذا في كل وقت وفي كل موقف هناك الصراط المستقيم.

نسأل الله أن يرزقنا الصراط المستقيم

الحث على الصدقة الجارية لدعم المستشفى الخيري للغسيل الكلوي

لا أحب أن أطيل عليكم أكثر من ذلك لنكمل إن شاء الله في الخطب القادمة ما يتعلق بأوصاف الصراط المستقيم وما إلى ذلك، يا أيها الإخوة الكرام، لا يخفى عليكم أن البلد الذي نحن به. نسأل الله أن يحفظه لهذا المستشفى الخيري الذي يراد منه الغسيل الكلوي لأولئك المرضى بهذا المرض.

نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، ولا شك أن هذا العمل من أبواب الخير العظيمة وهو من الصدقات الجارية فلا تحرم نفسك من هذا الخير ورب نفقة ولو كانت قليلة تنفعك يوم القيامة ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق ملتبسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، «وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا» ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم احفظ دماءنا وحرماتنا ومقدساتنا، وقدسنا يا ذا الجلال والإكرام أصلح أمراءنا وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك وأقم الصلاة.

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 53 ↩
  3. آية: ﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 53 ↩
  4. آية: ﴿وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 126 ↩
  5. آية: ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 56 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 208 ↩
  7. آية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 101 ↩
  8. آية: ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 16 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 51 ↩
  10. آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 61 ↩
  11. آية: ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 153 ↩
  12. آية: ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 161 ↩
  13. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 25 ↩
  14. آية: ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 16 ↩
  15. آية: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 17 ↩

من سلسلة: سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم (35 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة