سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم -وقفات مع سورة الفاتحة جزء2 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
أركان العبادة: الحب والخوف والرجاء
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾2 ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(الأحزاب: 70-71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله ومنَّته بهذه السلسلة الجديدة وقفات مع آيات القرآن الكريم ومع اللقاء الثاني في قول الله جل ذكره ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾3 (الفاتحة: 5).
تعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، على معنى العبادة، وعلى أركان العبادة وعرفنا أن العبادة لا بد وأن يكون فيها حب ورجاء وخوف فالعابد لله يكون محبًّا لله عز وجل ومحبته لله تسبق كل محبة وتغلب كل محبة كذلك يخاف الله، ولا يخاف من أحد سواه، وكذلك يرجو ما عند الله ويطمع فيما عند الله سبحانه وتعالى، فإذا عمل ذلك وقام به فهو بإذن الله قد راعى تلك الأركان الصحيحة للعبادة الصحيحة.
ولذلك من يزعم أنه يعبد الله جل وعلا دون أن يرجو ويطلب جنته ودون أن يخاف من ناره كتلكم المقولة أو المقالة المشهورة على لسان بعض الناس كرابعة وغيرها حينما قال: إن كنت أعبدك طلبًا لجنتك فلا تدخلني إياها وإن كنت أعبدك خوفًا من نارك فأحرقني بها فهذه مقولة غير صحيحة لأنَّ رسول الله محمدًا صلوات الله وتسليماته عليه كان يسأل الله جنته ويستعيذ بالله عز وجل من ناره فلا يضر الإنسان أن يكون سائلًا ربه جل وعلا طامعًا فيما عنده وأن يكون خائفا من عذاب الله عز وجل.
شمول مفهوم العبادة لمناحي الحياة كلها
وقد قال ربنا ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ يا أيها الإخوة الكرام، هذا المعنى الأول للعبادة وهو التعبد والتذلل لله عز وجل مع كمال الحب له سبحانه وتعالى، وهناك معنى ثانٍ للعبادة وهو العبادة باعتبار المتعبد به، أي: العبادة نتعرف عليها من خلال ما نتعبد لله عز وجل به من أنواع تلك العبادات والعبادة على ذلك اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فكل قول أو فعل يحبه الله ويرضى عن صاحبه فهو عبادة من العبادات فكثير من الناس يظن أن العبادة مقصورة على أركان الإسلام الخمسة ويرضى عن أصحابه إذا قاموا به فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة فكل قول يحب الله منا أن نقوله وكل اعتقاد يحب الله منا أن نعتقده وكل عمل يحب الله منا أن نقوم به فهو داخل في العبادة بفضل الله عز وجل ومن ثم فكل الأوامر التي أمر الله عز وجل بها وكل ما دعا الله عز وجل إليه أو دعا إليه رسوله محمد ﷺ فهو داخل في جنس العبادة المشروعة بفضل الله عز وجل فإذا كانت الصلاة من أعظم العبادات.
بل هي أعظم العبادات بعد التوحيد وإذا كانت الزكاة عبادة وإذا كان الصيام عبادة وإذا كان الحج عبادة إذا كانت الصدقات عبادة فكذلك بر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، والعدل بين الناس عبادة، وإماطة الأذى عن الطريق عبادة، والإصلاح بين الناس عبادة، وقضاء حوائج الناس عبادة، والأمر بالمعروف عبادة، والنهي عن المنكر عبادة، وكذلك كل خير وبر فيخطئ خطأ جسيمًا من يظن، أن العبادة مقصورة على أركان الإسلام أو أنها مقصورة على المسجد أو مقصورة على بعض أنواع العبادة.
إن العبادة تشمل الحياة كلها في كل مناحيها، وفي كل جوانبها. وقد أمر الله النبي محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، أن يقول ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ4 لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ تقدموا إلى الأمام يرحمكم الله رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام وأفسح لمن يدخل المسجد.
يا أيها الإخوة الكرام، هكذا العبادة في مفهومها العام لأنَّ كثيرًا من الناس يجهل ذلك ﴿إِلَّا﴾ تعلم أنك حينما تخرج من بيتك تريد أن تأتي بمال لتطعم زوجتك ولتطعم أولادك فأنت في عبادة إذا خرجت من بيتك تسعى على أسباب الرزق وتتكسب الكسب الحلال، ولا تضيع فرض الله وتؤدي حق الله فأنت على عبادة عظيمة بفضل الله عز وجل.
وهذه الطعمة، وهذا الطعام، وهذا الشراب الذي تعطيه لأولادك وتمنحه إياهم عبادة من العبادات العظيمة. وقد قال النبي صلوات ربي وتسليماته عليه «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في امرأتك». وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله» ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته في رقبة أي: في عتق رقبة «ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك».
إذن هذا من العبادة بلا شك فبعض الناس يظن، أن عمله إذا كان حلالًا ليس من العبادة وليس ذلك بالصحيح ﴿أَنَّمَا﴾ هو من العبادات التي يؤجر عليها العبد. أما الأعمال المحرمة فليست داخلة معنا كما لا يخفى فهو مما أنكره الشرع العظيم. إذن باب العبادة واسع باب العبادة شامل لكل الحياة بفضل الله يشمل الحياة اقتصادًا واجتماعًا وسياسة وأمورها كلها بفضل الله سبحانه وتعالى، وفي هذا رد صريح على ما يذهب إليه أدعياء العلمانية الذين يقولون دع ما لقيصر وما لله فإننا نقول إن الكون كله لله وإن الدنيا كلها لله وإن الذي خلق ورزق هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يصرفنا كيف يشاء وهو الذي إذا قال لنا فعلوا وهكذا الإسلام دين شامل للحياة كلها ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾5 (المائدة: 3).
التلازم بين العبادة الصحيحة وحسن الخلق
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا لذلك قال قوم شعيب لشعيب عليه الصلاة والسلام، ﴿يَـٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَـٰٓؤُا۟﴾ صلاتك التي نراك تصليها يا شعيب تأمرك، أن نترك عبادة الأصنام وأن نتصرف في الأموال بطريقة معينة بحيث نعطي الفقراء ونعطي المساكين مع أنَّها أموالنا الجواب نعم الصلاة تأمر وتنهى الصلاة تأمرك قال بعض العلماء: إن المقصود بالصلاة في الآية الكريمة الدين الإيمان أصلاتك تأمرك، يعني: أَدِينُك يأمرك؟ إيمانك يأمرك؟ فيخطئ خطأً جسيمًا من يقصر العبادة على الصلاة، وعلى الصوم، وعلى الزكاة فيصلي مع الناس في المسجد ويحج بيت الله الحرام لكنه لا يتعامل في معاملاته بدين الإسلام أو بحق الإسلام نقول له: لا إن الرسول عليه الصلاة والسلام، قد قال كما عند أبي داود وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم».
«إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ». كما تصلي وتصوم فأين أخلاقك وأين منهجك أين تعاملك مع الناس هكذا العبادة فمعنى قولنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نخصك يا ربنا بالعبادة كلها ففي كل عباداتنا نصرفها لله وحده وننظر ما الذي أمر الله به فنأتيه وما الذي نهى الله عنه فنحذره ونجتنبه ونتقيه ونقول يا ربي نسألك الإعانة والتوفيق وإياك نستعين.
أما أن تقول أو أن يكون حالك في المسجد على أمر وفي خارج المسجد على أمر، هذا هو الخلل. ولذلك وقع كثير من المسلمين فيما وقعوا فيه من خلل بسبب غفلتهم عن كثير من العبادات العظيمة فصاروا يتعبدون لله ببعض العبادات الظاهرة والشعائر الظاهرة مع ترك كثير من العبادات التوكل على الله من العبادة الخوف من الله من العبادة الرغبة فيما عنده الثقة فيما عنده كل ذلك داخل في العبادات بفضل الله وهو داخل في مضمون ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5).
﴿وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ من تأمل الإسلام في كل جوانبه وجده كاملًا لا خلل فيه ولا نقص بفضل الله، ولم لا وهو شرع ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ شرع الخالق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ إنك إذا قمت ببعض العادات والأمور المباحة وقصدت بذلك ابتغاء مرضاة الله والتقرب إليه. فإنَّ العادة تنقلب عبادة تؤجر عليها وتثاب من الله سبحانه.
قلب العادات إلى عبادات بالنية الصالحة
ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله، «رُبَّ عمل صغير تعظمه النية، ورُبَّ عمل كبير تحقِّره أو تصغِّره النية» تعمل عملًا يسيرًا عملًا قليلًا لكنك استحضرت فيه النية فإنَّك تثاب عليه وتؤجر عليه بفضل الله سبحانه لذلك كان بعضهم يقول إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي لو أنَّك حينما تجيء إلى النوم قلت: ونويت أنك ﴿أَنَّمَا﴾ تنام لتأخذ قسطا من الراحة حتى تتقوى على العبادة وحتى تستيقظ لصلاة الفجر وما تيسر من قيام الليل وحتى تستطيع أن تباشر عملك وحتى تسعى على معاشك، وعلى أسباب الرزق لتستغني بالحلال عن سؤال الناس فنومك عبادة.
بل ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الذي ينام وهو يريد أن يقوم الليل فذهب عليه قيام الليل بسبب النوم حسب له كما لو كان قائمًا من الليل، وكان نومه صدقة عليه كما جاء في الأحاديث التي صححها بعض أهل العلم عنه عليه الصلاة والسلام، نام ولم يستيقظ لصلاة القيام، ولكنه نام بالنية الطيبة، عُدَّ في الأجر والثواب كما لو استيقظ وصلَّى وصار نومه صدقة من الله وتفضلا عليه.
إذن العبد العاقل هو الذي يحتسب في أعماله إذا جئت لتأكل ولتشرب فنويت بأكلك وشربك التقوِّي على الطاعة فإنَّك بفضل الله تثاب على ذلك فاستحضر هذا المعنى جليًا ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 162). ﴿لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ لذلك قال بعض العلماء: «عادات أهل اليقظة عبادات، وعبادات أهل الغفلة عادات» الإنسان الغافل حتى في العبادة الخالصة كالصوم يتخذ الصوم عادةً يصوم لأنَّ الناس يصومون لا يستحضر أنها عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله جل وعلا إذًا صلَّى دون أن يستحضر عظمة الصلاة ودون أن يشعر بوقوفه بين يدي ملك الملوك جل وعلا ﴿أَنَّمَا﴾ يتخذ الصلاة عادةً أهل اليقظة فيحولون العادات إلى عبادات ليعيش العبد في حياته وهو عبد لله يقول يا ربي سيرني كيف شئت ومرني بما شئت فأنا أحيا وأموت طالبا رضاك.
نسأل الله أن يرضى عنا وأن يرضينا. وإنَّما يحركك نحو ذلك، أن تعقل حقيقة الأمر وأنك مخلوق لغاية عظيمة وهي عبادة الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنت تذكر دومًا أنَّ هناك هدفا كبيرًا ومقصودًا تسعى إليه لا ينبغي أن تحيد عنه طرفة عين أتدرون ما هذا الهدف هذا الهدف أن يرضى عنك الله عز وجل.
ما أجمل أن تعيش على هذا المقصود وأنت في حياتك وأنت في ذهابك وإيابك، وفي حلك وترحالك في رمضان، وفي غير رمضان في المسجد، وفي خارج المسجد في البيت، وفي العمل في كل أحوالك تستشعر أنك تسعى تجاه رضا الله. نسأل الله أن يرضى عنا وأن يرضينا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
النهي عن عبادة الله على حرف والموسمية في الطاعة
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، إذا كان الأمر كذلك فالعابد لله عابد له في كل الأحوال عابد له في كل الأوقات، وفي كل الأماكن والأحوال فمثلًا بعض الناس يقبل على عبادة الله في السراء حينما يكون حاله ميسورًا فإذا أصيب بفتنة وإذا أصيب بضراء تغيَّر أمره وترك عبادة ربه وانقلب على ما يرضي الله عز وجل. وقد ذم الله هؤلاء.
فقال عزَّ من قائل: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ ليس عنده يقين ﴿أَنَّمَا﴾ عنده تذبذب ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾6 (الحج: 11). ﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ﴾ ﴿بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ﴾ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ. نسأل الله السلامة والعافية. اعبد ربك في سرائك وضرائك اعبد ربك في وقت المحنة، وفي وقت المنحة اعبد ربك وقت العطاء ووقت المنع واعلم، أن منعه عطاء واعلم، أن منعه إعطاء فالله ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ إلا ليعطيك وما ابتلاك إلا ليعافيك فهو الكريم اللطيف سبحانه وتعالى، بعض الناس يعبد الله في موسم دون موسم كمن يجتهد في الطاعة في رمضان ويترك العبادة كلها في غير رمضان.
نسأل الله السلامة وكما قلت: لا شك، أن مواسم الخير يكون فيها مزيد من الاجتهاد فلا يُلام من كان في رمضان ذا همة عالية عظيمة، ﴿أَنَّمَا﴾ يُلام من يترك أصول العبادات في غير رمضان، وترك ما يقدر عليه من الطاعات وسائر العبادات العظيمة التي لا يقتصر فعلها على شهر رمضان. ولذلك قالوا كن ربانيًا، ولا تكن موسميًا فالعبادة ليست مقصورة على شهر ولا على زمان، والحق سبحانه قال: ﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ أي: الموت اعبد ربك حتى يأتيك الموت وأنت ملازم للعبادة محسن الظن في الله طالب ما عند الله اتقوا الله حق تقاته، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) فاعبد الله في كل وقت وفي كل مكان إذا منَّ الله عز وجل عليك بفرصة وبوقت عظيم القدر والمكانة لا، يعني: ذلك، أن تترك العبادة في الأوقات الأخرى أو في الأماكن الأخرى ففي كل مكان عبادة، وفي كل زمان عبادة والعبادات لا حصر لها كما تقدم ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾7 (الرحمن: 60).
إن كنتم إياه تعبدون مع أنَّ شكرك لله وعبادتك لله تنفعك أنت والله غني عنكم. ولذلك قال الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾8 (فاطر: 15). ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾، وفي الحديث القدسي عند مسلم وغيره من حديث أبي ذر رضي الله عنه «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم». كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا فالعبادة تنفعك أنت وشكرك لربك ينفعك أنت.
أبواب الصدقة المتعددة ومراقبة الله في الغيب
وقد قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كل سُلَامَى من الناس»، كل سُلَامَى، الله أعطاك السُّلَامَى والمفصل. وهذه الأعضاء كل سُلَامَى من الناس عليه صدقة المفترض أن تتصدق عن كل سُلَامَى في جسدك وعن كل مفصل في بدنك «كل سُلَامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس». لكن من رحمة الله، أن أبواب الصدقة كثيرة ليست مقصورة على دفع المال قال: «تعدل بين اثنين صدقة».
إذًا عدلت بين اثنين صدقة وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها صدقة تعين رجلًا على ركوب الدابة أو تعين أو تركبه معه هذه صدقة أو ترفع له عليها متاعه فهو صدقة قال: «ودَلُّ الطريق صدقة». إذًا دللت رجلًا على الطريق فهو صدقة وكل خطوة يخطوها إلى المسجد صدقة ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ والله كما قال يعلم السر وأخفى.
وقال ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ فاعبد الله في سرك واعبد الله في علنك اعبد الله حيث يراك الناس وحيث لا يراك الناس ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، بقي لنا أن نتعرف على شروط العبادة ثم على الاستعانة المقصودة بقوله وإياك نستعين. وهذا إن شاء الله في اللقاء المقبل اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله يلتبس علينا فنضل اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70-71 ↩
- آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 5 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 162 ↩
- آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 3 ↩
- آية: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 11 ↩
- آية: ﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الرحمن 60 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 15 ↩
من سلسلة: سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم (35 درسًا)