سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم -وقفات مع سورة الفاتحة جزء7 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
أثر قراءة القرآن في زيادة الإيمان أو نقصانه
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله ومِنَّته بهذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع سورة الفاتحة ومع ما أمرنا الله به إذ قال ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ أمرنا الله جل ذكره بترداد هذه الآية كلما قرأنا سورة الفاتحة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وتعرفنا.
يا أيها الإخوة الكرام، على بعض أسباب الهداية وما زال الحديث موصولًا بذلك. نسأل الله أن يهدينا وأن يثبتنا على دينه وأن نلقاه ونحن على الهدى والتقى والإيمان، يا أيها الإخوة الكرام، عرفنا أن من أجل أسباب الهداية اتِّباع القرآن الكريم والسير على هذا الطريق العظيم فالله سبحانه أنزل القرآن الكريم على قلب النبي الأمين محمد ﷺ لنتبعه، ولنسير وراءه ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾2 (فصلت: 44).
تحصيل رضوان الله الأكبر وتقديم رضاه على ما سواه
أُو۟لَٰٓئِكَ ﴿يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ يقول الحسن رحمه الله، «لا يقرأ أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان» كل من قرأ القرآن إمَّا أن يقوم. وقد ازداد إيمانه. وقد اقترب من ربه وإمَّا أن يتأخر لأنَّ القرآن إمَّا أن يكون حجة لك وإمَّا أن يكون حجة عليك ولربما قرأ قارئ القرآن والقرآن يلعنه لأنه تارك لما في القرآن والله قال ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾3 (الإسراء: 82).
وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا فإذا قلت: أخي الكريم كيف أهتدي بهدى القرآن وكيف أستقل هدى من القرآن وكيف لا أحرم ذلك الخير والفضل العميم الذي أنعم الله عز وجل به علينا حينما أنزل القرآن على النبي ﷺ فأجيبك قائلًا إن الله جل ذكره قد قال ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ يهدي به الله، مَن هذا الذي يهديه الله؟
﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾4 (المائدة: 16). ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ تقدموا إلى الأمام يرحمكم الله. رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام وأفسح لمن يدخل المسجد. يقول سبحانه ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ فإذا أردت أن تهتدي بهدى القرآن فاتبع رضوان الرحمن فمن اتبع رضوان الله فاز باتِّباع القرآن ونال هدى الله عز وجل أن يتبع سبل السلام، وما سبل السلام؟؟
إنها شرائع الإسلام، إنها أحكام الإسلام، لأنَّ أحكام الإسلام هي سبل السلام، وهل قيل للإسلام إسلام، إلا لأنه سلام واستسلام فالله يقول سبل السلام، لذلك قال الله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾5 (البقرة: 208). خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. الأمر باختصار: ما معنى أتبع رضوان الله؟ أنظر ما الذي يرضي الله فأفعله وما الذي يسخط الله فأتركه هذا عنوان الهداية إذا أردت أن تكون من المهتدين أو إذا كنت تسأل نفسك قائلًا أمن المهتدين أنا أم.
إن أم من الضالين فسل نفسك أين أنت مما يرضي الله فإذا كنت من هؤلاء الذين يفعلون ما يرضي الله ويقولون ما يرضي الله ويتجنبون ما يسخط الله فأنت على الهدى فاثبت، ثبَّتك الله عز وجل نعم، رضا الله، ما أجمل أن نسعى إلى رضا الله ذلكم هو الهدف الكبير لأنك إذا أرضيت الله رضي عنك وأرضاك وإذا أرضاك فأنت من الفائزين قطعًا ورضاه أعظم من جنته لأنَّ جنته ﴿أَنَّمَا﴾ يدخلها من رضي الله عنه لذلك لما ذكر الله الجنة وحال ساكنيها وبعض ما أعد فيها قال ﴿وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ﴿وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ من الجنة رضوان الله أكبر من النعيم.
ذم إرضاء الناس بسخط الله ووجوب إخلاص القصد للرب
وقد قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه ﷺ قال: «يقول الله تعالى لأهل الجنة: يا أهل الجنة». يا أهل الجنة. نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك والخير كله في يديك فيقول الله لهم: هل رضيتم؟ هل رضيتم فيقولون يا ربنا ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ نرضى.
وقد أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلقك فيقول الله: ﴿إِلَّا﴾ أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون وما هو أفضل من ذلك فيقول: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». أن يحل عليك رضوان الله وأن تكون ممن رضي الله عنهم، وأرضاهم وإذا أردت أن يرضى الله عنك فحقِّق رضا الله وأرضِ الله. انظر ما الذي يرضي الله فافعل، وما الذي يسخط الله فتجنَّب، ولا تقول سأفعل ما يرضي الله وما يرضي الناس ﴿أَنَّمَا﴾ افعل ما يرضي الله.
فإنَّ الله سيرضيك ويرضى عنك الناس وإن لم يرض كل الناس. فإنَّ رضا الله أعظم وأجل. وقد قال ﷺ: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس». وفي لفظ كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس تريد الناس هؤلاء هم تريد الدنيا هذه هي الدنيا والناس قلوبهم متقلبة وهل سمي القلب قلبا إلا لأنه يتقلب فاليوم سترضيه و غدًا ستسخطه واليوم ستسخطه وغدًا سترضيه.
أما الله سبحانه فإذا أرضيته فذاك مبلغ الأمل، ومنتهى الرغبة. نسأل الله أن يحقق لنا رضاه لذلك ذم الله المنافقين حينما يكون همهم إرضاء الناس. فقال جل وعلا يحلفون بالله ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾6 (التوبة: 62). وتأمل جمال التعبير القرآني لم يقل الله ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن﴾ يرضوهما لم يقل ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن﴾ يرضوهما ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾، لأن رضا الرسول رضا لله لأنَّ رضا الرسول رضا لله ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله ورضا الرسول لا يكون إلا فيما يرضي الله عز وجل.
وقال سبحانه ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾7 (التوبة: 96). الفاسقين. وقال جل وعلا ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾8 (التوبة: 24). ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ﴾ ﴿تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ﴾ ٱلْفَٰسِقِينَ فأرضِ الله سبحانه وتعالى، واعلم، ومن ألوان رضا الله سبحانه المحافظة على الصلاة.
فهذا يرضي الله جل وعلا لذلك قال الحق سبحانه وتعالى، ﴿وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ إذًا سبحت الله وصليت بالليل وبالنهار صليت صلاة الفجر صليت ظهرًا وعصرًا صليت المغرب صليت النوافل وتنفَّلت بما فتح الله لك ويسَّر لك فإنَّك ترزق الرضا وهناك قراءة أخرى وهي قراءة متواترة لعلك ترضى لعلك ترضى ولعلك ترضى أي: إذا فعلت ذلك.
التسليم لحكم الله والرضا بقضائه عند المصائب
فإنَّ الله سيرضيك وسيعطيك ما به ترضى بفضل الله سبحانه وتعالى، وأثنى الله على بعض أنبيائه ورسله. فقال، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ لأنه أمر بالصلاة وأمر بالزكاة فكان عند ربه مرضيًّا وخلاصة الأمر: إذا أردت أن تكون من المهتدين فأطع ربك واجتنب نواهيه حتى تكون من المهتدين ﴿إِلَّا﴾ تعلم أن الله يحب كذا وأنت لا تفعله؟ وأن الله يكره كذا وأنت تفعله تعلم، أن الله لا يحب منك تلك المعصية وأنت تقترفها لا تكن كذلك ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ﴾ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7).
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وقد ذم الله قومًا، ماذا قال للمنافقين؟ قال الله سبحانه. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَـٰرِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ۙ ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لِلَّذِينَ كَرِهُوا۟ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلْأَمْرِ﴾، اسمع يقولون لمن يسخط الله يريدون أن يجمعوا جميع الأهواء يريد أن يرضى عنه الصالحون وأن يرضى عنه الفاسدون فيقول: سنطيعكم في بعض.
الأمر ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ﴾ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُوا۟ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُوا۟ رِضْوَٰنَهُۥ فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ فلا تحبط عملك وإنَّما اتبع رضوان ربك في كل أمورك حتى تكون من المهتدين يا أيها الإخوة الكرام من أسباب الهداية كذلك التسليم لحكم الله والرضا بقضاء الله. فإنَّ من رضي بقضاء الله هداه الله، ومن استسلم لحكم الله هداه الله والدليل من القرآن قول الله جل وعلا ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ اسمع الآية، ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ إذا كنت حينما تصاب بمصيبة تسلم.
الأمر لله وتفوض. الأمر إليه، ولا تتسخط على قدره فأبشر فأنت على الهدى، ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
ثمرة الإيمان في سكون القلب وحصول الهداية عند البلاء
فيا عباد الله، من أسباب الهداية تسليم الأمر لله وتفويض الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، وأن لا تعترض على الله فإذا أصبت بمصيبة فاحمد الله وقل ما علمنا الله جل ذكره ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156) ما الجزاء؟ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ﴾، اسمع.
وهذا موضع الشاهد إذا سلمت حكمك لله وقلت ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ هدى الله قلبك فسكن فؤادك ورضيت بقضاء الله فسعدت في الدنيا والآخرة وكثير من الناس يتصور أن المصيبة تنحصر في مصاب الموت، ولا شك، أن الموت مصيبة كما سماها الله فأصابتكم مصيبة الموت. نسأل الله أن يرحم موتى المسلمين. لكن المصائب أعم من ذلك ومن يسلم من الابتلاء، ومن يسلم من المصائب والله قال ولنبلونكم، يعني: والله لنبلونكم.
وقال ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾9 (آل عمران: 186). أي: والله قال ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾10 (العنكبوت: 2-3). وهم لا يفتنون أتظن أنك تقول أنا مؤمن والله سيتركك دون أن يختبرك دون أن يبتليك دون أن يمحصك. إذن ما منا أحد إلا ويُبتلى فما الذي يصنعه عند الابتلاء لا يعترض على قدر الله سبحانه، ولا يتسخط على قدر الله وإنَّما يقول رضيت بالله ورضيت عن الله وسلمت الحكم لله قال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من هذا الذي ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربه وبالإسلام دينه وبمحمد ﷺ نبيه وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ بعض الناس يعبد الله على حرف ليس عنده ثبات لماذا لأنه غير مهتد هدايته منقوصة قال الله SP13 ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةَ ذَٰلِكَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ أما المؤمن وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ قرأ بعض القراء وهي قراءة غير متواترة وتحمل على أنها تفسيرية ومَنْ يؤمن بالله يهدأ قلبه يهدأ قلبه يكون هادئًا ليس مرتجفا ترى بعض الناس حينما يصاب بمصيبة ربما فرط في الطاعة وربما قال: يا رب لماذا ابتليتني وعافيت فلانا يا رب لِمَ منعتني وأعطيت فلانًا؟ يا رب لِمَ حرمتني ومنحت فلانًا؟ ونسي هذا المسكين أن عطاء الله خير وأن منع الله خير وأن ما يقدره الله له خير والرسول قال: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير».
وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له فالله يبتليك بالسراء ويبتليك بالضراء وما منعك إلا ليعطيك وما حرمك إلا ليمنحك وإذا أغلق عليك بابًا فتح لك أبوابه وإذا حرمك من شيء منحك أشياء فهو الله الرزاق الفتاح العليم فجدير بك إذا أردت أن تكون من المهتدين، أن تشعر بهذا.
الأمر وأن تحقق أن تسلم. الأمر لله وأن ترضى بقضاء الله، ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ثم اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك هذه المصيبة التي حلت بك هي واقعة شئت أم أبيت لم تكن لتنزل بغيرك والله قدَّرها عليك وتلك المصيبة التي عافاك الله عز وجل منها كثير من الناس تراه في ضلال يترك الطاعة ممزق الفكر مشتت البال لما
لأن صدره ضيق يقول أنا في كرب يقال له: صلي يقال له: ادعُ، يقال له: اقترب من ربك يقول دعني وشأني معي من البلاء ما يكفيني، وعندي من المصائب ما يكفيني لو أنصفت لعلمت أنك على خطر وأنك لو عدت إلى ربك وسلمت. الأمر لربك كفاك الله تلك الشؤون كلها وأبدلك خيرًا منها فصرت إلى سعادة في الدنيا وإلى سعادة في الآخرة.
جعلنا الله من المهتدين.
مجاهدة النفس في طاعة الله واستحقاق معية المحسنين
يا أيها الإخوة الكرام، من أسباب الهداية المجاهدة. فمن جاهد نفسه. فإنَّ الله سيهديه. لا تقول أنا ضعيف. لا تقل أنا لا أقوى على الطاعة. الشيطان يستزلني. والشيطان يوسوس لي. أحاول الاستقامة، لكنني مع ذلك أترك الطريق. ماذا أصنع؟ أخي، قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾11 (العنكبوت: 69). ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ اقترب من ربك والله سيقرِّبك وسيأتي مزيد بيان لذلك.
إن شاء الله في الخطبة المقبلة اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق ملتبسًا علينا فنضلَّ اللهم آتنا في الدنيا حسنة اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وسائر بلاد المسلمين اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم اغفر لحينا ومَيِّتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا يا ذا الجلال والإكرام سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 44 ↩
- آية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 82 ↩
- آية: ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 16 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 208 ↩
- آية: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 62 ↩
- آية: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا۟ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 96 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 24 ↩
- آية: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 186 ↩
- آية: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 2-3 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
من سلسلة: سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم (35 درسًا)