مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لا تنس نفسك

خطب · الدرس 234 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، لا يرتاب أحد في أنَّ الإنسان قد جُبل على محبة نفسه والحرص عليها ولعله من أجل ذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسولنا محمد ﷺ لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي.

فقال له الرسول الأكرم ﷺ لا حتى أكون أحب إليك من نفسك، فراجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه وعلم، أن النفس قد تدعو الإنسان إلى ما فيه هلاكها وهي لا تدري أو وهو لا يشعر. فقال: يا رسول الله لأنت الآن أحب إليَّ من كل شيء حتى من نفسي. فقال الرسول ﷺ الآن يا عمر الآن يا عمر.

وقد قال الله جل وعلا في محكم التنزيل: ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ. فقال ﴿أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ لأنَّ الإنسان جُبِلَ على محبة نفسه، وعلى الحرص عليها وإذا رأينا إنسانًا لا يحب نفسه وينساها ويغفل عنها فإنَّنا نقول إنَّ لديه خللًا عظيمًا. نسأل الله السلامة والعافية. ومع ذلك فقد حدثنا الله جل وعلا في القرآن الكريم، أنَّ هناك من ينسى نفسه فهل عقلنا هذا.

المعنى العظيم الذي أثبته الرب الكريم في قرآنه إذ بين، أن من الناس من ينسى نفسه نعم ينسى الإنسان نفسه وكيف ينسى الإنسان نفسه ألم يقل الله جل وعلا ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ ألم يقل رب العزة سبحانه ﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إنها حقيقة تغيب عن كثيرين يغيب عن الإنسان أنه ربما نسي نفسه وهو لا يدري كيف ينسى الإنسان نفسه هل يمكن أن يكون الإنسان ناسيًا لنفسه الجواب بلا شك يوجد من الناس من ينسى نفسه ونسأل الله السلامة بعضنا في واقعنا الحياتي

والعملي ربما إذا رأى بعض الناس يقبل على قضاء حوائج الناس يقول إنَّك تنسى نفسك مع أنَّ هذا ليس هو المراد فالإنسان إذا لم يقصر في حقه وفي حق رعيته، ومَنْ أوجب الله عز وجل عليه أن يرعاهم وأن يحفظهم وأحسن إلى الخلق فهو في الحقيقة ليس ناسيًا لنفسه. بل إنه يقدم لنفسه الخير العظيم إذًا مَنْ الذي ينسى نفسه الذي ينسى نفسه هو الذي يهملها فيؤثر الدنيا على الآخرة مَنْ الذي ينسى نفسه الذي ينسى نفسه هو الذي ينسى الله مولاه مَنْ الذي ينسى نفسه هو الذي ينسى الدار الآخرة مَنْ الذي ينسى نفسه الذي نسي حقيقة نفسه والذي غفل عن أصله ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾ ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ﴾ ثم السبيل يسره ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ﴾ ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُۥ﴾ ينسى الإنسان نفسه حينما لا يتذكر ماضيه حين يغفل عن أصله من تراب من نطفة حين ينسى ما الذي سيصير إليه أمره حين يدخل القبر حين يصير ترابًا ينسى نفسه حين يغفل عن المصير حين لا يدرك إلى ما يصير أمره، ولا يتفكر في آخرته وصدق الله إذ قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾.

يا أيها الإخوة الكرام، قد بين الله جل وعلا لنا لماذا ينسى الإنسان نفسه. فقال، وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ هذا معناه: أن نسيان النفس عقوبة، ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ﴾ ينهانا الله عن ذلك فمن ارتكب هذا النهي ونسي الله ما عقوبته يا ربنا ما عقوبته ما جزاؤه فأنساهم أنفسهم، إذًا نسيان النفس عقوبة يعاقب الله جل وعلا بها من نسيه وكيف ينسى الإنسان خالقه وكيف ينسى الإنسان مدبر أمره وكيف ينسى الإنسان لماذا خلق ولماذا جعله الله في تلك الحياة وما خلقت الجن

والإنس إلا ليعبدون ما أحوجنا إلى أن نراجع أمرنا من أجل أنفسنا لا من أجل أحد آخر اليوم حديث النفس للنفس تحدث نفسك لتتذكر حالك ولتعلم أين نفسك منك ولذا قال الرب الكريم. ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ ذهب بعض علماء البلاغة إلى أن قوله سبحانه. بَلِ ٱلْإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ فيه أسلوب تجريد، وكأنَّك جرَّدت من نفس نفسك نفسًا أخرى فكان لك نفسان إحداهما تكون حكمًا على الأخرى.

بل الإنسان والإنسان له نفس على نفسه بصيرة إذًا أنت الذي تتبصَّر وأنت الذي تحاسب نفسك فما حك جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك فخير من يحاسبك نفسك التي بين جنبيك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يحاسبك ربك الذي لا يظلم أحدًا سبحانه وتعالى، لذلك جاء في القرآن الكريم جاءت آيات كثيرة تبين لنا أن من قدم فإنَّما يقدم لنفسه ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار: 5) ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾.

وقال: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ﴾. وقال ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. وقال، ﴿وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ﴾. وقال، ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦ﴾ الله الله في نفسك ما أحوجك إلى أن تنظر في نفسك ما الذي صنعته لها وما الذي قدمته لها لا تنسى الله حتى لا تنسَ نفسك، ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ نعم ليكن ربك سبحانه وتعالى، على ذكر منك في كل أحوالك تتذكره في ذهابك وإيابك وسفرك وإقامتك هنا وهنالك في كل أوقاتك لأنَّ الله مالك كل شيء ولا غنى لنفسك عنه ومَنْ يستغني عن الله؟، ومن يستغني عن ذكر الله.

فإنَّ قلت: وكيف ينسى الإنسان الله يقال لك إذا تسلَّط الشيطان عليك فصرت أسيرًا له فالشيطان يحاربك ولكنه في الظاهر يظهر مودته لك وحرصه عليك مع أنَّه عدو مبين كما بين رب العالمين اسمع إذ قال الله ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ استحوذ عليهم الشيطان تسلط عليك الشيطان أو تسلط الشيطان على الإنسان فأسره فصار الإنسان أسيرًا له يحركه الشيطان لا دعوة الرحيم الرحمن سبحانه جل وعلا وحينئذ ينسى الله فينساه الله وينسيه نفسه.

ولذلك. فإنَّ نسيان الله له عقوبتان خطيرتان الأولى أن ينساك الله والثانية، أن ينسيك الله نفسك. أما نسيان الله لك قال الله ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ فنسيهم وما معنى أن الله ينساك، أي: أن الله يهملك يتركك لا يحفظك يترك الشيطان يتسلط عليك هذا خطر عظيم. نسأل الله السلامة النسيان يأتي بمعنيين. أما المعنى الأول فهو الذهول وغياب الشيء عن الإنسان يكون بينك وبين آخر موعد فيقول: لك: لم تأتِ في الموعد فتقول سبحان الله نسيت ذهل عن عقلي وفكري هذا الموعد.

فهذا النسيان بمعنى الذهول ويأتي النسيان بمعنى الترك المتعمد أن تترك الشيء تقول أنا سأنساك أنت تستطيع أن تتذكره. لكن المعنى أنك تهمله وأنك لن تبالي به ولن تنظر إليه، ولن تلتفت إليه قال الله سبحانه فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ. تأمَّل! قول فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ يعاملهم معاملة الناس الكل يقول يا رب سلِّم، سلِّم، سلِّم والأنبياء يقولون «نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي» وأنت تريد أن يتذكرك الله وأن يدخلك جنته ورب العزة يقول في قوم ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾ ﴿وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ فنسأل الله السلامة إذًا لا تجعل الشيطان يتسلط عليك الشيطان عدو مبين لك جدير بك، أن تشعر بهذا ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ والعجيب أن نفسك نفسها أن نفسك تأمرك بالسوء كثيرًا إلا من رحم الله ولذا قال الله، ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ نفسك هي التي تدعوك إلى أن تكون من الهالكين.

نسأل الله السلامة فاحرص على ذلك. ولذلك تأتيك النفس من باب التزيين والتسهيل والأماني الكاذبة فتسهل لك وتقول لك لا حرج عليك، ولا تثريب ارتكب تلك المعصية وافعل ما شئت من الشهوات أنت ما زلت شابًّا، وفي ريعان شبابك أو أنت ما زلت في قوتك، وفي صحتك وبإمكانك، أن تتوب إلى ربك والرب غفور رحيم تواب والرب غفور رحيم تواب لطيف غفور شكور سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه ذاكرًا قول يعقوب لأولاده حينما سهلت لهم أنفسهم المعصية ماذا قالوا ماذا قال الأولاد في بداية.

الأمر أولاد يعقوب عليه السلام قالوا في حق يوسف ﴿ٱقْتُلُوا۟ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ﴾ ما قالوا ﴿وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا﴾ فاسدين ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا وَتَكُونُوا۟ مِنۢ بَعْدِهِۦ قَوْمًا صَـٰلِحِينَ منَّتهم أنفسهم إنهم حين يتخلصون من يوسف. فإنَّ الحسد سيذهب من قلوبهم وسيقبل على طاعة الله لذلك قال يعقوب قال.

﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ نعوذ بالله من تسويل نفوسنا لنا الشر قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وماذا قال الله في شأن ابني آدم حينما قتل أحدهما الآخر فطوعت. تأمَّل! ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ النفس هي التي سهلت هي التي طوعت لأنه غفل عن حقيقة أمره نظر إلى الدنيا العاجلة ونسي الآخرة الباقية لذلك قال الله.

﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾. وقال ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، يا أيها الإخوة الكرام، إبراهيم التيمي رحمه الله، قال تمثلت نفسي في الجنة تمثلت نفسي في الجنة فرأيتني آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ثم تمثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج أغلالها وسلاسلها وسلاسلها فقلت لنفسي أي: نفسي أي: شيء تريدين تريدين الجنة أم تريدين النار وتمثل نفسه كأنَّه في الآخرة رأى الجنة ونعيمها ورأى النار وعذابها أي: نفس أي: نفسي أي: شيء تريدين.

فقالت أريد أن أُردَّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا قال لها أنتِ في الأمنية فاعملي أنتِ في الأمنية فاعملي أنت اليوم في الأمنية بإمكانك، أن تعمل وأن تبذل وأن تضحي وأن تقدم طاعة الله على الهوى حينئذ يحفظك الله سبحانه وتعالى، ولقي رجل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ رجلًا آخر. فقال له: يا هذا أترضى حالتك التي أنت عليها للموت ترضى أن تموت على تلك الحالة قال لا والله ما أريد أن أموت على هذه الحالة من التقصير والتفريط في جنب الله.

فقال له فهل عزمت على توبة من غير تسويف هل عزمت على توبة من غير تسويف قال لا قال فهل تعلم دارًا غير هذه الدار لتعمل فيها قال لا قال: فهل لك نفسان إذا ذهبت إحداهما عملت بالأخرى؟ قال لا قال فهل تأمن على نفسك هجوم الموت قال لا قال: ما أقام على ما أنت عليه عاقل، ما أقام على ما أنت عليه عاقل لا يأمن الإنسان هجوم الموت وليست له إلا نفس واحدة يعمل بها فليتقي الله عز وجل فيها أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» ﷺ «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، ينسى الإنسان نفسه حين يقدم دنيا فانية على آخرة باقية ا رأيتم، يا أيها الإخوة الكرام، لو كان هناك خزف لكنه باقٍ يبقى للإنسان لكنه باق للإنسان لا يذهب عن ملكه ومعه ذهب لكنَّه فانٍ يفنى ثم بعد ذلك يذهب أثره على العاقل أن يقدم الخزف الباقي على الذهب الفاني فكيف ونحن إذًا قارنًا بين الدنيا والآخرة وجدنا أن الدنيا هي الخزف الفاني وأن الآخرة هي الذهب الباقي أن رب العزة سبحانه وتعالى، قال ﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.

وقال ﴿كُلُّ ٱمْرِئٍۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ما معنى رهين ما معنى رهينه رهين أي: محبوس رهين فعيل بمعنى مفعول أي: مرهونة أي: كل نفس محبوسة أنت محبوس عما تريد تريد أن تدخل الجنة وهناك ما يحبسك عنها فإذا استطعت أن تفك نفسك وأن تفك رقبتك من هذا الحبس صرت من الناجين الفائزين ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ لذلك قال الرسول ﷺ كما في مسلم كل الناس يغدو كل الناس في هذه الدنيا يغدوا «فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».

أما أن تعتق نفسك. نسأل الله أن يعتق نفوسنا من النار أو موبقها مهلكها يوردها نار جهنم. نسأل الله السلامة ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الرسول الكريم ﷺ أوصى ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه حينما سأل الرسول مرافقته في الجنة قال له ماذا قال أعني على نفسك بكثرة السجود اسمع هذه الجملة أعني على نفسك أنت تعان على نفسك، أن تتغلب على هواك هواك يريد أن يذهب بك هنا وهناك وهناك طاعة الله مولاك فالزم طاعة الله، ولا تتبع الهوى.

فإنَّ كثيرًا من الناس يتحول بهم الهوى إلى أن يكون لهم إلهًا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾. نسأل الله السلامة والعافية. يَا نَفْسُ تُوبِي فَإِنَّ الْمَوْتَ قَدْ حَانَا … وَاعْصِي الْهَوَى فَالْهَوَى مَا زَالَ فَتَّانَا. أَمَا تَرَيْنَ الْمَنَايَا كَيْفَ تَلْقُطُنَا … لَقْطًا وَتُلْحِقُ أُخْرَانَا بِأَوْلَانَا فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا مَيِّتٌ نُشَيِّعُهُ … نَرَى بِمَصْرَعِهِ آثَارَ مَوْتَانَا مَا بَالُنَا نَتَعَامَى عَنْ مَصَائِرِنَا … نَنْسَى بِغَفْلَتِنَا مَنْ لَيْسَ يَنْسَانَا ﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ا رأيتم.

يا أيها الإخوة الكرام، ما يُسمَّى بـ المعاملات في المعاملات بباب الرهن ما معنى الرهن والرهن جائز، ولا بأس به والله قال ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ والقراءة المتواترة الأخرى فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ احتجت أن تقترض من أحد قرضًا أن تأخذ منه دينًا. فقال له: ما الضمان أريد أن تعطيني رهنًا هذا الرهن يبقى عندي إلى أن تقضي الدين فإذا قضيت الدين أعطيتك الرهن هناك فكان لديك بيت عظيم وفخم تعبت فيه وسافرت من أجل بنائه وتكلفت فيه الكثير والكثير لكنك بعد ذلك احتجت إلى بعض المال فقلت له أعطني المال وخذ البيت أو عقد البيت رهنًا عندك فإذا سددت المال وقضيت المال فأعطني بيتي هل ترون من العقل

والحكمة، أن يقول هذا الإنسان ليأخذ البيت، ولن أرد المال أم سيقول سأبذل كلما في وسعي حتى أقضي الدين لأسترد بيتي لأنَّه أغلى وأثمن كذلكم الدنيا والآخرة أنت في الدنيا عليك دين، دون أن تقضي هذا الدين بأن تؤدي عبادة الله وأنت راض بالله وراض عن الله لتفوز بجنه عرضها السماوات والأرض فلا تفرط في عطاء الله، وفي الخير العظيم الذي تنتظره، إن كنت من أهل الجنة.

جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه، أن الرسول عليه الصلاة والسلام، مما كان يدعو به في آخر صلاته ﷺ وأسألك برد العيش بعد الموت. تأمَّل! وأسألك نعيمًا لا ينفد كل نعيم في الدنيا يذهب يذهب لا يبقى. تأمَّل! دعاءه وأسألك نعيمًا لا ينفد وقرة عين لا تنقطع في الدنيا قد تقر عينك بولدك فيذهب الولد وربما يستغني عنك بزوجه وأولاده قد يكون عملك قرة عين فيذهب عنك قد تكون صحتك قرة عين لك فتذهب عنك وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة، ولا فتنة مُضِلَّة اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك برد العيش بعد الموت ونسألك نعيمًا لا ينفد وقرة عين لا تنقطع ونسألك لذه النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة، ولا فتنة مُضِلَّة اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحة للأمن والأمان والسلم والسلام يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة