مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاملته للشباب جزء2 خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم · الدرس 30 من 45 · 32 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. اللقاء الثاني في عناية النبي ﷺ بالشباب وتزكيتهم
  2. نماذج من همة فتيان الصحابة ومكانة الشباب في قوة الأمة
  3. شجاعة الزبير ونبوغ ابن عباس واكتشاف مواهب الشباب
  4. توجيه علي للقضاء واستشارة الشباب وعدم احتقار قدراتهم
  5. اغتنام الشباب في الطاعات ومحبة النبي لمعاذ بن جبل
  6. توقير الصغير للكبير وحياء ابن عمر وأدب أبناء الخلفاء
التفريغ النصي الكامل للدرس

اللقاء الثاني في عناية النبي ﷺ بالشباب وتزكيتهم

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار. نسأل الله السلامة والعافية. كما نسأله سبحانه الهداية والتوفيق والإخلاص والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله وعونه وتوفيقه مع هذه السلسلة هكذا خطب النبي ﷺ عليه وآله وسلم أو.

إن شئت فقل وقفات مع قول الله جل ذكره ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾5. وهذا هو اللقاء الثاني، يا أيها الإخوة الكرام، مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والشباب كيف كان صلى الله عليه وآله وسلم يعامل الشباب كيف كان يهذبهم ويوجههم ويزكي نفوسهم تعرضنا لطرف من

نماذج من همة فتيان الصحابة ومكانة الشباب في قوة الأمة

ذلك في اللقاء السابق فعرفنا كيف كان جيل الصحابة رضي الله - تبارك وتعالى عنهم جيلًا مباركًا ذلكم، أن الذي رباهم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفى فرأينا أمثلة مشرقة ونماذج منيرة تبين لنا كيف كانت همة أولئك الأفاضل وإلى أي: هدف كانوا يتوجهون فنشأ هذا الجيل الفريد بهذه الأخلاق السامية وبهذه المبادئ العالية تعرفنا على نفر منهم فعرفنا كيف «أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» رضي الله عنهما يقود جيشا كبيرًا وهو لم يتجاوز عشرين سنة، كان عمرو

ثمانية عشرة سنة على قول أكثر أهل العلم في ذلك، ويكون تحت ولايته وتحت إمرته أكابر الصحابة رضي الله - تبارك وتعالى عنهم عرفنا كذلك كيف «أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ» رضي الله عنه وهو صغير كيف يكون كاتبا للوحي الذي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكيف يتقن اللغة السريانية في مدة قصيرة جدًا ثم بعد ذلك يؤتمن ليكون قائمًا على أمره على أمر عظيم جليل ﴿إِلَّا﴾ وهو تدوين المصحف أو.

إن شئت فقل هذا المصحف التي جمعت فكان قائمًا على جمع القرآن الكريم كما تقدم بيانه وهو ما زال شابًّا. بل قال له أبو بكر رضي الله عنه إنك شاب عاقل لا نتهمك فذكر من أوصافه التي أهلت أنه شاب عاقل رضي الله تعالى عنه كيف أنك، أن الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يأتون رسول الله ﷺ وهم حدثاء الأسنان فتدمع عيونهم يريدون أن يكونوا مجاهدين مع رسول الله ﷺ فإذا رد الرسول أحدهم بكى وإذا أجاز أحدهم فرح ويقول يا رسول الله أنا أقوى من فلان الذي أجزته وأنا أستطيع أن أصارعه فأصرعه فيجيزه الرسول الكريم ﷺ همم عالية عرفنا ماذا صنع معاذ ومعوذ كيف لأنَّهما خرجا من أجل الذب عن رسول الله ﷺ وأنهما لم يطيقا ما سمعا من سب أبي جهل لرسول الله محمد ﷺ ثم أتيا الرسول قائلين كلنا أو كلانا قتل.

أما قتلته يا رسول الله. أما قتلته يا رسول الله شرف وأي شرف أن يدفع عن عرض رسول الله ﷺ وعن قدر رسول الله وعن جناب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شباب تربى بحق وتربى بصدق عرف كيف تكون التربية وكيف تتحقق الأهداف وإن شئت فقل إن الشباب عنوان الأمة فالأمة ﴿أَنَّمَا﴾ تقاس حقًا بشبابها إذا كنت تظن، أن الأمة تقاس ببترولها أو تقاس بذهبها أو تقاس بأموالها.

فهذا مقياس خاطئ ﴿أَنَّمَا﴾ تقاس الأمة برجالها تقاس الأمة بشبابها فإذا رأيت الأمة قائمة على شباب أقوياء يتقون الله عز وجل ويتخلقون بالأخلاق الكريمة يتمسكون بأهداب الفضائل وأذيال الكمالات إذا رأيت ذلك فاعلم أنها أمة متماسكة وأنها أمة قوية البنيان وأن عدوها لن يقدر على أن ينال منها. أما إذا رأيت أمة شبابها ضعفاء أهدافهم ساقطة يتهافتون على سفاسف الأخلاق ويتسابطون عليها تساقط الذباب على تلك الأمور الكرهة فاعلم أنها أمة غير قوية وأنها كثيرة وأن عدوها سينال منها ما ينال فمصدر عزة الأمة شبابها إذ الشباب عقلها النابض وقوتها الحاضرة.

كما أنها مستقبلها وحاضرها لو أنَّ الناس أدركوا وعلموا لذا. فإنَّ الرسول ﷺ عني بهم عناية فائقة، ولا عجب أن ترى في جملة كبيرة من أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فأردف ابن عباس وأردف معاذ بن جبل وأسامة بن زيد وجابرًا وغيرهم رضي الله - تبارك وتعالى عنهم أجمعين كل ذلك لعلَّمه صلوات الله وتسليماته عليه ما للشباب من قدرة، ومن أهمية، ومن مكانة عظيمة ينبغي أن تستثمر حق الاستثمار إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رباه في شتى المجالات، وكان يوظف قدرات كل واحد منهم في مجاله الذي يليق به ذلكم، أن الناس طبائع وأن النفوس تميل إلى شيء تحترف فيه فلا يتفق الجميع على شيء واحد فلا ننتظر أن يكون الشباب كلهم الحديث، ﴿وَلَآ أَن﴾ يكون الشباب كلهم مجاهدين، ﴿وَلَآ أَن﴾ يكون الشباب كلهم في مجال واحد ﴿أَنَّمَا﴾ تتعدد المجالات ويتفقون على شيء واحد وهو أنهم يريدون أن يرضوا الله الواحد سبحانه وتعالى، فتعتز بهم الأمة ويقوى ساعدها النوم بدورها إذًا أظلم ليلها وسيوفها إذًا جل خطبها هكذا يكون الشباب فالنبي صلوات الله وتسليماته عليه راعى أن مثل الزبير بن العوام رضي الله عنه يكون مقداما فكان يقدم في ساحات المعارك، ولا غرو، ولما بلغ الزبير ثنتي عشرة سنة بلغه كما جاء في روايات عديدة جاء عند الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وعند غيره من طريق عروة رضي الله عنه نفخ الشيطان نفخ.

شجاعة الزبير ونبوغ ابن عباس واكتشاف مواهب الشباب

وقال أخذ رسول الله ﷺ في أعلى مكة فأخذ الزبير بن العوام، وفي بعض الروايات ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ ابن ثنتي عشرة سنة أخذ سيفه ثم جعل يشق الناس يبحث عن رسول الله ﷺ حتى رأى الرسول فاطمأن قلبه فتعجب الرسول لما رآه. وقد سل سيفه. فقال ما هذا يا زبير. فقال له أخبرت أو ظننت أنك أخذت يا رسول الله قال فما كنت صالحًا قال ما كنت أترك هذا الذي أخذك حتى أقتله فدعا الرسول له ولسيفه ﷺ ورضي الله عن الزبير، ولا عجب إذًا أن يقول «لكل نبي حواري وحواري زبير بن العوام» رضي الله تعالى عنه في مجال العلم والفضل يدعو الرسول لابن عباس رضي الله عنهما، لما رأى من توقد ذكائه حينما قدم للرسول ﷺ الوضوء ليتوضأ الرسول الكريم.

وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما، ونشأ تلك الحياة الكريمة فلذلك برزه أو برز في العلم وصار مبرزًا ذا مكانة عالية وبوئ مكانة سامقة عرفها من عرفها من أجلة الصحابة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه لذا فلا عجب أن يقدمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأن يجلس ابن عباس مع أكابر الصحابة حتى أن شيوخ بدر قالوا له.

إن أبناءنا في سنة تجلا تزال معنا، ولنا أبناء في مثل سنة. فقال عمر رضي الله عنه إنه من حيث علمتم ابن عباس ذو ذكاء وذو فطنة فليجلس معنا، ولا حرج قال أدخلني عمر رضي الله عنه مع أشياخ بدر وما رأيت أنه أرسل إلي إلا ليريهم أي: ليعلِّمهم بقدري وشأني. فقال له: يا ابن عباس. فقال لهم أولًا ما تقولون في قوله تعالى ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾6.

فقال بعضهم أمرنا الله سبحانه وتعالى، إذًا فتح علينا ونصرنا أن نستغفره وأن نسبح بحمده وسكت آخرون فلم يتكلموا قال له فما تقول فيها يا ابن عباس قال أقول هو أجل رسول الله نعاه الله إليه، أي: أن مهمة الرسول ﷺ حينما سيفتح الله الفتوح وينصر الله المؤمنين ويدخل الناس في دين الله أفواجًا.

فإنَّ مهمة الرسول كادت تنتهي فليشتغل الرسول في ختام عمرو بالحمد والاستغفار وتسبيح الله سبحانه وتعالى.

فقال هو أجل رسول الله نعاه الله إليه. فقال ما أعلم منها إلا ما علم ابن عباس رضي الله عنهما لأنَّ الرسول ﷺ دعا له بذلك وزكاه في هذه الوجهة فكانت وجهته وجهة علمية يعلم الناس ويكون راسخًا في هذا الأمر. ومثله في ذلك علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كما جاء عند ابن ماجه أرسله الرسول ﷺ إلى اليمن قاضيا.

توجيه علي للقضاء واستشارة الشباب وعدم احتقار قدراتهم

فقال له علي رضي الله عنه يا رسول الله ترسلني إلى اليمن قاضيا وأنا شاب لا أعرف من القضاء شيئًا. وقد أوتي علمًا لكنه يحتقر نفسه ويرى أنه ليس أهلًا وهو حَدَثٌ صغير وأن غيره قد يكون أولى منه. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام، وضع له ووضع يده على صدره. وقال «اللهم اهد قلبه» «اللهم اهد قلبه وثبت لسانه» قال والله فما شككت بعد في قضية بين اثنين ما شك بعدها في قضاء.

ولذلك فما من معضلة من معضلات القضاء إلا وكان لها أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببركة دعوة الرسول ﷺ مَنْ الذي وجهه ابتداء إلى هذا الأمر مَنْ الذي اكتشف القدرة مَنْ الذي اكتشف الموهبة إنه الرسول الكريم ﷺ نحتاج إلى مَن يتفقد شبابنا إلى مَن لا يحتقرهم إلى مَن يعرف شأنهم إننا إذا جلسنا في بعض المجالس وجاء بعض الأولاد ليسمعوا حديثنا قيل لهم هم أطفال عيال اجري ابن العب هنا وهناك ونسينا أن هؤلاء قد يكون ثمرة كبيرة وأن لديهم عقولًا راجحة لذلك قال الزهري رحمه الله، يقول للشباب لا تحتقروا أنفسكم لحداثة سنكم.

فإنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذًا نزل به الأمر المعضل أرسل إلى الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم لأنَّ الشاب لديه قدرة وحده عقل صحيح أنَّه يحتاج إلى ترشيد يحتاج إلى توجيه. لكن لديه أفكار ولديه قدرات لا ينبغي إغفالها، ولا ينبغي إهمالها هكذا تعلمنا من هدي رسول الله ﷺ ثم من الصحابة الأجلاء، ومن تبعهم ﴿بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أجمعين فرد جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

فقال: يا رسول الله. إن عبد الله يقصد أباه. إن عبد الله أهلك، يعني: مات وترك تسع بنات فخشيت أن آتي بمثلهم فأتيت بثيب تقوم على شؤونهن وتصلحهن وتمشطهن. فقال له الرسول بارك الله لك يا جابر. انظر إلى فطنته ما أحوجنا إلى معرفة هذا الأمر، الشباب لماذا الحديث عن الشباب لماذا الحديث عن الشباب الحديث عنهم النوم كما تقدم عنوان الأمة لماذا الحديث عن الشباب لأنَّ فترة الشباب تمر سريعًا تمر سريعًا قد يظن الإنسان أنها مدة طويلة.

وقد تحدث عن بداية الشباب ونهايته لكنَّها في الواقع العملي تمر سريعًا سريعًا وصدق الإمام أحمد رحمه الله، حينما قال «ما مثلت الشباب إلا كشيء كان في كمي فسقط مني» شيء كان في كم الإنسان ثم سقط الشيء الذي يكون في كمك كم يثبت معك لا يثبت إلا وقتًا قصيرا شيء في كم الإنسان ثم سقط منه سريعًا، ولم يبق لمدة طويلة هكذا الشباب يمر سريعًا سريعًا لماذا الحديث عن الشباب لأنَّها فترة الحيوية فترة النشاط فترة القوة فترة تكوين العقل

والفكر والاعتقاد والبناء فمن بني وهو شاب استمر على ذلك في شيخوخته واستمر على ذلك إلى أن يلقى الله ربه كثير من الناس لا يميز هذا الأمر فتراهم يقولون هم مراهقون لفترة مراهقة لا ننكر أن هذه الفترة يتعرض فيها أولادنا لكثير من الإغراءات والفتن لكنَّها أيضًا فترة البناء فإذا عددناها فترة مراهقة فلماذا لا نعدها أيضًا فترة بناء وفترة قوة وفترة تكوين وفترة سيبنى عليها جيل.

بل أمة بأسرها لكن فرق بين، أن يتقدم فلان علينا في أمر دنيوي فنستفيد منه في هذا الجانب وبين، أن نأخذ منهم أخلاقهم وأن نأخذ منهم أسسهم ومبادئهم التي تكون سببًا في إضلال الأمة وإغوائها إلا من رحم ربي أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اغتنام الشباب في الطاعات ومحبة النبي لمعاذ بن جبل

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، فترة الشباب تمر سريعًا وينبغي لنا أن ندرك ذلك. ولذلك قال الرسول الكريم ﷺ اغتنم خمسًا قبل خمس وذكر منها اغتنم شبابك قبل هرمك فجدير بنا أن نغتنم الشباب، وإذا كان الشباب قد ذهب من بعضنا فلا يذهبن من أولادك حتى تقيمهم على دين الله، فكما تحرص على دنياهم فأحرص على دينهم، كما تسأل عن دروسهم فأسأل عن صلاتهم، كما تسأل عن أمورهم الدنيا فأسأل عن عبادتهم لربهم عز وجل كان سفيان يقول يا شباب قوموا فصلوا ما دمتم شبابا قوموا فصلوا ما دمتم شبابا إذا كان الشباب لا يحافظون على صلاة الفجر وقيام الليل فمن يحافظ

إذا كان الشباب لا يحرصون على القراءة والذكر والهمة العالية فمن يحرص أبعد أن يوهن العظم أبعد أن يشتعل الرأس شيبا يتجه الإنسان إلى الله، ولا يدري أيوفق في هذا العمر أو لا يوفق. نسأل الله السلامة والعافية. لا تكن من هؤلاء الذين يقولون: «﴿إِلَّا﴾ ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب» ولكن يكون الشباب قد اغتنم في طاعة الله سبحانه وتعالى، لذلك فالرسول الأكرم ﷺ حرص على ذلك كما تقدم كل الحرص في كل المجالات من هذه النماذج المشرقة المشرفة معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه الذي كان يدنيه الرسول ﷺ ويقربه.

بل ويصرح له صراحة فيقول له في غير مواربة. بل في صراحة ووضوح «يا معاذ والله إني لأحبك» ما أغلاها من كلمة، أن تقول لشاب والله إني لأحبك ترى بعض الشباب فيسر قلبك وتقول أرجو، أن يكون له شأن أعظم من كذا ومن كذا. بل ومن نفسه لأنه سيخدم دين الله. وقد يوفقه الله عز وجل لما لم توفق له فيقول: «يا معاذ والله إني لأحبك، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

وقد كان معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه يرسله الرسول إلى اليمن أيضًا ليكون معلِّمًا وليكون قاضيا ويقول له «يسرا، ولا تعسرا، وبشرا، ولا تنفرا، وتطاوعا، ولا تختلفا» صلوات الله وتسليماته عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه كما ذكر أبو سلمة الخولاني أنه قال دخلت مسجد حمص فرأيت ثلاثين كهلا من أصحاب رسول الله ﷺ ورأيت شابًّا براق الثنايا أكحل العينين تعرفون معاذ بن جبل رضي الله عنه حين توفي هو لا حين توفي الرسول ﷺ كم كان عمر معاذ كان عمر معاذ حين قبر حين توفي كان ابن أربع وثلاثين سنة ﴿وَقِيلَ﴾ ابن ثلاث وثلاثين وأعلى ما ذكر ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ ابن ثمان وثلاثين سنة ومات في طاعون عمواس كما هو معروف رضي الله تعالى عنه والرسول قال: «إن معاذ بن جبل يأتي يوم القيامة أمام العلماء برتوة» يأتي أمام العلماء ويسبقهم برتوة معاذ بن جبل الذي تربى على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرسول صلوات الله وتسليماته عليه رسخ فيهم القواعد القويمة حتى لا أطيل عليكم أذكر واحدة منها وللحديث صلة بإذن الله من هذه المبادئ ما علمنا الرسول إياه «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه» إننا إذ نتحدث عن الشباب فلا نريد أن يصاب الشباب بالغرور لأنَّ الشباب لا يستغنون عن توجيهات الكبار كيف يتعامل ولدك مع أبيك

توقير الصغير للكبير وحياء ابن عمر وأدب أبناء الخلفاء

كيف يتعامل ولدك مع عمه كيف يتعامل ولدك مع أمه كيف يتعامل ابنك مع جده أو جدته كيف يتعامل ولدك مع معلِّمه ضاع الأدب من كثيرين إلا من رحم رب الناس، فما أحوجنا إلى أن يعود الأمر إن الرسول عليه الصلاة والسلام، أعلمهم بذلك وعلَّمهم فكان الصغير يحترم الكبير وإذا تكلم هذا يقول الرسول كبَّر كبَّر ويقدم الأكبر صلوات الله وتسليماته عليه لذلك ابن عمر رضي الله عنهما.

وقد عرف المثل الذي ذكره الرسول في النخلة لم يجرؤ على الكلام مع أنَّه يعرف الجواب، وفي القوم أبو بكر وعمر في القوم أكابر الصحابة ﴿أَنَّمَا﴾ لم يتكلم مع أنَّه يعرف الإجابة حياء من أن يتكلم وهو صغير في وجود الأكابر من الصحابة رضي الله - تبارك وتعالى عنهم. ثم جاءت الأجيال الفاضلة وتعاقبت هذه الأجيال الفاضلة، وفي نفوسهم ذلك لذلك كان ولاة.

الأمر يجعلون لأولادهم من يُسمَّى بـ المؤدب، وكذلك عليه القوم يتخذ الواحد منهم المؤدب الذي يؤدب أولاده حتى يخرج هؤلاء الأولاد. وقد تربوا تربية صحيحة ولعل هذا الموقف ليس بغائب عن كثيرين وهو موقف الفراء أبي زكريا يحيى بن زياد حينما جاء به المأمون ليعلم ولديه علم النحو وليؤدبهم. فأراد الفراء ذات مرة، أن يقوم لقضاء بعض حاجته فاختلف الولدان وهما ولي عهد أمير المؤمنين ولي أمر المسلمين بعده اختلف مَنْ الذي يحمل نعله ليقدمه للفراء فإذا بهما يتصالحان على أن يقدم كل واحد منهما واحدة من النعلين فبلغ هذا.

الأمر وأبلغ أمير المؤمنين وقتها وهو المأمون بذلك. وهذه القصة ذكرت في تاريخ بغداد، وكذلك ذكرها ابن خلكان وغيرهم فأتى به. ثم قال له يسأل الفراء يا أبا زكريا من أعز الناس قال لا أعلم أعز من أمير المؤمنين. فقال له أعز منه من ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يقوم اختلف ولي عهد أمير المؤمنين أيهما يحمل عنه حذاءه حتى يتصالح على أن يقدم كل واحد منهما واحدة منهما.

فقال له: يا أمير المؤمنين والله لقد أردت أن أمنعهما. وهذا فيه أنَّ لم يدفعهما إلى ذلك لم يجبر على ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ كانت رغبة بسبب التربية قال والله لقد أردت أن أمنعهما ثم أردت ﴿إِلَّا﴾ أحرمهما من مكرمة سبق إليها، ولا من شرف حرصًا عليه فانظر رحمك الله إلى هذا التقدير للأكابر ولأهل العلم كيف نشأ هؤلاء فنشأت أمة قوية نحتاج إلى مزيد بيان في معرفة الأسس التي أقامها الرسول ﷺ في عقول أولئك الشباب، وفي قلوبهم اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. أصلح ولاة أمرنا وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  6. آية: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: النصر 1-3 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (45 درسًا)

دروس مشابهة