الرسول ﷺ مستغفرًا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
فصول الدرس
- التأسي برسول الله ﷺ في مقام الاستغفار ودوام الإنابة
- الاستغفار شأن الأنبياء والمرسلين وأمر الله لنبيه بطلب المغفرة
- مئة استغفار في المجلس الواحد وتفسير ليغان على قلبي
- ثمرات الاستغفار في دفع البلاء ونزول الأمطار وبركة البنين
- شروط الاستغفار النصوح والتحذير من استغفار اللسان وتوبة الكذابين
- الصيغ النبوية المأثورة في الاستغفار وفضل سيد الاستغفار في
- الاستغفار من التقصير في العبادات وخيبة مكر الشيطان بطلب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التأسي برسول الله ﷺ في مقام الاستغفار ودوام الإنابة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا ومنَّته بهذه السلسلة هكذا خطب ﷺ أو.
إن شئت فقل وقفات مع قول الله سبحانه ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾5. ونحن اليوم على موعد بإذن الله جل وعلا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مستغفرًا نعم الرسول ﷺ مستغفرًا كيف كان استغفاره ﷺ ومما كان يستغفر صلوات ربي وتسليماته عليه تقدم.
الاستغفار شأن الأنبياء والمرسلين وأمر الله لنبيه بطلب المغفرة
يا أيها الإخوة الكرام، في لقاء سابق منذ فترة عن الرسول ﷺ ذاكرًا وثَمَّ علاقة وطيدة بين الذكر والاستغفار. لكن المقصود هنا هو ما يتعلق باستغفار النبي ﷺ عليه وآله وسلم وحينما نقول استغفار النبي ﷺ فإنَّ هذا ليس بعجيب، ولا غريب إذ الاستغفار دأب الأنبياء من قبله.
وقد أمر الله النبي محمدًا ﷺ فقال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ فكان من دأب أنبياء الله ورسله أنهم يستغفرون الله جل وعلا مع أنَّهم أفضل الناس ومع أنَّهم دعاة الخير عليهم الصلاة وأزكى السلام ها هو آدم عليه الصلاة والسلام، يقول هو وزوجه حواء ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾6. لنكونن من الخاسرين وها هو نوح عليه الصلاة والسلام، يقول ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾7 وها هو الخليل إبراهيم عليه السلام يقول ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾8.
وها هو داود عليه السلام يقول الله عنه ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾9. وها هو سليمان عليه السلام يقول ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾10. إنك أنت الوهاب وها هو موسى عليه الصلاة والسلام يقول ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾11. ﴿فَغَفَرَ لَهُۥٓ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ويقول ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾12. وأنت أرحم الراحمين فليس من عجب أن يكون مسك الختام محمد عليه الصلاة والسلام سائرًا على دربهم مقتفيًا أثرهم صلوات ربي وتسليماته عليه لذا أمره الله.
فقال له، وهو أصدق القائلين: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ﴾13 فالله جل وعلا أمره ﷺ أن يستغفره فكان ﷺ خير المستغفرين قام بذلك قيامًا واضحًا جليًّا فكثيرًا ما كان يستغفر ربه جل وعلا وصلوات الله وتسليماته عليه.
مئة استغفار في المجلس الواحد وتفسير ليغان على قلبي
يا أيها الإخوة الكرام، جاء «عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا»، كما عند الترمذي وغيره قال: إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة: «ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم». وفي الغفور الغفور إن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد «ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم». هذا في المجلس الواحد فكيف إذًا تعددت مجالسه ﷺ وكيف استغفاره إذا خلا بنفسه وكيف استغفاره في قيامة بالليل وكيف استغفاره في صلاته صلوات الله وتسليماته عليه في المجلس الواحد يستغفر الله أكثر من مئة مرة «ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم» وجاء عنه عليه الصلاة والسلام، كما في حديث الأغر المزني كما عند مسلم «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ».
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام، والله الذي لا إله غيره «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة أو أكثر من مئة مرة». ﷺ وفي بعض الألفاظ أكثر من سبعين مرة صلوات الله وتسليماته عليه إنه ليُغان على قلبه، وهي طبقة رقيقة فالرسول ﷺ يستغفر الله جل وعلا حتى يدوم صفو قلبه لربه صلوات الله وتسليماته عليه فكيف بغيره ممن عمتهم الذنوب والمعاصي إلا من سلم الله جل وعلا الرسول ﷺ كان يستغفر في كل أوقاته وأحواله.
وذلك لعلمه عليه الصلاة والسلام بأن الاستغفار طريق للخيرات وطريق كذلك لترك الشرور والمنكرات فكم في الاستغفار من فائدة وكم في الاستغفار من ثمرة نعم الاستغفار، يا أيها الإخوة الكرام، طريق لمغفرة الله جل وعلا ومَن يستغني عن ذلك؟ مَن يستغني عن أن يغفر الله له ذنبًا؟ لذا فنقول على القول الصحيح المرجح في قول الله سبحانه: ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ﴾ إنه ربما وقع من النبي ذنوب وحتى يعلموا كيف يقتدون بهؤلاء إذا وقع منهم ذنب ولأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيكون قد حقق التوبة
والاستغفار على وجه أتم فينا، أيهال بذلك الأجر والثواب من الكريم الوهاب سبحانه عز وجل وكذلك. فإنَّ العبد يتوب من ذنوبه ويستغفر الله جل وعلا سواء أدرك ذنبًا أم لم يدرك لأنَّ الإنسان مهما تعلم فهو على شيء من الجهل، ومن كان على شيء من جهل فحقيق به أن يستغفر مما جهل لذا فنحن نقول حينما نقرأ الفاتحة: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ فلا تزال أبواب العلم تتفتح للعبد ما أحياه الله جل وعلا فهو يستغفر الله من جهله إذ ما علم بخير فأعرض عنه لجهله به فوق أن يكون عالمًا بشيء فيتركه لذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أنه ﷺ كان يدعو ﷺ قائلًا رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي أمري كله وما أنت أعلم به مني «اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي».
وفي لفظ وجدي وهزلي، وكل ذلك عندي. «اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخَّرت وما أسررت وما أعلنت». «أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ» وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قدير النبي صلوات ربي وتسليماته عليه يقول ربِّ اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله وما أنت أعلم به مني «اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي». وفي لفظ وجدي وكل ذلك عندي وكل ذلك عندي كأن الرسول يقول أقولها تحقيقًا لا تواضعًا أقولها مُقِرًّا بها، لست مبالغًا هكذا يقول النبي صلوات ربي وتسليماته عليه لذا فليس لأحد من غنى عن، أن يستغفر الله جل وعلا مهما كان صلاحه ومهما كانت استقامته إذ الإنسان مهما وصل فإنه لا شك واقع في شيء من التفريط، وكل ابن آدم خطَّاء لذا عليه أن يستغفر الله جل وعلا ومن رحمه الله، أن كان.
الأمر كذلك لأنه لو كان الاستغفار لا يتأتى إلا ممن يرتكب الكبائر ويرتكب الذنوب العظام. أما الصالحون فلا يستغفرون لو كان الأمر كذلك فوجدنا مستغفرًا يستغفر الله لقلنا ماذا صنعت وما الذي أجرمت وما الذي أسرفت به على نفسك ﴿إِلَّا﴾ ترى أن بعض الناس ممن لم يُعطَوا شيئًا من العلم إذا رأوا بعض الناس يستغفرون الله ربما قالوا لهم ممّ تستغفرون
ممَّ تستغفرون؟ ماذا صنعتم؟ أنت عملت إيه تستغفر من إيه هكذا يقولون فمن رحمة الله، أن يستغفر رسول الله وهو إمام الهدى حتى إذا ما جاء ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ من الصالحين أو تقي من الأتقياء يستغفر الله لا يكون عليه لوم ولا عتب لأنه يقتدي بسيد الخلق محمد صلوات الله وتسليماته عليه. فهذا من رحمة الله ومنَّته أن يستغفر الرسول.
بل أن يكثر الرسول ﷺ من الاستغفار فإذا رأينا مستغفرًا لم نتهمه، بل ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه يطيع الله جل وعلا لذلك جدير بك، أن تتنبه أخي الكريم إلى أن الاستغفار. كما أنه دعاء فهو قربة وعبادة إلى الله جل وعلا نعم أنت حينما تستغفر وتقول رب اغفر لي هذا طلب رجاء دعاء وتوسل إلى الله، وفي الوقت ذاته هو عبادة تثاب عليها سبحان الله، يُجاب سؤالك ويُلبَّى لك طلبك.
ثمرات الاستغفار في دفع البلاء ونزول الأمطار وبركة البنين
ومع ذلك تكون بذا متقرِّبًا إلى الله بعبادة من أعظم العبادات وقُربة من أجلِّ القربات لذا تواردت النصوص تَتْرى في بيان فضل الاستغفار والحث عليه والترغيب فيه بيَّن الله جل وعلا أن الاستغفار سبب في دفع البلاء نعم الاستغفار سبب في دفع البلاء، وسبب في عدم نزول العذاب، وسلامة الناس منه، فإذا خشي الناس على أنفسهم وقوع الهلاك، فما أجدرهم أن يكونوا لله من المستغفرين
وقد وضع الله في الأمة أمانين، ذهب أحدهما وبقي الآخر، وهو الاستغفار قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾14. وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الاستغفار سبب في النجاة من النار لذا أوصى النبي صلوات ربي وتسليماته عليه النساء بالإكثار من الاستغفار. فقال لهن ﷺ كما عند مسلم وغيره: «تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». وهل خير من شيء يدخر لك يوم القيامة فتذوب السيئات وتبقى الحسنات بفضل هذه الطاعة التي تطيع بها ربك جل وعلا لذا قال ﷺ كما عند ابن ماجه وصححه الألباني من حديث: «طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» طوبى شجرة في الجنة أو الجزاء الحسن لمن وجد في صحيفته استغفارًا ليس قليلًا ﴿أَنَّمَا﴾ استغفارًا كثيرًا ومن استكثر فالله أكثر والله يعطي ويرزق ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ بغير حساب سبحانه جل وعلا الاستغفار طريق إلى مغفرة الذنوب لذا قال نوح عليه السلام ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾15.
أي: إذا استغفرتم الله غفر لكم الله جل وعلا وكذلك جاء في الحديث القدسي في حديث أبي ذر عند مسلم «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ». فاستغفروني أغفر لكم. وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾16. ﴿يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. وقال ﷺ عن رب العزة في الحديث القدسي حديث أنس عند الترمذي وغيره، وفيه «يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي». فالاستغفار طريق إلى مغفرة الذنوب، ومن يستغني عن ذلك وﷺ قد أوصى أبا بكر الصديق رضي الله عنه حينما قال له: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي.
فقال له ﷺ: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا أبا بكر: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»، وفي لفظ كبيرًا، «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» رب إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ظلم النفس مَن يسلم منه؟ منى يستغفر عن الاستغفار لله جل وعلا الاستغفار سبب في دخول الجنة وسبب في أن يُوسِّع الله على العبد في الدنيا فسعة الدنيا والآخرة في الاستغفار للملك القهار سبحانه وتعالى، لذا قال نوح عليه السلام ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾.
﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾17. الأمطار والبركات تتأتى بالاستغفار ﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾18. من يريد أن يُرزق بالأولاد فعليه بالاستغفار من يريد الأموال عليه بالاستغفار من يريد الجنات والأنهار عليه بالاستغفار. وقال سبحانه ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾19 يمتعكم متاعًا حسنًا تتمتع في الدنيا نعم لأنَّ المستغفر في لذة استغفر ملك الملوك جل وعلا فأنِس بطاعة الله سبحانه وتعالى، واستوحش من المعصية واقترب من الطاعة فهو في متعة حقيقية وسعادة ليست وهمية نعم.
وقال الله عز وجل ذاكرًا أمر نبي الله هود عليه الصلاة والسلام، لقومه حينما قال ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾20. ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ هل تعلم أن الاستغفار طريق للقوة؟ يتقوى الإنسان يقوى جده يقوى بدنه تقوى صحته يزول السقم عنه إذا كان مستغفرًا لله جل وعلا فما أجمل الاستغفار وما ألذَّه! أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
شروط الاستغفار النصوح والتحذير من استغفار اللسان وتوبة الكذابين
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، الاستغفار طريق للرحمة إذا أردت أن يرحمك الله وأن تعيش مرحومًا فاستغفر الله جل وعلا قال الله: ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾21. لذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: استغفروا الله في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم وحيثما كنتم فإنكم لا تدرون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تنزل الرحمة «استغفروا الله في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم وحيثما كنتم فإنكم لا تدرون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تنزل الرحمة» لعل استغفارك
هذه المرة طريق إلى أن يرحمك الله جل وعلا واعلم أخي الكريم، أن الاستغفار ﴿أَنَّمَا﴾ ينتج ما هو عليه من فضل عميم وخير عظيم حينما يكون الاستغفار قد وقع التواطؤ عليه بالقلب واللسان فيكون العبد قد عزم على أن يترك المعصية أو أقلع عن المعصية السابقة لذا قالوا: الذي يستغفر الله جل وعلا، «استغفار مع عدم إقلاع توبة الكذابين» استغفار مع عدم إقلاع أن يصر على الذنب توبة الكذابين فإذا قلت: أستغفر الله، فكن كذلك بقلبك وجوارحك تريد أن تقلع عن المعصية التي كنت قد ارتكبتها واعلم، أن الاستغفار والتوبة بينهما اتصال وثيق فإذا جاء الاستغفار وحده في القرآن فهو بمعنى التوبة وإذا جاءت التوبة وحدها فهي بمعنى الاستغفار، أو شمل كل واحد منهما الآخر فإذا اقترنت التوبة والاستغفار، إذ اقترنتا، كقوله: ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ﴾ فيكون الاستغفار عما مضى والتوبة لما يستقبل تكون مستغفرًا بأن تقول: يا رب أنا أقلع عن الذنب الماضي هذا استغفار وتوبة أي: عزم على ألَّا تعود إلى المعصية مستقبلًا فمن جمع بين التوبة والاستغفار فمعنى ذلك أنه تائب من الذنب في الماضي والحاضر والمستقبل.
الصيغ النبوية المأثورة في الاستغفار وفضل سيد الاستغفار في
نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا عباد ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ كيف كان استغفار الرسول ﷺ فالجواب كان للرسول ﷺ استغفار كثير، وكان لاستغفاره ألفاظ كثيرة فمن ذلك أنه ﷺ كما في حديث ثوبان عند مسلم، استغفر الله ثلاثًا قال الأوزاعي حينما سُئل، قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله فهذه إحدى الصيغ كذلك مما ثبت عنه ﷺ ما سمعتموه منذ قليل في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه «ربِّ اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله».
إلى آخر الحديث. كذلك مما حث عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه يُقوِّم بما يحب عليه قوله ﷺ في حديث ابن مسعود رضي الله عنه «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» من المعروف أن الفارَّ من الزحف وقت القتال واقع ومرتكب لكبيرة من الكبائر ما كفارتها؟ أن تقول هذا الذكر أستغفر الله الذي لَّآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ الحي القيوم ويصح أن تقول الحي القيوم وأتوب إليه، وفي لفظ ثلاثًا أستغفر الله الذي لَّآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ الحي القيوم وأتوب إليه غُفرت له ذنوبه وإن كان قد فرَّ من الزحف ومن هذه الصيغ التي ثبتت عنه عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقول في آخر مجلسه «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
وقال ﷺ كما عند الترمذي وغيره: «مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ». فقال ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقوم من مجلسه «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» إلا غفر له ما كان قد وقع في مجلسه هذا هو كما قال ﷺ فمن صيغ الاستغفار أن تقول «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». وكان يكثر من ذلك قبل وفاته ﷺ كما تقول عائشة كان يكثر أن يقول قبل وفاته «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
ومن صيغ الاستغفار وهو أعظمها على الإطلاق وأجلها بلا شك ما يُسمَّى بسيد الاستغفار قال ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ». «وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ» «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ» «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ»، أي: أعترف بها «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ».
قال ﷺ من قالها من نهاره موقنًا بها فمات ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يمسي «فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» من قالها من يومه موقنًا بها «فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ» «فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ومن قالها في ليلة فمات وهو موقن بها «فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ» «فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ضمان لمن يقول هذا موقنًا به أن يكون من أهل الجنة. اللهم أنت ربي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ خلقتني وأنا عبدك «وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ» «أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ» «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ». وقوله: «أبوء لك بنعمتك عليَّ» وأبوء بذنبي بيان لشيء مهم وهو، أن العبد يستغفر من وجهين يستغفر إذًا أطاع ويستغفر إذًا نعم العبد يستغفر إذا أطاع ويستغفر إذا عصى يستغفر إذا عصى، الأمر فيها واضح فالعاصي يجب عليه أن يتوب وأن يقلع عما هو عليه فمن ثم هو يستغفر الله عز وجل.
الاستغفار من التقصير في العبادات وخيبة مكر الشيطان بطلب
أما أن يستغفر الله من الطاعة، فنعم لأنَّ العبد مهما بلغ طاعته فهل بذا يكون قد قدر الله حق قدره مَنْ الذي يستطيع أن يتم الطاعة على وجهها الأتم الكامل وقد قال ﷺ «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» وأنت ترى أخي الكريم، أن شخصًا من الأشخاص إذًا أحسن إليك، وقدم إليك معروفًا كثيرًا فجئت لتكافئه بشيء وسينتفع بهذا الشيء الذي ستقدمه له تقول له: أنا عاجز عن شكرك، ولا أستطيع أن أوفيك حقَّك.
فهذا صنع مخلوق مع مخلوق قدم له معروفًا كثيرًا فكيف والله يقول ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾22 وكيف والله لا ينتفع بطاعة أحد فإنَّه سبحانه وتعالى، لا ينتفع بطاعة الطائعين، بل هو كما قال ﴿أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾23 لذلك عليك، أن تستغفر الله من الطاعة لذلك كان ﷺ يستغفر ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ فرغ من صلاته أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله وشرع لنا الاستغفار بعد الوقوف بعرفة وسؤال الله جل وعلا من خيري الدنيا والآخرة ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾24.
إن الله غفور رحيم كذلك شرع لنا أن نستغفر الله جل وعلا في آخر الليل بعد قيام الليل ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾25. وقال ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. بعدما قاموا الليل استغفروا الله جل وعلا. وقد تقربوا إليه بالطاعة، يا أيها الإخوة الكرام، ﴿لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ الأسوة الحسنة فمن كان يستغفر ربه في المجلس الواحد مئة مرة علينا أن نقتدي به وأن تكون مجالسنا مجالس استغفار لا أن تكون مجالسنا مجالس خيبة ونميمة وكذب.
نسأل الله السلامة والعافية. تصور معي لو كان في المجلس الواحد يستغفر أحدنا مئة مرة أو ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ خمسين مرة كم سيقع منه من ذنب في هذا المجلس وماذا سيقول في مجلس قد شملته هذه الاستغفارات وعمته هذه البركات بفضل الله جل وعلا فعودة صادقة، يا أيها الإخوة الكرام، إلى الاستغفار، ولنعلم أن الشيطان الرجيم يُضنى ويُقضى عليه بالاستغفار فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أن إبليس قال: «وعزتك وجلالك لن أبرح أغوي عبادك».
ما دامت أرواحهم في أجسامهم، فقال الله سبحانه وتعالى، ردًّا عليه كما عند الحاكم في المستدرك وغيره وهو حسن قال: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي». وما أنت أعلم به مني إنك «أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ» وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قدير اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أصلح أحوالنا اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا خيرًا سخاءً وسائر بلاد المسلمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
يا أيها الإخوة الكرام، إذا أمكنكم أن تتصدقوا فافعلوا. فإنَّ شاء الله تعالى ينوي المسجد أن يصب الدور الثالث حتى لا يكون هناك أذى بالأمطار للأطفال وغيرهم فنسأل الله، أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وأقيموا الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
- آية: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 23 ↩
- آية: ﴿رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 28 ↩
- آية: ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 41 ↩
- آية: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩﴾ — كما ورد في الدرس: ص 24 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 35 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 16 ↩
- آية: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 151 ↩
- آية: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 19 ↩
- آية: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 33 ↩
- آية: ﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 10 ↩
- آية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 110 ↩
- آية: ﴿يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 11 ↩
- آية: ﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 12 ↩
- آية: ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَـٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ — كما ورد في الدرس: هود 3 ↩
- آية: ﴿وَيَـٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 52 ↩
- آية: ﴿وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوٓا۟ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْا۟ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا۟ وَٱسْتَكْبَرُوا۟ ٱسْتِكْبَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 7 ↩
- آية: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 53 ↩
- آية: ﴿أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 15 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 199 ↩
- آية: ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 18 ↩