داء سوء الخلق خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
خطورة داء سوء الخلق وتعدد أدوائه
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله وحوله وقوته بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء أذكر فيها الداء ثم أتبعه بالدواء كما جاء مبينًا في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن اليوم.
يا أيها الإخوة الكرام، على موعد معدٍ خطير وهو في حقيقة الأمر ليس داء واحدة وإنَّما هو مجموعة من الأدواء يجمعها مسمى واحد وينبثق عن هذا الداء جل إن لم يكن كل الأدواء سلمنا الله وإياك وإياكم من الأدواء كلها داء خطير. وقد استشاع وكثر بين الناس إلا من رحم رب الناس سبحانه وتعالى، إنه داء سوء الخلق نعم داء سوء الخلق إذا نظرت إلى واقع الناس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم وجدت أخلاقا كثيرة تصدر من أولئك الناس إلا من رحم رب العباد سبحانه وتعالى، حتى يقول قائل هؤلاء أو يقول قائلنا ما هذا وما هذه الأخلاق أهذه أخلاق المسلمين
أهذه أخلاق المؤمنين صار الذي يسير في الطرقات ويعامل الناس ربما لا يستطيع أن يعامل كثيرًا منهم لما يرى من سوء أخلاق الكثيرين. نسأل الله السلامة والعافية. مع أنَّ ديننا كله خلق مع أنَّ ديننا كله الخلق وهل أتى الرسول محمد صلوات الله وتسليماته عليه إلا ليتمم الشريعة التي بناها أولئك الأنبياء والمرسلون ﴿إِلَّا﴾ وهو «تتميم مكارم الأخلاق»
الإسلام دين الأخلاق ومجاهدة النفس لتغييرها
قال عليه الصلاة والسلام، ولكن كثيرًا من الناس تخلى عن هذه المبادئ السامية والقواعد الربانية الرشيدة الحكيمة التي جاءت مبينة في كتاب الله وكذا بينها الرسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم سوء الخلق يشكو منه القريب والبعيد يشكو منه القاصي والداني. بل إن سيئ الأخلاق لو أنَّصف لشكى نفسه لنفسه وصدق من قال «من ساء خلقه عذب نفسه» يدخل سيء الأخلاق بيته فإذا بزوجه تنفر منه نفورا كبيرًا وتود وترغب وتتمنى ﴿إِلَّا﴾ يدخل هذا الزوج بيتها لما يدخل عليها من الهموم والأحزان، وكذلك الولد يشعر بذلك من أبيه وتشعر كذلك البنت هذا من أبيها ويشعر الوالدان هذا من ولدهما إذا كان سيئ الأخلاق فتضيق أماكن مع اتساعها بسبب سوء الأخلاق.
نسأل الله السلامة والعافية. سوء الأخلاق ينتج عنه كل شر ينتج عن سوء الأخلاق البخل والكذب والغش والكبر والحقد والبغي والحسد وعموم الأدواء. نسأل الله السلامة والعافية. أخي الكريم عليك، أن تسعى جاهدًا في أن تحسن أخلاقك مع ربك وأن تحسن أخلاقك مع الناس، ومن رحمه الله، بنا أن من جاهد نفسه استطاع أن يغير نفسه بفضل الله عليه قال الله سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾4.
فيا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الجبان تعلم الأخلاق الحسنة سيذهب عنك جبنك وتصير شجاعًا من الشجعان ويا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ البخيل تعلم الصفات الرشيدة وستصير كريمًا، ومنفقا من المنفقين، وكذلك الحاسد والحاقد، وكذلك من ابتلي بمرض من الأمراض إذًا جاهد نفسه فإنَّه يعان على نفسه فبعد أن كان سيئ الأخلاق يصير حسن الأخلاق بفضل الملك الخلاق سبحانه وتعالى.
لكن المهمة الأولى أن يجاهد الإنسان نفسه بعد معرفته بالداء الذي هو فيه وكثير من الناس الذين ابتلوا بسوء الأخلاق لا يعرفون النوم سيئ الأخلاق ينفر الناس منهم وهم يظنون النوم أقرب الناس إلى الناس يمل الناس من حديثهم وهم يظنون، أن حديثهم لا يلقى إلا القبول والاستجابة لا يا عبد الله. انظر إلى نفسك بعين البصيرة ف«ما حك جلدك مثل ظفرك» وأنت أولى الناس بمعرفة عيبك فكثير من الناس في هذا الزمان صاروا لا يستطيعون المصارحة، ولا يقوون على النصيحة مع أنَّ الدين النصيحة فيرى أحدهم أخاه وهو ممتلئ بالأخلاق الدنيئة المرذولة إلا أنه لا يصرح له به.
بل يقول له أنت رجل فاضل وأنت ما شاء الله وأنت فيك وفيك أي: من الحسن والنبل والفضل وهو من وراء ظهره يسبه ويشتمه فجدير بك، أن تتصدق مع نفسك أولًا وأن تعلم الخلل الذي فيك يا أيها الإخوة الكرام، ومن يسلم من خلق فيه سوء منى يسلم من الأدواء منى يسلم من الأمراض منى الكامل التام لن تجد بيننا كاملًا «مَنْ الذي ما أساء قط ومن له الحسن فقط».
لكن العبد العاقل هو الذي لا يرضى بالدون وإنَّما يسعى جاهدًا في أن يصل إلى المراتب العليا قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها». يحب معالي الأمور أن تكون ذا همة عالية تريد أن تصل إلى الخلق الحسن فإذا حاولت جاهدًا وصلت بفضل الله سبحانه وتعالى.
ثناء الله على الخلق العظيم وأسباب تحول الأخلاق
وقد أثنى الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال فيه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾5. ولما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق نبي الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أُنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليس من أجل أن يُترك وإنَّما أنزله عليه ليعمل به وليكون منهج حياة تستقيم به أمورنا، ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ خلقا من الأخلاق الحسنة النبيلة إلا. وقد حثنا عليها ربنا ودلنا عليها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن القوانين شرقيها وغربيها وإن الأحكام ﴿مِنْ أَىِّ﴾: مكان جاءت لا تقوى على إنشاء أمة ذات خلق حسن كما بين الإسلام وكما جاء في القرآن، وفي سنة النبي المختار عليه الصلاة والسلام، فتمسكوا بذينكم وارجعوا إلى كتاب ربكم وإلى سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن تعجبْ فاعجبْ من حال قوم كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ذوي خلق حسنة فساءت أخلاقهم الله المستعان الذي على المسلم، أن يصنعه، أن يقوم أخلاقه وأن يرتقي بنفسه إلى معالي الأمور.
أما أن تسوء أخلاقه من كانت أخلاقه حسنة وأن ينقلب على عقبيه. فهذا أمر خطير سلمنا الله وإياكم منه. وهذا واقع بعض الناس ربما رأينا منه شيئًا لم نره ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فنقول سبحان الله تُغير فلان وتُغير فلان سبحان الله حتى الأجيال السابقة بعضهم كان في واقعه ومع أقرانه كان ذا خلق حسن كهذا الموظف العادي الذي كان يعامل أصحابه معاملة كريمة فلما صار رئيسًا عليهم أو صار مديرًا لهم أو مديرًا لشؤونهم صار سيئ الأخلاق وصار يتكبر عليهم.
فهذا من الدناءة لمكأنَّه مهما، ولاك الله أمرًا من أمور الناس فاعلم، أن الذي أعطاك قادر على أن يسلبك وأن القبول ﴿أَنَّمَا﴾ يكون بالأخلاق الحسنة، ومن الناس من تسوء أخلاقه على العكس أي: بسبب العزل لما عزل من ولاية من الولاية أو لما عزل منصب من المناصب أو خرج على المعاش بعد أن كان ذا قوة وذا فتوة ويسمع له ويطاع وجد نفسه لم تعد له قيمة بين الناس فساءت أخلاقه وحسد وبغى.
نسأل الله السلامة، ومن الناس من يكون سبب ذلك غناة، ومن الناس من يكون سبب ذلك فيه فقرأ نعم ربما كان إنسانًا طيب الأخلاق يحب الناس ويحبونه ويألفهم ويألفونه، ولا يؤذي أحدًا من الناس ويقدم المعروف فلما صار غنيًّا وصارت لديه ثروة كبيرة إذًا به يستطيل على خلق الله. وقد قال الله: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ﴾6. ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾7.
وقد قالوا «من نال استطال» وصاحب ذا مال وصار صاحب مال استطال على خلق الله جل وعلا ومن الناس من يكون سبب سوء أخلاقه الفقر كان غنيًّا فصار فقيرًا بعد أن أعطاه الله الأموال والتجارات والعقارات ذهبت سدى وهباء منثورًا فيحقد على غيره قد كان أغنى من غيره فصار فقيرًا ذليلًا مهينا فإذا به تسوء أخلاقه ونسأل الله السلامة والعافية.
ومن الناس من تسوء أخلاقه نتيجة الهموم نتيجة الهموم ونتيجة الهموم تراه إذا كان مستريح البال قرير العين حسن الأخلاق. لكن لأنَّ هناك هموما تشغله ولأنه قد أوذي من أقاربه. وقد أوذي من أصدقائه وصار مهموما مغموما تسوء أخلاقه فتراه يشتم ويسب ويقول ويقذف ونسأل الله السلامة والعافية. وقد قالوا: إن الهم كالسم.
إن الهم كالسم. وقالوا أيضًا إن هذا كالداء المحزون في قلب المحزون هذا الهم داء مخزون في قلب العبد المحزون تخرج منه الأخلاق الرذيلة ونسأل الله السلامة والعافية. ومن الناس من تسوء أخلاقه إذا كبرت سنُّه ووهَن عظمه حينما صار ضعيفًا بعد أن كان قويًّا وصار شيخًا كبيرًا هرما بعد أن كان شابًّا فتية صار لا يتحمل من أحد كلمة لا يكلمه أحد إلا قال في حقه كلمة بذيئة مع أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام، قد قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ».
وشركم من طال عمرو وساء عمله. فجدير بالعبد إذًا طال عمرو، أن يعلم أنه إلى القبر أقرب، ومن الناس من تسوء أخلاقه بسبب وهَن عظمه أو بسبب ضعفه وكثرة مرضه لما كان صحيحًا كان يتعامل مع الناس برفق وبلين وبإذن فلما صار طريح الفراش صار مغتمًا كئيبًا الناس من حوله أصحاء وهو على فراشه مريض فهذه أسباب سبعة من خلالها يتحول الإنسان من صاحب خلق حسن إلى صاحب خلق سيء سلمنا الله وإياكم وهناك سبب ثان وهو يتعلق بسوء الأخلاق مع قوم دون قوم ترى بعض الناس يعامل الناس كلهم معاملة جيدة ومعاملة طيبة إلا مجموعة من الناس يعامل الناس بمعاملة طيبة.
لكن مع فلان يعامله معاملة سيئة حتى يتعجب الشخص منا ويقول سبحان الله ما هكذا عرفناه، ولا هكذا تعودنا منه ولا كنا ولا نسمع منه هذا الكلام فما باله يسيء إلى بعض الناس والجواب إنه البغض سلمنا الله وإياكم. وقال عليه الصلاة والسلام في شأن المنافقين، وفي صفاتهم «وإذا خاصمت فجر» إنَّ العبد الصالح وإن وقعت بينه وبين غيره خصومة لا يفجر في خصومته، ولا يبغي على عدوه.
بل يقول الحق ولو كان على رقبته قال الله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾8. ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله،
الأركان الأربعة لسوء الأخلاق
قد ذكر بعض أهل العلم، أن أركان سوء الأخلاق أربعة من خلال هذه الأربعة يصاب العبد بكل خلق بذيء سلمنا الله وإياه أي: خلق سيء من الغش والخداع والمكر والخيانة، ومن الحسد والعق والحقد والجبن وما إلى ذلك مرجع الأخلاق السيئة إلى أربعة أمور فإذا نجوت منها فأنت على الخير والبركة.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى. أما الأول فالجهل. وأما الثاني فالظلم. وأما الثالث فالشهوة. وأما الرابع فالغضب وهكذا بيانها. أما الأول منها فالجهل نعم الجاهل لا يعرف الحسن من القبيح فيضع الحسن في موضع القبح ويضع القبح في موضع القبح هكذا الجاهل. أما العالم يعرف الكلمة الطيبة فيقول: تلك الكلمة ويعرف الذي يسخط الله يعرف الكلمة الطيبة فيقولها ويعرف الكلمة الخبيثة فيتجنبها الجاهل وهل ساءت أخلاق كثير من الناس
إلا بسبب جهلهم جهل الحق فحأدوا عنه وجهل الصراط المستقيم فما اتبعوه فساءت أخلاقه مع الله ومع الناس والسبب الثاني الظلم هو ظالم ولأنه ظالم لا يضع الأمور في مواضعها الصحيحة فيضع البخل في موضع البذل ويضع البذل في موضع البخل أو في موضع المنع يضع كذلك الشجاعة في موضع التردد أو الجبن ويضع الجبن أو التثبت في موضع التهور والشجاعة وما إلى ذلك يقدم حيثما قال له الشرع أحجم ويحجم حيثما قال الشرع له أقدم وسبب ذلك ظلمه.
ولذلك قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾9. فأبين، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ جمع بين الظلم والجهل إلا من رحم الله، فخلصه من الظلم وخلصه من الجهل والسبب الثالث الشهوة ركن إلى شهوته وملأت الشهوة قلبه فمن أجل الشهوة ترك العفة سلمنا الله وإياكم، ومن أجل الشهوة صار شحيحًا، ومن أجل الشهوة صار طماعا من أجل الشهوة صار يتتبع كل دماء بسبب هذا الداء سلمنا الله وإياكم. وأما الرابع فهو الغضب لأنه يغضب على الناس بغير وجه حق ساءت أخلاقه فبالغضب صار حاقدًا وبالغضب صار حاسدا وبالغضب أكل أموال الناس بالباطل من كتاب ربك ومن سنة نبيك ﷺ ما الذي يرضي ربي عني
كيف أتعامل مع الناس كيف تحسن أخلاقي مع ربي الناس قد
ثواب حسن الخلق وزعيم بيت في الجنة
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ». رجل يصوم ويقوم، يصوم النهار ويقوم الليل ربما وصل إليه. بل يصل إليه من كانت أخلاقه حسنة بفضل الله. وقال عليه الصلاة والسلام: «وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حَسُن خُلُقه
وقال عليه الصلاة والسلام: أثقل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا. وقال عليه الصلاة والسلام: إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا. وقال عليه الصلاة والسلام، ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من تقوى الله وحسن الخلق. نتعلم كيف تحسن أخلاقنا حسن الخلق بذل المعروف قولًا وفعلًا وكف الأذى قولًا وفعلًا إذا أردت أن تكون ذا خلق حسن فابذل المعروف قولًا وفعلًا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخير وفعل الخير وكف الأذى عن الناس قال ﷺ: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
تكون مسلمًا حقًا إذًا سلم المسلمون من أذاك سواء أكان الأذى باليد أم كان باللسان، وكذلك إذًا أحسنت إليهم، وقدمت لهم المعروف. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام، إذا قام في صلاته وافتتح الصلاة قال دعاء الاستفتاح، وكان مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في دعاء الاستفتاح كما في حديث علي رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم، وفيه واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت.
فسل الله، أن يرزقك خلقا حسنًا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تذكر له في مرة من المرات إنها سيئة الأخلاق. فقال ﷺ: هي في النار. وذكر له فلانة يذكرون من قلة صدقتها وصلاتها وصيأمها يعني: تأتي المفروض تترك المحرمات وتفعل الواجب، ولا تكثر من المستحبات لكنَّها لا تؤذي جيرأنها. فقال ﷺ: هي في الجنة.
هي في الجنة. فأحرص أخا الإسلام على أن تكون ذا خلق حسن، أن الذي أمرك بالصلاة أمرك بأن تحسن إلى الناس أن الذي أمرك بالزكاة أمرك، أن لا تؤذي الناس ولو أنَّ كل واحد منا كفى المؤمنين شره ولم يؤذ أحدًا من الناس لا استراح الناس ورب الكعبة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: مستريح ومستراح منه. في حال المَيِّت الذي يموت هو على أحد قسمين مستريح ومستراح منه.
فأما العبد المؤمن فيستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، «وَأَمَّا الْعَبْدُ الْفَاجِرُ فَيَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ». نسأل الله السلامة والعافية. وفي الختام أقول يا أيها الإخوة الكرام. إن أعظم ما على المسلم، أن يراعيه في حسن الأخلاق أن تحسن أخلاقه مع الله فلو أنَّك عاملت الناس كلهم كما يريدون منك ولم تحسن معاملتك مع ربك جل وعلا فأنت على السوء.
أهمية حسن الخلق مع الله ومجاهدة النفس مع الخلق
نسأل الله السلامة. وربما كان الدافع لك لمعاملتك مع الناس سوء النية وخبث النية لا تقصد بذلك وجه الرب الكريم سبحانه وتعالى، تأدب مع الله لا تمن على الله أعلم أنك مهما عملت من طاعة فالله غني عنك وأن الذي يوفقك ويسددك هو الله سبحانه ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾10. ﴿قل لا تمنوا علي إسلامكم إن كنتم صادقين﴾11 إياك ثم إياك، أن تعترض على شرع الله أو أن تعاند شرع الله أقبل شرع الله وسلم له وقل ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾12 حسن الخلق مع الله ورحم الله من قال: «كن مع الله بلا خلق، وكن مع الخلق بلا نفس».
حينما تعامل ربك انسى المخلوقين أنت تعامل ربك إذا صليت فلله وإذا زكيت فلله وإذا أعطيت فلله وإذا منعت فلله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾13 كن مع الله بلا خلق لا تجعل الخلق واسطة بينك وبين الحق إذا أمرك الله فقل سمعا وطاعا ولو على رقبتي ولو سخط الناس ﴿إِلَّا﴾ فليرضى الناس عني أو فليسخطوا أنا لم أعد أسعى لغير رضاك وإذا تعاملت مع الخلق فأخلج نفسك وكن مع الخلق بلا نفس نعم نفسك تكبر عليك كيف يتكبر علي فلان وكيف يترفع علي فلان وكيف يؤذيني فلان أنا في غنى عنه ولن ألتفت له انسى نفسك فأجره على الله فالعفو يكون حسنًا إذًا أصلح. وأما إذا أفسد فلا عفو حينئذ.
بل يؤخذ على أيدي الظالمين حتى يظهر الحق وحتى يتبعه الناس
التحذير من التخلف عن إجابة الصلاة
يا أيها الإخوة الكرام بعض الناس يفرط في الصلاة وأنا والله أتعجب غاية العجب يا مسلم يا عبد الله تنادى بحي على الصلاة، ولا تجيب تنادى بحي على الفلاح، ولا تجيب منى يقدر على ذلك أتتكبر على السجود لمولاك الذي خلقك ورزقك وأعطاك، و مَنَّ عليك تسمع الأذان، ولا تجيب يناديك ربك للصلاة، ولا تجيب وأنت تعلم، أن الله غني عنك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾14.
اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِ نفوسنا تقواها اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت اللهم قنا شر نفوسنا اللهم اتنا في الدنيا حسنًا اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ بلادنا من الفتن اللهم خذ بنواصيهم إلى البر والتقوى اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم يا كريم
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
- آية: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 6 ↩
- آية: ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 7 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 8 ↩
- آية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 72 ↩
- آية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا۟ ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا۟ عَلَىَّ إِسْلَـٰمَكُم ۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَىٰكُمْ لِلْإِيمَـٰنِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 17 ↩
- آية: ﴿قل لا تمنوا علي إسلامكم إن كنتم صادقين﴾ — الحجرات: 17 ↩
- آية: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 285 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 162-163 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 15 ↩
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)