مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

كن في معية الله

خطب · الدرس 219 من 342 · 36 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، لا يخلو الإنسان في هذه الحياة من كروب وغموم وهموم وشدائد وهو في هذا كله حقيق به أن يستعين بالله جل وعلا وأن يحتمي بحماه وأن يتوكل على الله مولاه وأن رب العزة سبحانه وتعالى يحفظ عباده الصالحين ويكلؤهم ويرعاهم، ولا يكلهم إلى أنفسهم لذلك فإنَّهم مع الشدائد على اختلاف أنواعها ومع الهموم على اختلاف أشكالها يسعدون في الدنيا قبل الآخرة وأن من أعظم ما يعينك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم على أن تعيش هذه الحياة السعيدة رغم الكربات ورغم الشدائد والهموم، أن تستحضر معية الله جل وعلا لعباده الصالحين نعم ما أحوج المسلم إلى أن يتعرف على معية الله هذه المعية لمن تكون وما الذي تثمره تلك المعية لذا فحديثي إليكم في هذا اللقاء.

يا أيها الإخوة الكرام، عن معية الله جل وعلا لعباده المؤمنين، اعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم الكريم، أن معية الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين. أما القسم الأول فهو المعية العامة التي تعني علم الله بخلقه واطلاعه عليهم وسمعه لهم لا تخفى عليه خافية سبحانه جل وعلا قال الله وهو أصدق القائلين ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَٰثَةٍ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ رابع، ولا خمسة إلا هو سادسهم، وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ مَعَهُمْ أينما كانوا ثم ينبئهم ﴿بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾.

تأمَّل! ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ مَعَهُمْ أينما كانوا فالله جل وعلا مع خلقه أجمعين كيف يكون الله مع الناس كلهم معهم بسمعه معهم ببصره معهم بإحاطته لا يخفى عليه من أمرهم شيء ولذا بدأ الله الآية بالعلم وختمها بالعلم. فقال في أولها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ﴾. وقال في ختامها: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهذه المعية لا تقتضي ممازجة، ولا تقتضي مخالطة وإنَّما.

الأمر كما قال ربي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ سبحانه عز وجل وإذا كنا نقول سرنا والقمر معنا، ولا يلزم من ذلك، أن يكون القمر ممازجًا لنا ولا مخالطًا لنا فكيف بالله الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ هذه المعية معيه عامة للمؤمن والكافر للبر والفاجر كما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهو معكم أينما كنتم فهو معنا بعلمه وإحاطته وسمعه وبصره، وقدرته سبحانه عز وجل.

وقال الله جل وعلا: أيضًا ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ يخططون في الليل ويمكرون ويدبّرون والله معهم لا يخفى عليه شيء مطلع على ما في صدورهم ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ هذه معية عامة ثم اعلم أخي الكريم أن.

النوع الثاني والقسم الثاني هي المعية الخاصة معية خاصة بعباد الله المؤمنين إنها معية من نوع آخر معية نصر معية تأييد معية تقوية، معية من الله لخلقه المؤمنين ينصرهم يحفظهم ويكلؤهم ويرعاهم يعطيهم يمنحهم لا يحرمهم سبحانه جل وعلا ما أحوجك إلى هذه المعية الخاصة لأنَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كان معك فمَنَّ عليك إذًا ايدك الله ونصرك وحفظك وقواك فممن تخاف وممن تحذر لذا.

فإنَّ الله جل وعلا قد أخبرنا عن نبيه محمد ﷺ وصاحبه الصديق أبي بكر رضي الله عنه والناس يتذكرون في مثل هذه الأيام هجرة الرسول الأكرم صلوات الله وتسليماته عليه قال الله ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ هذا هو الشاهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه صاحب الرسول الأكرم ﷺ ورضي الله عن أبي بكر يقول يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه.

فقال الرسول ﷺ يا أبا بكر اسكت ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟» هذا هو. المعنى «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟» ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ المشركون يحدقون برسول الله ﷺ وصاحبه يريدون قتله يريدون القضاء عليَّ يريدون القضاء على دعوته. لكن الرسول ﷺ لا تغيب عنه معية الله جل وعلا فطمأن الصديق وعلَّمه.

وقال له ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ وإذا كان الله معنا فلا تخف من المشركين لا تخف من قريش إلا فليفعل ما يشاؤون ولينظر إلى ما يريدون. فإنَّ الله سيكفينا شرهم ويحمينا من كيدهم. وهذا معنى معية الله جل وعلا معيه عظيمة جليلة تستحضرها عند همومك فتتبدد الهموم تستحضرها عند الضيق عند الشدة عند قلة الرزق، عند الحزن عند الخوف يتبدد هذا بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

ولذلك علم الله موسى عليه الصلاة والسلام حينما قال له ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى﴾ لا تضعف في ذكر الله جل وعلا لأنَّ ذكر الله يجلب معية الله بفضل الله. ولذلك جاء في المتفق عليه في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني». تأمَّل! «وأنا معه إذا ذكرني»، إذا ذكرت الله فالله عز وجل معك ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى﴾ ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ ﴿قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾ ﴿قَالَ لَا تَخَافَآ﴾ لا تخافا تأمَّل!ت هنا ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ وهناك في طه ﴿لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ الله يسمع جميع الخلق ويرى جميع الخلق.

لكن هذا السمع المراد به سمع التأييد والنصرة والحفظ والرعاية، وكذلك الرؤية ﴿لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. وقال الله أيضًا له: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ فَٱذْهَبَا بِـَٔايَـٰتِنَآ ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ معكم الله معكم. ولذلك تعلم موسى عليه السلام هذا الدرس العظيم قال الله جل وعلا: فلما تراءى الجمعان لما تراءى الجمعان جمع موسى جمع موسى عليه السلام، ومن معه من المؤمنين وجمع فرعون، ومن معه من ملئه وجنده الكافرين، وأصحاب موسى يقولون لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فرعون أقبل علينا واقترب منا وسيدرك وسيلاحظ وسيقضي علينا قال موسى عليه السلام: ﴿كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ لأنَّ الله علَّمه ذلك، أن معي ربي سيهدين فمن معية الله لك أن يهديك الله عز وجل من معية الله لك أن يحفظك الله، أن يقويك، أن ينصرك، أن يزيل كربتك بفضله سبحانه وتعالى، ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم إلى أن تشعر بهذه المعية التي تهون علينا الكرب والهموم ألم يقل الله سبحانه ﴿فَلَا تَهِنُوا۟ وَتَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ﴾ ﴿وَٱللَّهُ مَعَكُمْ﴾.

لكن كثيرًا من الناس تخلى عما تكون به معية الله جل وعلا ﴿وَٱللَّهُ مَعَكُمْ﴾، ولن يتركم اعمالكم. أما إذا رضي الناس بمعيه الخلق بمعيه الضالين بمعيه الظالمين فأنَّى يكون لهم النصر والتمكين؟ ﴿أَنَّمَا﴾ الذي ينصرهم ويؤيدهم هو ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. فإنَّ قلت: ومن هؤلاء، ومن هؤلاء الذين يكرمهم الله بمعيته الخاصة من هؤلاء الذين يمن الله عليهم بمعيته الخاصة معيه الحفظ والهداية والتوفيق والتسديد والرعاية نريد أن نكون منهم كيف نصل إلى معية الله جل وعلا؟ أقول لك: .

تأمَّل! القرآن فإنَّك تجد أن رب العزة سبحانه وبحمده قد ذكر لنا من هؤلاء الذين لهم معيته. نسأل الله أن يكرمنا بمعيته فاسمع يا رعاك الله صفات أولئك الذين يكرمهم الله جل وعلا بمعيته قال الله جل وعلا: ﴿وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾. وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾5 (البقرة: 153). إن الله مع الصابرين، إذًا مما تتحقق به معية الله لك، أن تكون صابرًا فإذا صبرت فأنت في معية الله جل وعلا الصبر ﴿وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾.

وقال ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾6 (البقرة: 45). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ الصابرين. وقال ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، قال الله جل وعلا: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ التقوى كذلك قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ التقوى والإحسان كذلك قال الله جل وعلا: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا استقرأنا القرآن الكريم وجدنا أن الله يبين أنه مع المتقين أنه مع الصابرين أنه مع المحسنين أنه مع المؤمنين فنسأل الله، أن نكون من هؤلاء المتصفين بهذه الصفات صبر وتقوى إيمان وإحسان، أن تكون من عباد الله المتقين هؤلاء الذين يخافون ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يمتثلون أمره يجتنبون نهيه يقفون عند حده فيصيرون من أولياء الله الصالحين.

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» في الحديث القدسي عند البخاري وغيره، «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ» «وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» «وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا» «وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا» «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» إذا صرت من أولياء الله فهذه معية الله قال كنت سمعه الذي يسمع به وفي لفظ قال فبي يسمع وبي يبصر، يعني: إذا سمعت سمعت بسمع الله، يعني: أن الله يؤيدك فلا تسمع إلا الحلال إلا ما يرضي الله تجد أن سمعك يأبى أن يسمع الحرام وتجد أن بصرك يمتنع عن البصر إلى الحرام لماذا؟ لأن الله معك، لأن الله يحفظك، لأن الله يصونك، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾، أن تكون محسنًا والإحسان له معنيان.

المعنى الأول أن تكون محسنًا في عبادة الله، ومن أجمل ما فسر به الإحسان قول ﷺ «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ». «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» تحقق الإحسان، يعني: تراقب الله جل وعلا في سرك وعلانيتك في جلوتك وخلوتك في أمورك كلها تعلم، أن الله مطلع عليك والذين هم محسنون من معاني الإحسان في العبادة الإتقان إذًا عملت عملًا اتقنته تتقن طاعتك لله جل وعلا تصلي فتخشى تصوم فتتقدم والمعنى الثاني للإحسان أن تحسن إلى خلق الله جل وعلا تنتظر الأجر والثواب من الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، فتعطي الناس والله جل وعلا يعطيك فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه قاله الرسول الأكرم كما عند مسلم.

تأمَّل! «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» أنت تعين أخاك والذي يعينك هو الله جل وعلا فما أكرمك وما أحسنك هذا هو الإحسان تقوى وإحسان وصبر أن تصبر على السراء أن تصبر على الضراء وأن تتقي الله جل وعلا في أمورك فتصبر على طاعة الله وعن معصية الله، وعلى قدر الله جل وعلا أن تكون من عباد الله المؤمنين ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا أعظم ما تغتنم هذا أحسن ما تمتلكه ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ فلنحيينه حياة طيبة تريد الحياة الطيبة الحياة السعيدة فعليك بالإيمان والعمل الصالح.

جعلنا الله من أهل الإيمان بمنه وكرمه، يا أيها الإخوة الكرام، هذه معية الله، معية الله تتحقق للمطيعين تتحقق للمؤمنين تتحقق للصابرين تتحقق للمحسنين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه تتحقق لمن يطيع الله ورسوله ﷺ لأنه على قدر اتباعك تكون معية الله عز وجل لك. ولذلك لما ذكر الله أبا بكر قال إذ يقول لصاحبه ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا﴾ فأبو بكر كان متابعًا كان موافقًا كان مرافقا كان سامعًا كان مطيعًا فكانت المعية والتأييد له بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، ولم تزل تحوطه وتكتنفه في كل شدائده، وفي كل أحواله فكان منصورًا في أوقاته كلها إلى أن لقي ربه عز وجل.

يا أيها الإخوة الكرام، مما يحقق به الإنسان هذه المعية، أن يكون من المتوكلين على الله حقًا وصدقًا أن تتوكل على الله فتحسن في توكلك على الله جل وعلا قال الله، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾7 (الطلاق: 3) فهو حسبه هذه معية الله فهو حسبه، يعني: فهو كافيه، فهو مؤيِّده، فهو ناصره سبحانه عز وجل ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ (الطلاق: 3).

ولذلك ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما قال. وقد أُلقي في النار «حسبنا الله ونعم الوكيل» قال الله: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لذلك قال النبي ﷺ في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قالها ابن عباس قالها إبراهيم حين أُلقي في النار وقالها الرسول عليه الصلاة والسلام حين قيل له: ﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ معنى اعتقادك أن الله حسبك وأن الله جل وعلا نعم الوكيل أنك ترضى بمعية الله وتستغني بمعية الله عن معية كل من سواه لأنَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كان معك فلن يفوتك شيء لأنَّ معية الله تغنيك وتكفيك وهاجر عليها السلام تعلمت هذا من الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما تركها الخليل إبراهيم عليه السلام في مكة المكرمة حيث لا أنيس ولا أنس ولا جليس، ولا أنس ولا شيء وولى وتركها.

فقالت له هاجر عليها السلام كما في رواية ابن عباس عند البخاري قالت له: يا إبراهيم، إلى مَن تتركنا؟ تذهب وتتركنا إلى مَن؟ فلم يرد عليها فرددت مرارًا وهو لا يلتفت. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال لها نعم. فقالت له: إذًا لا يضيعنا، إذًا لا يضيعنا، وفي لفظ قالت رضيت، وفي لفظ قالت حسبي.

تأمَّل! هذا المعنى النفيس هاجر عليها السلام تسأل الخليل إبراهيم عليه السلام وتقول له الله أمرك بهذا فأجابها أن نعم هذا معناه: أن الخليل إبراهيم عليه السلام حينما ترك هاجر وحينما ترك الرضيع إسماعيل عليه السلام لم يتركهما من أجل غيرة سارة كما يتوهم كثير من الناس هب أن هناك غيرة أصابت سارة.

لكن لم يكن الخليل إبراهيم ليترك زوجه وليترك ولده لم يكن ليتركهما في هذا المكان الذي لا أنيس فيه ولا أحد لولا أن الله قد أمره بذلك هذا هو المحرك هذا هو الدافع الخليل إبراهيم يتحرك بالنص يسير وراء الدليل إنه لما رأى في المنام أنه يذبح ولده أجاب دعاء الله وأمر الله ولو كان في المنام لأنه الخليل إبراهيم عليه السلام يأتيه ولده.

وقد بلغ من الكبر عتيا ويصنع هذا ويدع ا الله أمرك بهذا فأجابها نعم. فقالت له: حسبي، يكفيني ما دام أن الله أمر ونحن نمتثل أمر الله فلن يضيعنا الله عز وجل وفي لفظ تقول رضيت، وفي لفظ تقول له إذًا لا يضيعنا. ولذلك ماذا صنع الملك جبريل عليه السلام حينما بحث بعقبه عليه السلام أعني جبريل عليه السلام حتى ظهر الماء أي: حتى ظهر ماء زمزم وهاجر تتسمع، تسمع صوتًا من هذا الذي يتحرك وجبريل عليه السلام ضرب بعقبه أو بجناحه الأرض فظهر الماء ونبع ماء زمزم وهي تقول فاغثني تغيث ن به فلما رأت الماء وأرادت أن تحوِّض الماء وأن تحيط بالماء، أعني بماء زمزم قال لها الملك قال لها: «لا تخافوا الضيعة، لا تخافوا الضيعة» فإنَّ هاهنا بيت الله، يقصد الكعبة المشرفة «لا تخافوا الضيعة، فإنَّ هاهنا بيت الله، يبني هذا الغلام وأبوه»، أن يبنيه إسماعيل وأبوه ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ﴾ أهله ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ﴾ أهله أعلم أخي الكريم أنه من مظاهر علمك بمعيه الله جل وعلا أنك إذا كنت مستقيمًا على الطاعة تترك المعصية وتؤدي الطاعة اعلم أن الله لن يضيعك أي: والله لن يضيعك الله لأنَّ الله عز وجل معك إذا أطعته، إذا آمنت به، إذا صبرت، إذا أحسنت، إذا اتقيت، إذا توكلت عليه.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده الصالحين والله يا إخوة معنى جميل ثم جميل ولطيف أن ينظر الإنسان إلى هذه الجملة إذًا لا يضيعنا، قارن بين مقولة هاجر ومقولة تلكم المرأة الفتاة الشابة الجليلة العظيمة القديرة التي قالت لأبيها حينما أرسل الرسول عليه الصلاة والسلام جليبيبًا من أجل خطبتها وعرض.

الأمر بل عرض الرسول ﷺ أمر الخطبة على الأبوين والرجل كان يظن من بداية الأمر أن الرسول عليه الصلاة والسلام، هو الخاطب وهو الذي يريد الخطبة. فقال: نِعْمَ عينٌ برسول الله. فقال: لست لنفسي أريدها، أنا لا أريد خطبة ابنتكم، ﴿أَنَّمَا﴾ أخطبها لجليبيب. فقال: يا رسول الله، حتى أستشير أمَّها وذهب إلى أمَّها فلما أخبرها الخبر قالت: عقرى حلقى! لَعَمْرُ الله ما كنت لأزوِّج جليبيبًا.

وقد جاء عند أبي يعلى أن جليبيب كان رجلًا دميمًا حتى إن الرسول قال له ذات مرة: يا جليبيب، أريد أن أزوِّجك قال: إذًا تجدني كاسدًا يا رسول الله لن ترضى بي امرأة لن ترضى بي امرأة رجل كاسد دميم. فقال له: «لكنك لست عند الله بكاسد» ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ الشاهد في القصة وهي ثابتة صحيحة وأصلها عند أحمد في مسنده ولها شواهد من طرق متعددة، أن الفتاة وهي في خدرها في حجرتها سمعت حديث أبويها.

فقالت لهما: من خطبني إليكما؟ فرد عليها رسول الله رسول الله هو الذي خطبك إلينا هو الذي عرض جليبيبًا هو الذي أراد، هو الذي حثنا على أن نخطب على أن نقبل خطبته منك. فقالت الفتاة: «ادفعوني إلى رسول الله، فإنه لن يضيعني»: آه ثم آه من هذا المعنى الجليل. فإنَّ رسول الله لن يضيعني والله ثم والله، أن كتاب الله لن يضيعنا أن سنة الرسول لن تضيعنا أن التمسك بالشرع لن يضيعنا أن اقتفاء أثر الرسول لن يضيعنا إن الأمة تضيع أن الأفراد يضيعون، أن القلوب تضيع أن العقول تضيع إذًا غابت عن اتِّباع كتاب الله وهدي الصادق رسول الله ﷺ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، ما أحوجنا إلى أن نفهم هذا المعنى وذلكم المغزى الجليل حينما تصاب بهم وكربة حينما تضيق عليك الحياة وتتسع لغيرك فتقول لك زوجتك مرة لِمَ لَمْ تصنع مثل فلان؟ لِمَ لَمْ تصنع مثل فلان؟ فلان معه وفلان حصل وأنت لم تحصل تحصل فلان أغنى منك فلان معه وليس معك لأنك بفضل الله موظف نظيف لم ترتشِ، لم تقبل حرامًا، لم تُرابِ، لم تختلس لم تكذب لم تشهد زورًا فربما عُيِّرت في هذه الحياة فقل لها: إن الله معي وأنا أريد معية الله، لا أريد أموالًا ذاهبة.

انظر إلى مَن جمع المال بغير تقوى إلى مَن جمع المال بغير طاعة إلى مَن جمعها بمعصية ماذا سيصنع به المال؟ وماذا سيصنع له به؟ سيكون وبالًا عليه وجحيما في الدنيا قبل الآخرة. نسأل الله السلامة والعافية. ليكن عندك أساس تسير عليه مهما ضاقت عليك الدنيا مهما وقع لك ما وقع ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا، وعند الله منها المخرج، ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرج ألم يقل الله سبحانه.

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ومن جمال التعبير القرآني إن رب العزة سبحانه قال في هاتين الآيتين. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولم يقل. فإنَّ بعد العسر يسرا ﴿أَنَّمَا﴾ قال. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يسر بعض الناس إذا وقع في كربة يظن، أن الكربة قد أحدقت به من كل جانب أنت لو فهمت وتقلت وأدركت لوجدت في الكربة نعمة ووجدت في المضرة منفعة أي: والله الإنسان يكون في الشدة وإذا دقق النظر فيها وجد أنه في نعمة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتخلص له النعمة وتذهب عنه النقمة بفضل الله سبحانه.

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ يسر والمعنى أن اليسر لا يأتي بعد العسر فحسب وإنَّما هو يصحبك مع العسر ثم لا يزال العسر ينزوي وينزوي ويذهب ويذهب حتى يبقى اليسر بفضل الله وهنا ﴿سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ فمعه اليسر، وبعده اليسر، وفضل الله جل وعلا وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، يا أيها الإخوة الكرام، تعرفون قصة أصحاب الأخدود وقصة هذا الغلام الذي صنع ما صنع وأتى به الملك كما جاء في رواية مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه.

وقال ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ بُنيَّ، قد بلغ من سحرك ما تُبرئ ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وتفعل كذا وكذا. فقال: إني لا أشفي أحدًا ﴿أَنَّمَا﴾ يشفي الله عز وجل فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب إلى أن أتى به مرة ثانية وطلب منه أن يرجع عن دينه فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه. فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا واصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته.

فإنَّ رجع عن دينه، وإلا فاقذفوه فلما صعدوا به الجبل وأرادوا منه أن يرجع عن دينه أبى عليهم. وقال لهم اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فوقعوا وجاء يمشي إلى الملك إلى الملك. فقال له: ما فعل أصحابك قال: كفانيهم الله عز وجل فدفعه إلى نفر من أصحابه. وقال لهم اذهبوا به إلى البحر واحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر.

فإنَّ رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه فلما أخذوه إلى البحر قال: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك ماذا كان يقول الغلام اللهم اكفينيهم بما شئت هذه معية الله، أن تستحضر هذا المعنى اللهم اكفنيهم بما شئت ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ أعلم أخي الكريم، أن الله جل وعلا إذا كان معك حماك من الضلالة وإذا أُصبت بفتنة أو بمحنة.

فإنَّ الله لا يجعل فتنتك في دينك. وهذا من عظيم معية الله للعبد. ولذلك كان من دعاء الرسول، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا من معية الله لك، أن يحفظ عليك دينك، أن يحفظ عليك إيمانك فالناس يضلون ويزيغون وأنت يثبتك ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ من معية الله لك، أن يهون عليك البلاء وأن ييسر لك. الأمر وأن يفرج عنك الكرب وأن يشرح صدرك وأن يزيل عنك الخوف وأن يزيل عنك الحزن وأن يزيل عنك القلق وأن يجعل حياتك سعيدة في الدنيا ثم إذا بك في الآخرة ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾.

جعلنا الله منهم بمنه وكرمه من معية الله، أن يحفظ عليك قلبك وأن يحفظ عليك بدنك وأن يحفظ عليك جوارحك. وهذا معنى قول الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام: «احفظ الله يحفظك». «احفظ الله تجده تجاهك» وجاء في بعض ألفاظ الحديث واعلم، أن النصر مع الصبر «وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ» «وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». نسأل الله أن ييسر لنا أمورنا إخوتي الكرام، حاصل القول، وفي الختام ما أحوجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم إلى معية الله لتز همومك ولتزويد عفت التي هأنت لاذلال الأرض التي ذلت لهؤلاء الذين الذين يعيش ثون في الأرض فسادًا من اليهود المفسدين.

نسأل الله أن يكفينا شرهم وأن يرينا فيهم عجائب قدرته ما أحوجنا إلى أن تعود الأمة لتعرف معية الله ولتطلب معية الله فإذا كان الله معنا نصرنا على الأعداء وقوَّانا وأيَّدنا وفرَّج كربنا ويسَّر أمورنا اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا واجعله الوارث منَّا اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تُسلِّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم انصر عبادك المستضعفين في غزة اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واحقن دماءهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 153 ↩
  6. آية: ﴿وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 45 ↩
  7. آية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 3 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة