مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

كن صادقاً ولا تتلون

خطب · الدرس 218 من 342 · 10 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

الحمد لله الذي أمر بالصدق في الأقوال والأفعال وأثنى على الصادقين بالفضل والكمال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكبير المتعال وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله أصدق من فعل وقال صلى الله وسلَّم وبارك عليه وآله وصحبه خير صحب وآله. أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، من أجلِّ الصفات التي يتصف بها المؤمن الصدق. نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين. فالمؤمن صادق لا يكذب هو صادق في اعتقاده صادق في إيمانه صادق في أقواله صادق في أفعاله وأحواله صادق كذلك في نيته وعزيمته وهمته ﴿فَإِذَا عَزَمَ ٱلْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا۟ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ (محمد: 21) قد أمرنا الله عز وجل بالصدق ودعانا إلى أن نكون مع الصادقين.

فقال عزَّ من قائل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (التوبة: 119) نكون صادقين لئلا نكون منافقين لأنَّ الصدق ينافي النفاق وينابذه قال الله سبحانه: ﴿لِّيَجْزِىَ ٱللَّهُ ٱلصَّـٰدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (الأحزاب: 24) فهناك تقابل بين الصادقين وبين المنافقين الكاذبين فالمنافق من علاماته إذا حدَّث كذب. وأمَّا المؤمن فمن سماته وعلاماته أنه إذا حدَّث صدق جعلنا الله منهم بمنه وكرمه المؤمن صادقًا في إيمانه، إيمانه لا يتزعزع ولا يتخلخل، لأنَّه يعلم أنَّ الله ربه، وأن الله مالك الملك، يقضي ما يشاء، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه سبحانه جل وعلا فمهما تهمت به الخطور، ومهما اشتدت به الكرور، فهو صادق في إيمانه بالله رب العالمين، ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟﴾ لم يشكُّوا وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ.

قد بين الله سبحانه أنه قد يبتلينا ليظهر الصادق من الكاذب المؤمن مُبتلًى، فهو ثابت على إيمانه يحب ربه في العسر واليسر يحب ربه في كل أحواله، وفي كل أوقاته، وفي كلما يتعلق به من أموره لأنه يعلم أن الله عز وجل إذا قدَّر شيئًا فهو خير له ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) والله يعلم وأنتم لا تعلمونه قال الله ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) أيضًا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216) فالمؤمن كذلك صادق في إيمانه بالله ليس كحال أولئك الذين وصفهم الله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.

﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الحج: 11) إياك والتلوُّن في دين الله. فإنَّ دين الله عز وجل واحد فلا يتنقل عن خطابه وإنَّما هو صادق على مبادئه يؤمن بالله ويؤمن باليوم الآخر ويؤمن بالقدر عليه وشأنه المؤمن صادق في أقواله إذا حدث صدق في مقاله وإذا فعل صدق في أفعاله فلذلك ينتفع بهذا الصدق في دنياه وينتفع به في أخراه قال الله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (المائدة: 119)، وفي القراءة الأخرى ﴿يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.

بل إن المؤمن يصدق حتى يصير الصدق عادةً لو أراد أن يكذب ما تيسَّر له الكذب لأنه اعتاد الصدق وسار عليه وداوم عليه. وهذا من معنى الصِّدِّيقيَّة التي أثنى الله على أصحابها. فقال، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69) فالصِّدِّيق مبالغة في الصدق والتصديق فهو يديم الصدق ويديم التصديق يجمع بين الطرقين يصدق الله ويصدق رسول الله ﷺ يؤمن بالغيبيات كما وردت في كتاب الله، وفي السنة الصحيحة عن رسول الله ﷺ ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ﴾ (الحديد: 19) فالصطيق من الصطيق والصطيق من الصدق الذي يب أمن على الصدق كما قال الرسول ﷺ كما عند الشيخين والنغم لأصدقاء الحليف ابن مسعود رضي الله عنه أنه ﷺ قال عليكم بالصدق.

فإنَّ الصدق يهدي إلى البر «وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ»، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا «وإياكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار»، «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ» ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ﴾ (النساء: 69) إذا أردت أن تكون صادقًا وأن تكون صديقًا فليطابق قولك فعلك، وليتطابق قولك وفعلك أدِّ رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بينما هو جالس ﷺ في مجلس من المجالس كما يروي أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عامر رضي الله تعالى عنه قال عبد الله بن عامر: دعتني أمي يومًا ورسول الله «صلى الله عليه وسلم» قاعد في بيتنا، فقالت: ها، تعال أعطيك أي: فأنا أعطيه.

فقال لها ﷺ: «وما أردت أن تعطيه؟» قالت: «أعطيه تمرًا» قال. «أما إنك لو لم تعطه شيئًا كُتبت عليك كذبة» لم أنك قلت: للطفل: تعال أعطك أو أعطي يجعز المجنان، ولم تعطه شيئًا. فإنَّ العبد يصير بذلك كاذبًا هذا معناه: أنَّ الإنسان صادق في كل أطواره وفي كل أفعاله والصدق يهدي إلى البر كل الأخلاق الحقيقية تندرج تحت الصدق في الإيمان والصدق في الأطوار والأفعال، فالصادق يفعل كل فعل.

أما من يستلذ بالكذب ويبدأ مرة بعد مرة. فإنَّ الكذب يدعوه إلى الفجور فيقع في المحرمات، ويقول سأخرج منها بالكذب ونسي هذا أن الصدق نجاة أقل الكهب فإنَّه يُضلُّ صاحبه في الدنيا ويقصيه في الآخرة. نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين اللهم أرنا الحق حقًّا ووفِّقنا لاتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة