كن بالله واثقا وبدينه معتزا
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: 1). اتقوا ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم كن بالله واثقًا، كن بالله واثقًا وبدينه معتزًّا كن صاحب أمل وعمل، ولا تكن صاحب جهالة وخلل.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح كن بالله واثقًا وبدينه معتزًّا ما أحوجنا، يا أيها الإخوة الكرام، إلى أن نجدد العهد بهذا المعنى العظيم وهو، أن المؤمن واثق بربه معتز بدينه يعلم أن الأمر كله لله وأننا عباد لله فإذا عبدنا الله ما تركنا الله. بل أعطانا، ومنحنا وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ إن كثيرًا من المسلمين في هذه الأيام قد ابتُلي ومُني بهزيمة نفسية واضحة وجلية انهزم في داخله، وكذلك في نظرته إلى مجتمعه فضلًا عن أمته فلذلك تقاعس عن العمل وأبطل الأمل وتراخى وظن.
الأمر سيستمر كذلك إلى أن يموت. نسأل الله السلامة. وذلك لغفلته عن حقيقة نفسه وعن عظمة ربه وعن سنن الله جل وعلا في خلقه، يا أيها الإخوة الكرام، إذا أردنا أن نتعرف على بعض هذه المظاهر التي ابتلي بها المسلمون مما يثبت لنا أن الخلل قد استشرى فيهم وأن تلك الهزيمة قد ملأت قلوبهم إلا من رحم الله جل وعلا فانظر يا رعاك الله إلى بعض تلك المظاهر منها على سبيل المثال هذا اليأس الذي يوجد في قلوب كثير من الناس اليأس من التغيير والتقدم اليأس من أن يتغير الإنسان إلى الأفضل والأحسن ثم ييأس بعض الأفراد من أن تتغير أمتنا إلى الأفضل والأحسن.
وهذا موجود في واقع كثير من الناس نعم فالإنسان المقصر المفرط في جنب الله ربما استمر في تفريطه وتركه لطاعة ربه وإسرافه على نفسه بالمعصية فإذا سُئل ﴿وَقِيلَ﴾ له: لِمَ لا تقلع عن المعصية؟ لِمَ لا تُقبل على الطاعة؟ يقول: جربت وفعلت وأطعت وتركت المعصية ثم غُلبت على أمري، فغلبتني نفسي الأمَّارة بالسوء وغلبني الشيطان وغلبني الهوى فأنا كذلك وعلى هذا سأستمر، فييأس من أن يتغير فإذا به يستمر على المعصية ونسأل الله السلامة والعافية.
ونسي هذا أنَّ الإنسان ما سمي إنسانًا إلا لنسيانه وأنَّ الإنسان في هذه الحياة يعيش مجاهدًا ويعيش في كبد، مرة له ومرة عليه غفل هذا الإنسان عن ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ اللطيف وأن الله توَّاب، ولا يُغلق في وجوه عباده ولا أمامهم باب توبته لكنه الجهل وسبب ذلك اليأس الذي تسرب إليه ثم كذلك نظرة الناس إلى أمتهم وإلى مجتمعاتهم أنه لا تغيير وأنه لا تقدم من فقر إلى فقر أشدّ ومن أزمة إلى أزمة أكبر، ومن ابتلاء إلى ابتلاء أشدّ وليس.
الأمر كذلك. فإنَّ لله سننا في خلقه فالخلل فينا، يا أيها الإخوة، ولو عدنا لأعاد الله عز وجل لنا الخير والعزة ثم إن المستقبل لهذا الدين بلا شك لأنَّ هذا وعد الله ووعد الله لا يتخلف وعد الله لا يتخلف وعد الله صدق وحق والمؤمن لا بد أن يشعر بهذا وليكن لبنةً في تحقيق هذا الوعد. فإنَّ سُئل قال: يا رب قدمت ما استطعت ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إذا أردت أن تنظر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إلى بعض هذه المظاهر فانظر إلى ما يقع من كثير من الناس من جبنهم وعدم رغبتهم في التصريح بهويتهم نعم كثير من الناس لا يحب أن يصرح بحقيقة أمره لا سيما إذا كان في بلد آخر أو في بلد أقصد غير إسلامي لا يريد أن يُظهر أنه مسلم، يقول: المسلمون معروفون بالتأخر والتخلف والضعف وأنهم وأنهم وأنهم فلا تراه يعتز بدينه لا يعتز بأنه مسلم بأنه مؤمن بالله رب العالمين يرى أنَّ الإسلام ما قدم له شيئًا وأن أمته ما قدمت له شيئًا.
وهذا خلل كبير وانهزام عظيم في نفوس كثير من المسلمين ﴿إِلَّا﴾ فاعتزَّ، ثم والله لو متنا جوعًا، لو متنا فقرًا لو جرى لنا ما جرى فإننا نقول: إن نفوسنا وإن عروقنا وإن دماءنا تجري وتسبح الله وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله الله ﷺ إن معك ما هو أعظم وأجل، إن معك هذا الدين والله ثم والله كلما قرأت تلك الآية العظيمة استوقفتني وينبغي للمسلم، أن يتوقف عندها إذ قال الله فيها في سورة الأنفال إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. تأمَّل! ٱلْمُنَٰفِقُونَ ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ حينما نظروا إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ووجدوا ثقتهم ووجدوا اعتزازهم بدينهم رغم ضعفهم وقلة عددهم وعتادهم وقلة ما لديهم لكنهم واثقون فما كان من ٱلْمُنَٰفِقُونَ ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ إلا أن قالوا في حق الصحابة الكرام غر هؤلاء دينهم دينهم غرَّهم، دينهم غرَّهم أي: والله ما أجملها من عبارة، أن يقول لنا أعداؤنا: غرَّكم دينكم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تقال لنا بدلًا من أن يقال غرتكم الدنيا غرَّتكم زخارف الدنيا، غرَّكم الهوى، غرَّكم الجهل غركم غركم ليُقَل، ليُقَل لنا: غرَّنا ديننا نعم ما أجمل أن يقال غرنا ديننا لسنا مغرورين ﴿أَنَّمَا﴾ نحن واثقون كانوا واثقين في الله، وفي دين الله لذلك كان بعضهم يقول لأعدائه والله لو كنتم معلَّقين في السحاب لرفعناها إليكم أو لأنزلناكم إلينا حتى ينصرنا عليكم.
تأمَّل! لو كنتم معلَّقين في السحاب لرفعناها إليكم أو لأنزلناكم إلينا حتى ينصرنا عليكم إنها العزة، إنها الثقة في دين الله، في وعد الله جل وعلا فاعتزَّ بدينك، أن النبي ﷺ حين قدم عليه عائذ بن عمرو وأبو سفيان رضي الله عنهما، وكان أبو سفيان وقتئذ على الكفر. فقال بعض الأصحاب يا رسول الله هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو قد أقبل وأبو سفيان لم يكن قد أسلم بعد وعائد مسلم فلما سمع الرسول ﷺ قول بعض أصحابه هذا أبو سفيان، وقدموا أبا سفيان على عائذ بن عمرو قال لا لا.
بل هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه الإسلام يعلو ولا يُعلى. أما أن تفتح الأبواب والطرق وأن يفرح الإنسان ويمرح لأنه عد في صفوف دولة كافرة ومعه جنسية منها وتعلم لغتها نحن لا نمنع أن يتعلم الإنسان اللغات وأن يكون له نصيب، وقدر وأن يستفيد من خبرات كل الناس وأن الحكمة ضالَّته.
لكن المسلم له سمته وله تميزه وله دينه وله استمساك ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، من مظاهر هذه الهزيمة التي استشرت في نفوس كثير من المسلمين التقليد والمحاكاة للكافرين يريدون أن يكونوا مثلهم ليس فقط في تقدمهم المادي فنحن مطلوب منا أن نتقدم وأن نستفيد من غيرنا ولكن في كل شيء ولو كان لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وللأسف.
فهذا خلل. ولذلك قالوا ويل للمغلوب من الغالب ويل للمغلوب من الغالب. وهذا ما يسمونه بالشعور بمركب النقص فالإنسان إذا شعر بمركب النقص قلد من يظن أنه قد غلب يقلده في زيه في ملابسه في حركته في مشيته مع أنَّ هذه ليست وسائل للنصر، ولا للتقدم، ولا للحضارة كلا يا عبد الله، إن الله أمرنا فقال: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
وقد أمرنا بالأخذ بالأسباب. لكن لماذا هذا التقليد هلَّا ابتكرت؟ هلَّا صنعت لأمتك ما ينفعها؟ هلا صنعت لنفسك ما ينفعك الله به ألم يقل الرسول ﷺ: «ٱحْرِصْ عَلَىٰ مَا يَنْفَعُكَ وَٱسْتَعِنْ بِٱللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»؟ ما أحوج المسلم إلى أن يتعلم ذلك، يا أيها الإخوة الكرام، من مظاهر ذلك، من مظاهر هذه الهزيمة التي استشرت في كثير من الناس أنهم لا يلتفتون إلى محاسن الإسلام وإنَّما همهم كما قلت: النظر إلى ما عند غيرهم من ضلالات مع أنَّ في الإسلام محاسن كثيرة لا تعد ولا تحصى من نظر لها استمسك بدين الله حقًا وصدقا.
يا أيها الإخوة الكرام، إن هذه الهزيمة لها أسباب كثيرة، ومن أعظم أسبابها ضعف الإيمان نعم ضعف الإيمان فالذي إيمانه ضعيف لا تراه مستمسكًا بحبل الله المتين، ولا تراه معتزًّا بدين الله واثقًا في وعد الله جل وعلا. بل ترى عقيدته في تخلخل وتذبذب. وقد قال الله، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُۥ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِۦ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ﴾ لذلك أعظم ما على المسلم، أن يتعلَّمه، أن يتعلم العقيدة الصحيحة التي تربطه بالله جل وعلا يؤمن بالقدر يعلم، أن كل شيء بقدر وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن يتعلم أسماء الله الحسنى وصفاته العلا فيعلم، أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ بكل شيء محيط وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وكيل وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حفيظ فحينئذ يثق في الله، وفي وعد الله جل وعلا ومن أسباب هذا الخلل وتلك الهزيمة الموجودة الجهل بسنن الله في خلقه.
وقد حدثتكم في خطبة سابقة عن سنن الله جل وعلا في خلقه من السنن الكونية، ومن السنن الاجتماعية فكثير من الناس بسبب جهالته أو بسبب غفلته وضلاله عن تلك السنن يظن أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أعزَّ قومًا وهم على الضلال. فإنَّ العزة ستستمر لهم وهيهات هيهات. فإنَّ الله جعل العاقبة للمتقين والباطل وإن انتفش فهو إلى زوال والحق وإن انكمش فهو إلى بقاء ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ إن لله سننًا في خلقه ومما يعيننا على ذلك الرجوع إلى وقائع الأمم ولذا أمرنا الله بتذكرها ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ ولذا من أسباب هذه الهزيمة أيضًا الغفلة عن أيام الله وعن تاريخ الناس وعن واقع الناس مهما ابتلينا.
انظروا إلى الابتلاءات السابقة، يا أيها الإخوة الكرام، هل بلغكم خبر القرامطة، إن أبا طاهر القرمطي ومن كان معه من القرامطة اتجهوا إلى الكعبة المشرفة وحاربوا المسلمين وانتزعوا الحجر الأسود وحملوه معهم إلى شرق الجزيرة العربية لمدة اثنتين وعشرين سنة والمسلمون إذا حجوا يحجون دون أن يكون الحجر الأسود موجودًا بالكعبة ووقت أن أخذه كان يقول هو ومن معه أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟.
تأمَّل! ماذا يقول. لكن مع ذلك ماذا جرى وماذا كان ذهب وذهب أثره ورد الله الحجر الأسود ونصر الإسلام والمسلمين الباطل مهما انتفش فهو إلى زوال. لكن لله سننًا لا تجامل ولا تحابي تريد من المسلمين، أن يدركوا أن يعلموا أن يتعلموا أن يراجعوا دينهم، أن يتوبوا إلى ربهم وأن يعودوا إلى رشدهم ﴿إِلَّا﴾ تعلمون أن بيت المقدس أُغلق دون المسلمين نحو تسعين عامًا؟ وبيت المقدس مغلق أيام الحروب الصليبية لا يصلي فيه مسلم، ولا تعقد فيه جماعة، ولا جمعة، وعُلِّقت عليه الصلبان ثم كان ماذا؟ أذهب الله الصليبيين ونصر عباده الموحدين وهكذا سنن الله في خلقه.
انظروا إلى واقع الناس هذا ما يحتاج المسلم، أن يتعلَّمه، إن الأمة وإن ضعفت فهذا لتعود إلى رشدها ولتراجع أمور دينها ولتثبت على معتقدها وحينئذ يعزها الله وينصرها؛ وإلا فالله غالب على أمره ولو كره الكافرون ولو كره المشركون، يا أيها الإخوة الكرام، من هذه الأسباب التي مُني بها كثير من الناس ضعف الهمة والرضا بالدون يرضى بمستواه يرضى بضعفه يرضى أن يكون مستوردًا لا مصدرًا يرضى أن يكون مقلدًا لا أن يكون متبوعًا قائدًا يرضى أن يكون في الذَّنَب لا أن يكون في الرأس ﴿إِلَّا﴾ فاعلموا دينكم اعلموا أنكم علَّمتم العالم كله إنكم بفضل الله فتحتم بلاد الأندلس وغيرها فتحتم الروم وفارس وغير ذلك من بلاد الله المسلمون أعزة لكنهم يجهلون ذلك فيرضى بالدون وبالقليل إننا أمرنا بالتنافس في الخيرات، ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ﴾، ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحُفَر، ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحُفَر إذا أردتم، أن تكونوا في الجبال في القمم في العلو فحي هلا على الفلاح حي على الفلاح حي على الصلاة حي على الكفاح حي على الجهاد حي على الهمة حي على الإيمان والعمل الصالح أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من أسباب هذه الهزيمة التي أُصيب بها كثير من المسلمين جهلهم بحقيقة تلك الحياة وأن الدنيا جعلها الله دار امتحان وابتلاء، ولم يجعلها دار إكرام نعم الدنيا ليست دار كرامة وإن أُكرم فيها الصالحون فإنَّه إكرام مؤقت ويسير دون الإكرام الحقيقي الذي يكون لهم يوم القيامة وأكرِم به. نسأل الله أن يجعلنا من المكرمين الدنيا دار ابتلاءات فكثير من الناس يجهلون فإذا امتحن في الحياة أو ابتلي ضعفت عزيمته وانهزمت نفسيته وترك الخير كله.
بل ترك العمل لدينه ولدنياه، ثم تكون العاقبة الوخيمة ونسأل الله السلامة أنت في الدنيا تُمتحن وتُبتلى ما يضيرك، أن تحاول فتفشل في بعض الأحيان ما الخلل في ذلك هذا وارد هب أنك مثلًا في باب التعلم لم تقوَ عزيمتك، ولم تصل إلى المراد منك هل معنى ذلك، أن النجاح قد أغلق أمامك لا والله. فإنَّ أبواب النجاحات كثيرة وكم رأينا من أناس بدأوا ضعافا يراهم الله أقوياء وكم رأينا من أناس ظنُّوهم جهلاء وصاروا أفضل من كثير ممن سبقهم في العلم العبرة بالخواتيم وليست بنقص البداية قالوا العبرة بكمال النهاية وليست بنقص البداية نعم قد تبدأ ضعيفا.
وقد تصاب بالفشل ولكن ليس معنى هذا أن تبقى على فشلك وإنَّما استمر وجاهد ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾6 (العنكبوت: 69) وأن الله لمع المحسنين، أن النملة تجاهد حتى تصل إلى هدفها إن كل ضعيف إذا استعان بالقوي قوَّاه الله، فأخذ بالأسباب فكان ناجحًا موفَّقًا في الحياة بفضل الله سبحانه وتعالى، فلا تمل ولا تكل وإنَّما سل الله الإعانة.
ولذلك أثنى الله عز وجل في شأن هؤلاء فقال ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ وعلمنا الله. فقال ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾7 (العنكبوت: 2). ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾8 (العنكبوت: 3) إياك، أن تسقط إذا ابتليت إذا ابتليت أو إذا ابتُليت الأمة فلتتب ولتقم من رقدتها ولتسأل الله، أن يعينها وأن يمدها بمدد من عنده.
يا أيها الإخوة الكرام، كذلك من هذه الأسباب الجهل بأن المستقبل لدين الله جل وعلا وأن الله غالب على أمره وأن هذا وعد الله حقًا وصدقًا حتى وإن ابتُلي المسلمون ثم إن غيرنا يحاول جاهدًا أن يصورنا في الحالة المزرية وأنه في الحالة القوية مع أنَّ الضعف ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ كما يصيبنا والله قال ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ كم نُبتلى بأزمات داخلية، هم أيضًا كما نبتلى بفقر هم أيضًا كما نبتلى بعجز هم أيضًا ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ إياك أن تغتر بمثل ذلك وإنَّما أن ندرك.
الأمر على حقيقة وأن نثق في الله. وقد قال ﷺ «إِنَّ اللَّهَ زَوَىٰ لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» ﷺ وقال «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ»، أي هذا الدين، «حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ» فنسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين وان يذل الشرك والمشركين، يا أيها الإخوة الكرام، أعظم عون لك كما قلت: تمسكك بدينك وتربيتك على العقيدة الصحيحة، أن المشركين ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا إذا دخلوا واديا من الاوديه خافوا فاستعاذوا بعظيم هذا الوادي من شر أهله ويخافون من الجن فجاءنا الإسلام وأعلمنا أن الجن خلق من خلق الله وأنهم لا يضرون ﴿أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ فمن استمسك بالله نصره الله وحفظه.
ولذلك شُرع لنا إذا نزلنا واديًا من الوديان أو من الأودية، أن نقول «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» فلا يضرنا شيء بفضل الله سبحانه وتعالى، كان المشركون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يتطيرون ويتشاءمون فيُطلق أحدهم الطير أو يرميها فإذا اتجه من جهة كان اتجه إلى الشمال تشاءم وإذا اتجه إلى اليمين تفاءل فإذا اتجه إلى جهة غير مرغوبة لم يُقدم على السفر وإنما أحجم وخاف. وأما المسلم فإنَّه يثق في الله لا طيرة في الإسلام ويتوكل على الله، ومَنْ يتوكل على الله.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ علَّمنا ديننا: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَىٰ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَىٰ أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا۟ أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 2 ↩
- آية: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 3 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)