شرح حديث اغتنم خمسا قبل خمس
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج الإمام الحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ النبي ﷺ قال لرجل ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَـٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك نعيش.
يا أيها الإخوة الكرام، مع هذه الوصية النبوية التي أوصى بها ﷺ بعض أصحابه والتي سماها حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بالموعظة فهي موعظة وأي موعظة جدير بنا أن نتعظ بها. نسأل الله أن يعظ قلوبنا وأن يجعل قلوبنا من القلوب السليمة التي تتعظ وتنتفع بالذكرى ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ يقول النبي صلوات ربي وتسليماته عليه اغتنم خمسا قبل خمس أنت قد يمن الله عز وجل عليك أخي الكريم بكثير من النعم، وبعديد من المنن دوام الحال من المحال والعبد لا يبقى على حال واحدة، ولا تستقيم له طريقة واحدة فهو اليوم على حال وغدًا على حال أخرى فجدير به أن يغتنم الفرصة قبل فوات الأوان ذكر النبي صلوات ربي وتسليماته عليه في هذا الحديث أمورًا خمسة جدير بالمسلم، أن يغتنمها حينما ينعم الله جل وعلا بها عليه.
فقال اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل موتك أنت في الدنيا تعمل، وأما بعد
ذهاب الدنيا وانقضائها فلا عمل ﴿أَنَّمَا﴾ ثواب أو عقاب حساب وجزاء جنة أو نار. نسأل الله جنته ونعوذ به من ناره، ومن مات أعظم ما يتمناه، أن يرجع إلى الحياة ليعمل بطاعة الله مولاه ولكن هيهات هيهات. فإنَّ من مات فقد انقضى أجله في هذه الحياة لينتقل إلى دار أخرى إلى القبر ثم إلى دار ثالثة وإلى الآخرة إلى الحساب والجزاء لذلك جدير بالعبد أن يعتني بالطاعة ما أحياه الله عز وجل وما جعله من المعمرين في تلك الحياة إلى أن يلقى الله، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢).
وقد ذكر الله لنا حال أقوام ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ﴾ صَٰلِحًا يتمنى الرجوع إلى الدنيا لما هل يلقى الأحباب؟ لا هل يلقى أخاه لا أو أباه لا أو ولده أو زوجه أو صديقه أو ماله أو غناه أو منصبه
لا وإنَّما لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ أنت في الدنيا قد ترغب فيه وتتمنى رؤيته ويشق عليك فراقه لكنه ﴿أَنَّمَا﴾ يرجو العودة إلى الحياة ليعمل الصالحات فاللهم من علينا بالعمل الصالح. وقال الله جل وعلا: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ وأنفقوا مِمَّا رَزَقْنَٰكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا ۚ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ اغتنم حياتك قبل موتك أنت الآن تقدر على أن تذكر الله.
لكن بعد الممات من سيذكر الله بدلًا عنك أنت الآن تقدر على الصلاة فمن سيصلي لك بعد الوفاة وإذا بخلت على نفسك فمن ذا ينعم عليك؟ وإذا لم تهتم بنفسك فمن تنتظر أن يعتني بك أو أن يتذكرك بفعل الخيرات والأصل ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُۥ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزَىٰهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلْأَوْفَىٰ﴾ إلا أنه قد جاءت استثناءات استثناها الرسول عليه الصلاة والسلام، كما لا يخفى كالصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به.
وهذا هو الذي خلفه الإنسان أو ولد ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ يدعو له اغتنم حياتك قبل موتك أنت الآن في حياة تذهب منك سريعًا سريعًا ينقضي عمرك ويذهب أجلك وأنت لا تدري، ولا تشعر اغتنم حياتك قبل موتك وصحتك قبل سقمك اغتنم صحتك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تكون سقيمًا كم من سقيم ومريض كان يقول يا ليتني أُعطيت قوة إذا أعطاني الله القوة وردَّ إليَّ الصحة سأفعل وسأفعل وسأفعل كم من مريض قال: يا ليتني عدت صحيحًا حتى أقدر على العمل بطاعة الله جل وعلا وإذا كان الموت قد يأتي الإنسان بغتة.
وقد لا يأتيه بغتة فيسبق بالمرض فنرى بعض الناس يمرض لسنوات متتالية إلى أن يقضي ﴿ٱللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. أما المرض فهو حتمًا يأتي فجأةً فالواحد ربما يكون صحيحًا ثم يصير مريضًا ولربما تراكمت الأمراض فوق الأمراض وهو لا يدري حتى أقعده المرض على الفراش. نسأل الله السلامة والعافية. وإذا كانوا يقولون.
إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يشعر به إلا المرضى فإنَّها قولة صادقة في أغلب الأحوال. اغتنم صحتك قبل سقمك أنت الآن تقدر على أن تأتي إلى المسجد ماشيا بعد ذلك لا تدري هل تتمكن من ذلك أم لا لربما رجوت أن تخرج إلى صلاة الجمعة لا أقول الجماعة فلا تقدر، ولا تستطيع ولربما حيل بينك وبين ذلك أنت الآن معك عقلك تفكر به ومعك لسانك تنطق به ومعك جوارحك تتحرك بها فلا تدري ماذا سيكون بعد
ذلك ﴿فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
وقال ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾ ولسانا وشفتين ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾ فك رقبة ﴿أَوْ إِطْعَـٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾. نسأل الله الكريم من فضله اغتنم صحتك قبل سقمك رزقك الله بعين سليمة تبصر بها فأين أنت من قراءة القرآن
أين أنت من التفكر في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ عيناك بما تنظر بهما إلى أي: شيء تنظر بعينيك، إنك إذا كنت على الطاعة وأنت صحيح فابتليت بالمرض. فإنَّ أجرك ثابت بفضل الله. فإنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من العمل مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا أنت في صحتك كنت تصوم الاثنين والخميس فمرضت فلا تقدر على الصيام يكتب لك وأنت مريض كما لو كنت صائمًا لأنك كنت تصوم في صحتك كنت تفعل الطاعات، ولا تتأخر عن الجماعات وأنت في صحتك فإذا أقعدك المرض كتب لك الأجر كاملًا بفضل الله سبحانه وتعالى، اغتنم صحتك قبل سقمك قبل مرضك قبل ذهاب الصحة.
وقد يمرض الإنسان ثم تعود له صحته. لكن الحياة إذا ذهبت فإنَّها لا تعود فهناك أشياء مما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إذا ذهبت لا تعود وهناك أشياء ربما تعود. لكن الواقع يشهد بأن الذي يمرض ويتكرر مرضه يتساقط شيئًا فشيئًا إلا إذا سلمه الله. نسأل الله السلامة والعافية. وفراغك قبل شغلك اغتنم فراغك قبل شغلك نعمتان عظيمتان الصحة والفراغ قد يكون الإنسان صحيحًا قوي البدن معافى لكنه مشغول بأمور كثيرة.
لكن إذا منَّ الله عليك بالنعمتين فهاتان نعمتان جليلتان لا تقدران بشيء من متاع الدنيا وزخارفها الصحة والفراغ عندك الوقت عندك الوقت لتطيع الله عندك الوقت لتصلي عندك الوقت لتنام مبكرًا لتستيقظ مبكرًا لئلا تفوتك صلاة الفجر أو صلاة القيام عندك الوقت واسع سبحان ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وفراغك قبل شغلك لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس مغبون خاسر يخسرهما كثير من الناس الصحة والفراغ الصحة والفراغ قد يمن الله عليك بفراغ تذهب إلى حقلك إلى زرعك وتعود بفضل الله، وعندك وقت واسع تذهب إلى وظيفتك أو عملك والوقت أمامك واسع فأين أنت من طاعة الله عز وجل مر بعض العلماء على بعض الناس وهم جالسون في قهوة.
وهذا العالم جمال الدين القاسمي الشامي المعروف بالمنهج السديد رحمه الله تعالى فلما رأى الناس في تلك القهوة وهم مشتغلون بما هم مشتغلون به من اللهو واللعب إذا به يفكر مليًّا ويسكت. فقال له بعض أصحابه ما الذي جعلك تقف وتفكر قال أقول والله لو أنَّ الوقت يُشترى لاشتريت أوقاتهم بالمال كثير من الناس يضيع وقته ولا يعرف كيف يضيعه وهو إذا أضاع وقته فإنما يضيعه في سخط الله.
نسأل الله السلامة. فهل استثمرت وقتك؟ إنك حينما تقول سبحان الله وبحمده تغرس لك نخلة في الجنة فكم من نخلة ضاعت وكم من ثواب ضيعت وكم من خير فُرِّط. نسأل الله السلامة ونسأل الله أن يهدينا سواء السبيل. وقد قالوا: إن العمر سريع التقضي، أي: إن العمر ينقضي بسرعة، ولا يعود إذا ذهب لا يعود إليك.
فقال عليه الصلاة والسلام، وفراغك قبل شغلك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تشغل بالأولاد وبالإنفاق عليهم وبأرزاقهم وتريد أن تزوج فلانًا وفلانًا، وعندك مشكلات في أولادك، وفي أحفادك العمر أمامك اتق الله فيما أعطاك الله من الصحة، ومن الفراغ قال عليه الصلاة والسلام، وشبابك قبل هرمك شبابك اغتنم شبابك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تصير هرما أي: شيخًا كبيرًا طاعنا في السن لا تقدر على الحركة هنا وهناك هذا الشباب لعل الله جل وعلا أن يوفقك للطاعات اغتنم شبابك اغتنم شبابك قبل هرمك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تصير هرما لا تقدر على الحركة ماذا نرى من شبابنا التفريط في جنب الله ونرى من شبابنا البعد عن طاعة ﴿ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ الله عز وجل
والرسول عليه الصلاة والسلام، لما ذكر السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ» اللهم اجعل شبابنا كذلك ممن ينشأون في طاعة الله يعرفون المساجد يعرفون الأذان يستجيبون لطاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، ﴿وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» اغتنموا أوقاتكم وحياتكم وليغتنم الشباب شبابهم فإنَّه سيسأل عن شبابه فيما أفناه وعن جسمه فيما أبلاه سيقال له: ماذا صنعت في قوتك وماذا صنعت في فتوتك وماذا صنعت أو قدمت في شبابك سيسأل عن
ذلك يوم القيامة الموت يأتي لا يفرق بين كبير وصغير وبين شيخ وشاب وطفل وبين رجل وامرأة وأمير وحقير لا يفرق الموت بين ذلك لأنه مقدر قدره الله، ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ فكن مستعدًا لتلك اللحظة تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر كم من فتى يمسي ويصبح لاهيا. وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري وكم من عروس زينوها لزوجها.
وقد قبضت أرواحهم في ظلمة القبر أو ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. نسأل الله السلامة والعافية. لا يدري أحدنا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يقبر والله قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ﴾ الله الله في طاعته الله الله في تقواه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الشباب لا تضيعوا أعماركم في الشراب المحرم أو في الأكل المحرم أو في الصحبة المحرمة أو في النظرة المحرمة أو في الكلمة المحرمة أو في الحركة المحرمة اشغلوا أوقاتكم بطاعة الله بالصلاة بذكر الله بالاستغفار بالقرب من الله سبحانه وتعالى، أن الأمة الإسلامية بفضل من الله وإكرام قامت على سواعد أولئك الشباب الأبطال الذين عرفوا قدر الإسلام ومكانته يعرفون قدر الإسلام وعظمة الإسلام كانوا بررة بآبائهم، وقبل ذلك مطيعين لله ربهم مصدقين لنبيهم محمد عليه الصلاة والسلام، اغتنم شبابك قبل هرمك أنت الآن شاب أو لديك صحة أو لديك وقت أو لديك حياة فاتق الله فيها وأقبل على الله ربك وإنَّما مثل أحدنا في شغله بالدنيا وانصرافه عن الآخرة كمثل رجل كما يضرب بذلك المثل كمثل رجل كانت معه حقيبة فيها مجموعة من الأحجار فوقف عند البحر في ظلام الليل يلقي للبحر حجرًا وراء حجر أو يرمي في البحر حجرًا وراء حجر فرمى الحجر الأول فسمع صوت الماء فأعجبه صوت الماء فرمى الحجر الثاني ثم الحجر الثالث ثم الخامس «حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ».
بل طلع النهار فنظر في الحجر الأخير فإذا هو ليس بحجر وإنَّما هي جوهرة من الجواهر فعاتب نفسه. وقال ويحي بدلًا من أن أرمي الجواهر كان عليه أن أحفظها كنت أرمي في البحر الجواهر وأنا لا أدري ذلكم المثل هو مثل الإنسان الغافل عن طاعة الله جل وعلا فعمره هو تلك الجواهر يرميها في البحر حجرًا وراء حجر وجوهرة وراء جوهرة سنة وراء سنة وليلة وراء ليلة ويومًا وراء يوم حتى يأتيه الموت فحينئذ يدرك حينما يأتي النهار وتظهر الحقائق بعدما كان في الليل.
والمقصود بالليل هنا الغفلة فأفق ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفوت الأوان قال عليه الصلاة والسلام، وغناك قبل فقرك اغتنم غناك قبل فقرك أنت الآن معك مال أنفق ﴿مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ﴾ أعطاك لا تبخل ربما بعد ذلك ستمرض وتحتاج إلى المال. بل تحتاج إلى غيره، ولا تجد ما ينفقه ربما كبر أولاده واحتاج إلى الأموال فأنت الآن إذا كنت ذا مال فأنفق من مال الله عز وجل.
وقد ذكر الله المال فذكر أحدهم إذ يقول ﴿رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ فذكر الصدقة لأن للصدقة وزنها. ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام، أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر هذه أفضل الصدقة وأنت قوي تقول سأبني وسأعمر وسأفعل. ومع ذلك تنفق، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا.
وقد كان لفلان، فأنفق ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفوت الأوان اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم ارحم مَيِّتنا واغفر له يا ذا الجلال والإكرام واغفر لموتى المسلمين واجعل مثواهم الجنة يا ذا الجلال والإكرام اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام وسائر بلاد المسلمين. أصلح ولاة أمرنا وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
من سلسلة: خطب متنوعة شرح حديث شريف أو حديث قدسي (14 درسًا)