داء الأذى
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- تعريف داء الأذى وحرمة الإضرار بالمسلمين في لسان الشريعة
- تنزيه الله عن لحوق الأذى والنهي عن سب الدهر
- صبر الأنبياء والمرسلين على أذى أقوامهم واقتداء الدعاة بهم
- عظم حرمة المسلم والنهي عن إيذائه بتخطي الرقاب والجلوس
- فضل إماطة الأذى عن الطريق والنهي عن اتباع الصدقة
- حرمة الغدر بالمعاهدين ودعاء النبي لمن آذاه والحث على
التفريغ النصي الكامل للدرس
تعريف داء الأذى وحرمة الإضرار بالمسلمين في لسان الشريعة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾3. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا وعونه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء ونحن اليوم بإذن الله جل وعلا على موعد مع داء آخر من تلك الأدواء التي قد استشرت بين الناس.
نسأل الله السلامة والعافية. وهو داء مقارب ومقارن للداء الذي ذكرته في الخطبة الماضية فقد كانت عن داء المن واليوم. إن شاء الله حديثنا عن داء الأذى. وقد جمع الله عز وجل بين هذين الداءين محذرًا منهما. فقال ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّا وَلَآ أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾4 ليس الأذى في باب الإنفاق فحسب وإنَّما الأذى في كل الأبواب.
ومنها ما يكون في باب الإنفاق. نسأل الله جل وعلا أن يجنبنا الأدواء كلها الأذى يقال تأذى فلان بكذا أي: أصيب بالأذى أي: أصيب بالضرر فالمسلم إذا أوذي معناه: أنه قد أصيب بضرر إما في بدنه أو في ماله أو أصيب بما يقتنيه أصيب فيه سواء أكان ذلك في العاجل أي: في الدنيا أم كان في الآخرة فكل ذلك يدخل في الأذى ويقال بعير أذٍ ويقال ناقة أذية.
والمراد بها:. والمراد بالبعير الأذن هو الذي لا يقر في مكانه نتيجة الوجع الدائم كأنه خلق به يقال بعير أذٍ إذا بقي هذا البعير يتحرك هنا وهناك، ولا يثبت في مكان نتيجة الوجع المستمر، وكذلك المسلم إذا أوذي فإنَّه يتوجع ممن آذاه والإسلام دين عظيم يحفظ المسلمين وحقوقهم، فلا يسوغ لمسلم، أن يؤذي مسلمًا على الإطلاق.
بل إن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه قد قال «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، لا تجوز أذية المسلمين بقول، ولا فعل بغير حق كما نص على ذلك أهل العلم كابن رجب وغيره رحمهم الله تعالى واعلم أخي الكريم، أن هذا الأذى قد قال فيه بعض العلماء إنه أيسر الضرر فالضرر أقوى من الأذى فالأذى بداية الضرر.
تنزيه الله عن لحوق الأذى والنهي عن سب الدهر
ولذلك لما ذكر الله جل وعلا ابتلاء المسلمين وأنهم يتعرضون للأذى من الكافرين قال عز من قائل ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾5. أي: إذا أصابكم منهم ضرر فإنَّه أقل الضرر وأيسره ﴿فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾. ولذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال يقول ﷺ يقول الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر» «بيدي الأمر أقلب الليل والنهار»6 ابن آدم يؤذي ربه سبحانه وتعالى، حينما يسب الدهر فإذا سب العبد الدهر، أي: الزمان فإنَّه يسب لما صدر من أفعال فيه وفي الحقيقة. فإنَّ الدهر ليس الذي يخلق وإنَّما الذي يخلق ويقدر هو الله فمن سب الدهر فكأنَّما سب خالق الدهر وهو الله جل وعلا. ومع ذلك قال نبيكم محمد ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث الطويل يقول الله تعالى: «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ «إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» وجعلته بينكم محرماً»7.
«فلا تظالموا» إلى أن قال: «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» فلا تعارض بين الحديثين يؤذيني ابني آدم. وقال فلا. ولذلك قال عز من قائل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾8 فليؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سبحانه عز وجل الإيذاء أو الأذى لا يسوغ للمسلم، أن يؤذي أحدًا بلا مسوغ بلا حق والإيذاء ربما يكون من العباد لربهم كما تقدم بأن يؤذي العباد ربهم عز وجل فقد يؤذي العبد ربه حينما يزعم أن الدهر فعل وفعل يسبه فإنَّه يؤذي الله عز وجل.
وقد يكون الأذى للملائكة. فإنَّ النبي صلوات الله وتسليماته عليه قد قال في أكل الثوم والبصل «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مصلاي أو مسجدي. فإنَّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بن آدم» فالملائكة تتأذى كما يتأذى بنو آدم إذًا قد يؤذي بعض الناس ملائكة الرحمن بتلك الروائح الكريهة وما إلى ذلك.
صبر الأنبياء والمرسلين على أذى أقوامهم واقتداء الدعاة بهم
نسأل الله السلامة والعافية. ومن الإيذاء الذي يقدمه بعض الناس إيذاؤهم لرسل الله وأنبيّائه. فإنَّ عددًا من الخلق سلمنا الله وإياكم قد تعرضوا للأذى من الناس أحيانًا بالقتل أحيانًا بالسب برد الدعوة وما إلى ذلك مما يصنعونه. وقد قال رسل الله كما ذكر ربنا ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾9.
وقد قال نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، كما ذكر ربنا ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾10. وقال جل وعلا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾11. ﴿فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟﴾، وكان عند الله وجيها. وقال عز وجل ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾12. وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾13.
فمن الناس من يؤذي رسول الله محمدًا صلوات الله وتسليماته عليه وها هو صلوات ربي وتسليماته عليه يقسم ما جاء في حنين أو الغنائم التي منَّ الله عز وجل بها عليهم في حنين، فقال رجل: ما أريد بها وجه الله. فقال ابن مسعود رضي الله عنه والله لأخبرن بذلك رسول الله ﷺ فأتى ﷺ فأخبره فتغيَّر وجه النبي ﷺ
وقال، «ومَنْ يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟. ثم قال يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». وقد سمع النبي ﷺ من ورقة بن نوفل هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ حينما قال له هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك.
فقال ﷺ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي فأنبياء الله ورسله تعرضوا للأذى من الناس بل ومنهم من تعرض للضرر البالغ والقتل كما قال الله ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾14 لكن الله جل وعلا نصر دعوتهم وأقام لهم الحجة والمحجة فنصرهم الله وأيدهم وهذا فيه أنَّ: أتباع الرسل والأنبياء يؤذون أيضًا فإنَّ التابع يسير على منوال من اتبعه فمن كان على هدي النبي محمد ﷺ سائرًا على دربه فإنَّه يتعرض للأذى كذلك وجدير به أن يصبر كما صبر أنبياء الله ورسله لذلك قال عز من قائل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾15. وقد قال عليه الصلاة والسلام. «ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد. ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد».
عظم حرمة المسلم والنهي عن إيذائه بتخطي الرقاب والجلوس
ولقد مرَّ عليَّ ثلاثون ما بين يوم وليلة ما لي ولبلال طعام إلا شيء يواريه إبط بلال شيء يضعه بلال تحت إبط لمدة ثلاثين من يوم وليلة هكذا كان نبينا محمد صلوات الله وتسليماته عليه ولكن المؤمن عليه ﴿إِلَّا﴾ يؤذي المسلمين ﴿إِلَّا﴾ يؤذيهم بقوله وألا يؤذيهم بفعله. فإنَّ هذا ليس من شيم أهل الإيمان ﴿أَنَّمَا﴾ هو من شيم أهل الفسوق والعصيان لذلك قال عز من قائل ولتسمعن يا معشر المؤمنين ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا﴾.
أما من المؤمنين فكيف يسمع المسلم من أخيه أذى وهما أخوان يحبه. وعليه أن يحب قال ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». فالمسلم لا يؤذي المسلمين. بل إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، وجاء موقوفًا عن ابن عمر وموصولًا من عدة طرق يحسن بها الحديث أن ﷺ نظر مرة إلى الكعبة.
فقال: «ما أعظمك من بيت وإن المؤمن أعظم حرمة منك». إن الله حرَّم منك واحدة، حرَّم من الكعبة واحدة وحرم من المسلم ثلاثًا حرم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء فلا يحل دم مسلم، ولا يحل ماله، ولا يحل أن يظن به ظن السوء إلا بوجه من الوجوه الصحيحة التي بينها شرع الله عز وجل. وقد قال سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾16. المسجد فجعل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة.
فقال له النبي ﷺ: «اجلس فقد آذيت وآنيت». وهذا عند أبي داود وأحمد وأحمد عنده الزيادة وآنيت أي: تأخرت وأبطأت «اجلس فقد آذيت وآنيت» إنسان يريد أن يتقدم إلى الصفوف الأولى، لكنه سيتخطى رقاب الناس، لا تتخطى رقاب الناس، وهو يريد الصلاة، فكيف بمن يؤذي المسلمين في أمر لا يساوي أصلًا وقد قال ﷺ أيضًا «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ».
قالوا: يا رسول الله مجالسنا ما لنا منها بد ما لنا من بد نتحدث فيها نحتاج إلى الجلوس في الطرقات. فقال ﷺ إن أبيتم إلا الجلوس في الطرقات فأعطوا الطريق حقه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
فضل إماطة الأذى عن الطريق والنهي عن اتباع الصدقة
فقد ثبت عن النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم كما في صحيح الإمام مسلم أنه ﷺ قال: «مر رجل بغصن من شجرة على الطريق»17. فقال والله لأُنَحِّيَنَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة وجد غصنًا من شجرة فوق الطريق فرفعه ونحاه لئلا يتأذى به مسلم من المسلمين فأُدخل بسبب ذلك الجنة. فإنَّ ديننا دين عظيم يمنع المسلمين من أن يؤذوا أحدًا أو أن يقدموا لأحد شرًّا إن المؤمن كالنخلة النخلة معطاة تعطي الخير ولو ألقمت الحجر فلو ألقمها الإنسان حجرًا ألقمته تمرا بفضل الله سبحانه وتعالى، لا يؤذي المسلم أحدًا من المسلمين وكما قال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله، أعدد من هو أكبر منك أبا لك واعدد من هو أصغر منك ابنًا لك واعدد من هو في مثل سنك أخًا لك فهل ترى أن يؤذى واحد من هؤلاء
هل يؤذي أحدنا أبا وكما قال بعضهم لا يعدمن المسلمون منك ثلاثة لا تكن من هؤلاء الذين قد عَدِم المسلمون منهم هذه الأمور الثلاثة. «إن لم تنفع المسلم فلا تضره» إذا لم تنفع أخاك فلا أقل من أن لا تضره «وإن لم تمدحه فلا تذمه وإن لم تفرحه فلا تغمه» فلا تدخل غما على الناس، ولا تدخل حزنا عليهم، ولا تذمه وإنَّما اتق الله في عباد الله جل وعلا واسمع ما قال النبي ﷺ: «من عادى لي ولياً».
الذي يعادي المؤمنين يعادي أولياء الله الصالحين فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ» «وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» «وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا» «وَرِجْلَهُ الَّتِى يَمْشِى بِهَا» «وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلم الكريم عود نفسك على الخير لا تؤذي أحدًا من المسلمين فقيرًا كان أو غنيًّا كبيرًا كان أو صغيرًا رجلًا كان أو امرأة.
فإنَّ الله عز وجل في باب الإنفاق قال ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾18. الرجل الذي لا يجد ما ينفقه فيقول: للفقير أسأل الله أن يرزقك أو أسأل الله أن يمن علي لأعطيك فسمع من المسكين كلمة شديدة كأن قال له المسكين ما معك أنت بخيل أنت كذا فالله يقول قول معروف ومغفرة اغفروا للمساكين وإن قالوا فيكم قولًا مشينًا. فإنَّ هذا أفضل من أن تتصدق بصدقة ثم تتبع الصدقة بالأذى بأن تقول قد أعطيتك.
وقد أعطيتك وأنت وأنت وأنا وأنا، وكذلك قول معروف ومغفرة قال بعضهم أي: ستر تستر به المسكين لا تقول أتاني فلان وأتاني فلان وهو محتاج وإنَّما أستر على الناس فمن ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة. إن إسلامنا دين عظيم لا نؤذي المسلمين. بل ولا نؤذي المعاهدين، ولا نؤذي الذميين، ولا نؤذي المستأمنين.
حرمة الغدر بالمعاهدين ودعاء النبي لمن آذاه والحث على
فإنَّ النبي ﷺ قال: «من أمَّن رجلًا على دمه فقتله». فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا. وقال ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ». هذا ديننا فالحمد لله عز وجل على هذا الدين فعود نفسك على الخير أخي الكريم لا تؤذي أحدًا وإن دار في خلدك الإيذاء فتراجع وتب إلى الله نبينا محمد ﷺ يقول ﷺ كما في مسلم وأصله عند البخاري «اللهم إني اتخذت عندك عهداً».
فلن تخلفنيه «اللهم أي مؤمن من المؤمنين آذيته» الرسول الذي يقول أي: مؤمن آذيته «سببته أو لعنته فاجعل ذلك صلاة وقربة وزكاة له تقربه منك يوم القيامة» نبينا محمد ﷺ يدعو لشخص لو أنَّه آذى وهل الرسول آذى أحدًا إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ لا تؤذي المسلمين وإذا علمت أنك آذيت مسلمًا فارجع عن ذلك واطلب منه العفو والسماح نريد أن نعيش أمة واحدة على قلب واحد نتناصح ونتغافر كان بعضهم يذهب إلى الآخر فيقول له جئتك لنتعاتب قال لا.
بل جئتني لنتغافر لنتصافح لتكن بيننا الرحمة وليكن بيننا المودة لينصح بعضنا بعضا، ولا يؤذي مسلم مسلمًا وزكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك مُوجِباتِ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والسلامةَ من كل إثمٍ، والغنيمةَ من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا في أمنٍ وأمانٍ وسِلْمٍ وسلامٍ وسائر بلاد المسلمين اللهم أصلح ولاة أمر المسلمين وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — الأحزاب: 71 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّا وَلَآ أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 262 ↩
- آية: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى ۖ وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 111 ↩
- حديث: «بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» — نسبة الشيخ: الشيخان ↩
- حديث: «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً» — الذكر في الدرس: أبو ذر الغفاري. نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 177 ↩
- آية: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: إِبۡرَاهِيمَ 12 ↩
- آية: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ — الذكر في الدرس: موسى عليه الصلاة والسلام. كما ورد في الدرس: الصف 5 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ ۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 69 ↩
- آية: ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 61 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 57 ↩
- آية: ﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ — آل عمران: 21 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 54 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 12 ↩
- حديث: «مر رجل بغصن من شجرة على الطريق» — نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
- آية: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 263 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- تعليق: وقد سمع النبي ﷺ عن ورقة ابن نوفل هذا من قبله حينما قال له هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيا إذ يدركك أو يخرجك قومك. — مرجع: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ليتني فيها جذعًا ليتني أكون حيا إذ يدركك أو يخرجك قومك». الذكر في الدرس: ورقة ابن نوفل.
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: بيدي الأمر أقلب الليل والنهار
- شرح حديث: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته…
- شرح حديث: مر رجل بغصن من شجرة على الطريق
- تفسير سورة آل عمران
- تفسير سورة ابراهيم
- تفسير سورة الأحزاب