داء الأمن من مكر الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
داء ضعف الخوف من الله والجرأة على المعصية
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله تبارك وتعالى وعونه ومدده بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء ونحن اليوم بإذن الله جل وعلا وإن شاء الله على موعد مع داء خطير. نسأل الله السلامة منه ومن عموم الأدواء وهو داء ضعف وازع الخوف من الله جل وعلا في القلوب نعم كثير من الناس ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ خوفهم من الله وازدادت جرأتهم على ﴿ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ الله سبحانه وتعالى، وإن الخوف من الله سبحانه وتعالى، سوط يسوق الله به عباده ليمتثلوا أمره ويجتنبوا نهيه لذلك أمر الله عز وجل عباده، أن يخافوه لأنَّ العباد إذا خافوا من ربهم سبحانه امتثلوا أمره واجتنبوا نهيه أطاعوه وخافوا من عقابه سبحانه عز وجل قال الله عز وجل ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾2.
إن كنتم مؤمنين فالمؤمن يخاف من الله سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾3. وإياي فارهبون خافوا من الله سبحانه وتعالى. وقال: ﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ ۚ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾. وقال ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾4. عباد الله. إنَّ العبد الذي يريد أن يعبد الله جل وعلا على بصيرة وأن يعبده حقًا حري به أن يجمع بين الرجاء والخوف أن يجمع بين الطمع وبين الرهبة بين الرغبة والرهبة يطلب ما عند الله ويخاف مما عند الله سبحانه وتعالى، يرجو رحمة الله، ويخاف عذاب الله قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ المؤمن يجمع في عبادته بين الطلب وبين الخوف بين الرغبة والرهبة لذلك يستعيذ بالله من ناره ويسأل الله جل وعلا جنته وهو مع ذلك محب لربه سبحانه وتعالى.
وهذا نتعرف عليه من صدر سورة الفاتحة حينما يتلو العبد قول الله الحمد لله رب العالمين فالله ربنا المنعم علينا الجواد الكريم ذو الفضل والمن والإحسان فيحب العبد ربه فإذا قرأ الرحمن الرحيم رجا رحمة الله، سبحانه فإذا قرأ مالك يوم الدين خاف من عذاب الله جل وعلا وبعد، واليوم أحدثكم يا أيها الإخوة الكرام عن الشق الأول وهو الخوف من الله ثم بعد ذلك يكون الحديث إن شاء الله عن الرجاء فيما عند الله.
تحذير الله عباده من البطش
نسأل الله رحمته عباد الله. إن كثيرًا من الجرأة التي تظهر لدى كثيرين فتراهم ينتهكون المحرمات ويرتكبون السيئات مرجع ذلك إلى عدم الخوف من الله أو ضعف الخوف من الله وأن الله مُطَّلِعٌ عليه لا تخفى عليه خافية، وأن الله محاسبه. فإنَّ العبد ينزجر، ولا يتجرأ على ارتكاب ما حرم الله سبحانه وتعالى، قال الله: ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلْهُدَىٰٓ﴾، ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ مطلع عليه محاسبه لذلك أوجب الله عز وجل علينا الخوف منه
والخوف من عقابه قال الله عز وجل محذرًا عباده من نفسه قال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾5 أكبر من يحذرنا من الله هو الله يحذرنا من بطشه فالله رحمته واسعة وعقابه شديد أليم يقول ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾6 وقد كان ﷺ يتأول ذلك فكان في سجوده وفي آخر وتره يدعو ربه قائلًا «﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك».
وأعوذ بك منك «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» أنت كما أثنيت على نفسك ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بك منك تستعيذ بالله منه نعم لأنَّ الله جل وعلا رحيم وهو كذلك الشديد العقاب ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾7. حذف العبارة المكررة بعد تمام الآية. وقال ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾8. ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾9 فعذاب الله عذاب أليم. وقال سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾10. حذف العبارة المكررة بعد تمام الآية الخوف من الله لا تتجرأ على معصية الله نحن يا عباد الله لسنا معصومين، الواحد فينا يا أيها الإخوة يرتكب معاصي ويقع في زلات.
لكن العبد التقي سرعان ما يرجع إلى ربه ويرعوي عن غيه فيتوب إلى الله والله يفتح له باب التوبة فهو الرحيم سبحانه جل وعلا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾11. ﴿تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ لا تتجرأ على معصية الله وإن ارتكبت معصية فلا تستخف بالمعصية.
التحذير من الاستدراج بالنعم ووجل الصالحين من النفاق
انظر إلى عظمة من عصيت وهو الرب العظيم ملك الملوك جل وعلا فخف من الله وإذا خفت من الله جل وعلا فالله يعطيك من فضله، ومن ثوابه العطاء الكثير والفضل العميم. نسأل الله أن يرزقنا بغير حساب عباد الله نخاف من الله نخاف فلا نأمن مكر الله ما يدريك لا تظن أخي الكريم، أن النعم التي تتتابع عليك إذا كنت مقيمًا على معصية الله أنها خير لك لا إن الله عز وجل يعطي لمن يحب ولمن لا يحب إذا كان العبد مقيمًا على المعصية والله يغدق عليه ويعطيه فليس هذا دليل حب من الله للعبد ﴿أَنَّمَا﴾ هو استدراج لهذا العبد إذا لم يتب إلى الله فالله يأخذه.
«إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ» كما قال النبي ﷺ عليه وآله وسلم فإذا رأيت ربك يعطيك من نعمة فاشكر نعمة الله عليك، ومن شكر نعمة الله جل وعلا لزوم طاعته وترك معصيته وأن ترضي ربك عز وجل فقل: يا رب ارضَ عني وانظر ما الذي يرضي الله فافعله، وما الذي يسخط الله جل وعلا فاجتنبه بذا تكون شاكرًا لله سبحانه والله قال لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم.
إن عذابي لشديد خف من الله فلا تأمن مكر الله قال الله عز وجل ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾12. الخاسرون لا ﴿يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ﴾ ٱلْخَٰسِرُونَ يخاف دومًا لذلك يتقرب إلى الله بالطاعات وهو خائف وجل قال ابن أبي مليكة رحمه الله، أدركت ثلاثين من أصحاب ﷺ كلهم يخاف على نفسه النفاق13 يقول ابن أبي مليك أدركت ثلاثين من أصحاب ﷺ كلهم يخاف على نفسه النفاق نعم يخاف على نفسه النفاق هكذا المؤمن المؤمن دائمًا مشفق على نفسه وجل خائف من عذاب الله قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾14.
﴿أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ قالت عائشة رضي الله عنها كما عند الترمذي وغيره يا رسول الله، أهذا الرجل يزني ويسرق ويشرب15 الخمر وهو يخاف؟ قال: «لا يا عائشة، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألَّا يُقبل منه» لذلك نحن عقب صلواتنا وعقب طاعتنا نستغفر الله فما أن ينصرف أحدنا من صلاته إلا ويقول بعد السلام أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله لأنَّ العبد مهما بلغ عمله فهو لا يخلو من قصور وتقصير وتفريط في جنب الله جل وعلا فهو خائف من الوقوف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وخائف من أن لا يقبل عمله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾، ولا يخفى عليكم ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وإن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة «فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ» «فيعمل بعمل أهل النار» فيدخلها.
وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ». الخوف من الخذلان الخوف من عدم القبول الخوف من عدم الثبات الخوف من أن لا نكون ممن رضي الله عز وجل عنهم هكذا المؤمن يخاف من ذلك كله. ثم إنَّ العبد يتذكر الآخرة فيخاف منها قال الله: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ16 يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾17.
﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾18. وقال الله: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾. وقال الله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾19. وقال الله ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ نعم نخاف من أحوال يوم القيامة مَن سيظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
أهوال يوم القيامة من دنو الشمس وزمام جهنم وعرصة
وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم وغيره من حديث المقداد رضي الله عنه أنه ﷺ قال «تدنو الشمس يوم القيامة من الخلائق حتى تكون منهم» على مقدار ميل قال سليم بن عامر: لا أدري ما الميل، أهو المسافة التي يقطعها الإنسان أم هذا الذي تضعه المرأة في المكحلة أو في مكحلتها.
ثم قال ﷺ: «فيكون العرق منهم على قدر أعمالهم» فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه ومنهم من يبلغ العرق إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا قال: ثم وضع النبي ﷺ يده عند فيه، يلجمه العرق حتى يبلغ فاه، وقال ﷺ «فيما ثبت عنه أن هذا العرق يجري ويسير في الأرض حتى يبلغ». سبعين ذراعًا، يتذكر المسلم هذه المواقف، ويتذكر هول يوم القيامة، فيخاف من هذا اليوم المهيب، ولم لا وقد قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾. ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾ يتذكر العبد قول ﷺ كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها «إنكم تُحشرون يوم القيامة حفاةً عراةً غُرْلًا»20 أي: غير مختونين قالوا: يا رسول الله الرجال والنساء «يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ» قال النبي ﷺ الأمر أشدّ من أن يهمهم ذلك، كل مشتغل بنفسه، قال الله: ﴿وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، فلا تتجرأ على معصية الله أما تخاف من ربك مالك الملك ذي العزة والجبروت وذي الملك والملكوت مالك كل شيء والقادر على كل شيء لو شاء أن يهلك لأهلك ولو شاء أن ينجي لأنجى فهو الله القادر على كل شيء فخف منه وخف من عذابه خف من أهوال يوم القيامة أتأمَّل؟ تخاف من نار جهنم. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يخاف منها وممن ينجو منها ممن ينجو من نار جهنم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام «ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم».
«ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم». قالوا: يا رسول الله. إن كانت لكافية، من يقدر على نار الدنيا فضلًا عن نار الآخرة؟. إن كانت لكافية قال: «لكنها فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا». وقال ﷺ كما في مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه «يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام»21. مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ونبينا ﷺ قد أخبرنا أيضًا كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن ﷺ سمع وجبة أي: سمع شيئًا قد سقط اهتز له وظهر له صوت.
فقال النبي «صلى الله عليه وسلم» أتدرون ما هذا قال الله ورسوله أعلم قال هذا حجر رمي به في نار جهنم منذ سبعين خريفًا فهو يهوي الآن حتى انتهى إلى قعرها22 أو كما قال عليه الصلاة والسلام، نخاف من القيام بين يديه قال الله: ﴿فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾. ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال بعض العلماء: فلمن خاف مقام ربه أربع جنان.
نسأل الله من فضله وكرمه قال ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه». ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمنه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه عن الشمال فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه «فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أثر الخوف من الله في صيانة الدماء واجتناب المحارم
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، ما أحوجنا إلى الخوف من الله. إن الخوف من الله سبحانه يحمل العبد على لزوم طاعته، وعلى اجتناب معصيته فلا يظلم الناس، ولا يعتدي على الناس لا يأكل أموال الناس بالباطل لا يسرقهم لأنَّه يعلم أنَّ الله يراه لذلك ذكَّر الولد الصالح من ابني آدم أخاه بهذا الخوف من الله سبحانه وتعالى، لعله يتذكر ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ الذي يمنعني من أن أظلمك الذي يمنعني من أن أقتلك الذي يمنعني من أن أسفك دمك أنني أخاف من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.
فهذا الذي يتجرأ على محارم الله ويقتل النفوس بغير الحق. ولذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام، لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. وقال فيه: «ولا يقتل وهو مؤمن». أي: حين يقتل أي: وازع الإيمان في قلبه قد ضعف وإن لم يخرج بذلك عن ملة الإسلام يا أيها الإخوة الكرام الخوف الخوف من الله سبحانه وتعالى، خف الخالق مالك الملك سبحانه وتعالى، حتى إن عثمان بن مظعون رضي الله عنه طلب من النبي ﷺ أن يأذن له في التبتل أي: للانقطاع والتفرغ للعبادة وترك الزواج.
وقال: «ولو أذن لنا لاختصينا». انظر إلى هذا الرجل وإلى عبادته لمات وغسل وكفن تقول أم العلاء الأنصارية رضي الله عنها يرحمك الله يا أبا السائب، شهادتي عليك أن الله أكرمك شهادتي عليك، أن الله أكرمك رجل معروف بالفضل والصلاة. فقال لها ﷺ: «وما يدريك أن الله أكرمه؟» وما يدريك «لا أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي»، كذا يقول وهو رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهل يأمن غيره على نفسه من بطش الله، ومن سخط الله، ومن عقاب الله عباد الله علينا أن نتقي الله وأن نخاف من بطشه لعل الطاعة التي تقوم بها تكون سبب دخولك الجنة ولعل المعصية التي ترتكبها تكون سبب دخولك النار.
عبرة الهرة وسقيا الكلب وخاتمة الخطبة بالدعاء
فإنَّ امرأة عُذِّبت في هرة كما لا يخفى عليكم وغُفر لرجل في كلب سقاه. نسأل الله جل وعلا أن يرحمنا برحمته الواسعة اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 175 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 51 ↩
- آية: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْـَٔايَـٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 59 ↩
- آية: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 30 ↩
- آية: ﴿ويحذركم الله نفسه.﴾ — آل عمران: 30 ↩
- آية: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِى ٱلطَّوْلِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 3 ↩
- آية: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 49 ↩
- آية: ﴿وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 50 ↩
- آية: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 102 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 201 ↩
- آية: ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 99 ↩
- أثر: أدركت ثلاثين من أصحاب ﷺ كلهم يخاف على نفسه النفاق — الذكر في الدرس: ابن أبي مليكة ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 60 ↩
- حديث: «يا رسول الله أهذا الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر فهو يخاف قال لا يا عائشة هذا الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه» — الذكر في الدرس: عائشة. نسبة الشيخ: الترمذي وغيره ↩
- آية: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ — هود: 104-105 ↩
- آية: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 106 ↩
- آية: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 103 ↩
- آية: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 51 ↩
- حديث: «إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا» — الذكر في الدرس: النبي ﷺ. نسبة الشيخ: الصحيحين ↩
- حديث: «يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام» — الذكر في الدرس: ابن مسعود. نسبة الشيخ: مسلم ↩
- حديث: «هذا حجر رمي به في نار جهنم منذ سبعين خريفا فهو يهوي الآن حتى انتهى إلى قعرها» — الذكر في الدرس: أبي هريرة. نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
- شرح حديث: يا رسول الله أهذا الرجل يزني ويسرق…
- شرح حديث: إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا
- شرح حديث: يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف…
- شرح حديث: هذا حجر رمي به في نار جهنم منذ سبعين…
- تفسير سورة آل عمران
- تفسير سورة الأعراف