مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

يقلب الله الليل والنهار

خطب · الدرس 306 من 342 · 22 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الاستفتاح بآية النور ودعوة القرآن إلى التفكر في تقليب الليل والنهار
  2. آيات تعاقب الليل والنهار وبكاء النبي ﷺ عند خواتيم آل عمران
  3. تفسير «خلفة» في الاستدراك وقضاء الأوراد الفائتة بين الفجر والظهر
  4. حساب الأيام في سورة الإسراء وقصر عمر الدنيا في ميزان القيامة
  5. توقيت العبادات بالليل والنهار لدوام الاتصال بالرب وبشارة المشائين بالظلم
  6. انقضاء الأنفاس مع تعاقب الجديدين وسؤال العبد عن عمره وشبابه
التفريغ النصي الكامل للدرس

الاستفتاح بآية النور ودعوة القرآن إلى التفكر في تقليب الليل والنهار

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ نقف وقفات يسيرة مع هذه الآية الجليلة ونظائرها في كتابه سبحانه وبحمده ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ إن رب العزة سبحانه وبحمده يدعونا دومًا ﴿فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ﴾ الاعتبار والتذكر والتدبر والتفكر والتعقل والتأمل فالقرآن الكريم كتاب هداية وكتاب إرشاد يدعونا إلى ما فيه صلاحنا في أمر ديننا، في دنيانا وآخرتنا.

آيات تعاقب الليل والنهار وبكاء النبي ﷺ عند خواتيم آل عمران

ومن ذلك ما يذكر الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾ أي: يعاقب بينهما طولًا وقصرًا ومجيئًا وذهابًا فيجيء الليل ويذهب النهار، ويجيء النهار ويذهب الليل يطولها هذا ويقصر هذا ﴿يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ كم في الليل من آية، وكم في النهار من آية، وكم في الشمس من آية، وكم في القمر من آية لكن ﴿كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ﴾ آيات الله معرضون ونسأل الله، أن يجعلنا من يعتبرون ويبتعدون ويؤمنون ويعملون.

وقد قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾5 (آل عمران: 190). ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ قرأ ﷺ هذه الآيات أو هذه الآية: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾، ثم بكى بكاءً كثيرًا وشديدًا ﷺ حتى.

بلَّ لحيته وحِجره والحصيرة صلوات الله وتسليماته عليه. وقال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» يقلب الله الليل والنهار يأتي الليل فحينئذ يسكن الناس ويأتي الظلام ويظهر القمر، وفي هذه آيات كثيرة لمن كان معتبرًا ومتعظًا ويأتي النهار وتظهر الشمس ويأتي الضوابط ويتحرك الناس للمعاش ﴿وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشًا﴾.

وقال الله عز وجل ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (القصص: 71) ﴿مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَآءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (القصص: 72) أي: دائمًا إلى يوم القيامة ﴿مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وقال سبحانه ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: 62) جعل الليل والنهار خِلْفةً، أي: يخلف أحدهما الآخر يتعاقبان يجيء هذا ويذهب هذا.

تفسير «خلفة» في الاستدراك وقضاء الأوراد الفائتة بين الفجر والظهر

وهذا في معنى قوله: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، وفي معنى: قوله ﴿يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ﴾ (الزمر: 5) ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّـٰرُ﴾ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، يتعاقبان يقبل هذا ويدبر هذا يجيء هذا. وقال بعضهم: معنى خِلْفة، أي: مختلفين فصفة الليل تختلف عن صفة النهار جعل الله القمر آية الليل وجعل الله الشمس آية للنهار لذا إذا ذكر الله الشمس والقمر ذكر الليل والنهار وكذا العكس في كثير من الآيات القرآنية ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء: 33).

وقال: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجًا﴾، أي: شمسًا، ﴿وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ كل شيء قدير فالله عز وجل بقدرته يجعل هذا الفضاء مظلمًا أو يجعله مضيئا وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ جعل الله الليل والنهار هكذا ليستدرك الإنسان ما فاته فمن الناس من يكون في النهار في معاشه.

وهذا صنيع الأكثر فيأتيه الليل ليستريح فيه وليقبل على الله عز وجل إن شاء، ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ من أراد أن يتذكر فلينظر إلى تلك الآيات وإلى تعاقبهما وهما يُذعنان لله، وهما مطيعان لله ﴿لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ففي وقت طلوعها تطلع، وفي وقت غروبها تغرب ﴿كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لمن أراد أن يتذكر أو أنه مظلمًا كيف سيسير الناس ويقضون حوائجهم في الظلام الدامس الدائم.

لكن الله يسَّر وسهَّل وأعان وكم في الخفاء من خيرات كم في الصدقات في الخفاء من خيرات وكم في أعمال البر في الخفاء من خيرات فجعل الله عز وجل الليل ليكون أيضًا طريقًا للتقرب إلى الله سبحانه ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ والقراءة الأخرى لمن ده، أن يذكره أو أراد شكورا من أراد أن يذكر الله في الليل فله نصيب، ومن أراد أن يذكر الله في النهار فله نصيب فهناك أذكار للصباح، وأذكار للمساء، وأذكار قبل النوم، وأذكار عند النوم وهكذا فنعم الله عز وجل علينا كثيرًا.

بل إن الرسول الأكرم صلوات ربي وتسليماته عليه علَّمنا كما في مسلم وغيره من حديث عمر رضي الله عنه قال ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ» ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ يستدرك الإنسان ما فات ويعلم أن عمرون. ولذلك أقسم الله بالزمان وأقسم الله ببعض الزمان فأقسم الله بالعصر فقال ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ وأقسم بالفجر فقال: ﴿وَٱلْفَجْرِ﴾ وأقسم الله عز وجل بالضحى فقال: ﴿وَٱلضُّحَىٰ﴾ إلى غير ذلك من أقسام كثيرة في القرآن الكريم كل ذلك لأن الزمن فيه آيات ودلائل على عظيم قدرة الله، وعلى بديع صنعه، وفيها كذلك عبرة للمعتبرين وأنهم ستنقضي حياتهم.

حساب الأيام في سورة الإسراء وقصر عمر الدنيا في ميزان القيامة

كما أن الليل ينقضي ليأتي النهار، فكذلك تنسحب الأيام والأعمار وتطول الأعمار ويقف الجميع بين يدي العزيز الغفار سبحانه جل وعلا يقلب الله الليل والنهار قال الله ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (الإسراء: 12) ﴿لِّتَبْتَغُوا۟ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ فَصَّلْنَـٰهُ تَفْصِيلًا﴾.

ثم قال: ﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ﴾ عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا﴾ ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فالليل وقت لتعمُره بطاعة الله حتى النوم بأنك، وأنك تريد صلاة الفجر وما تيسر من قيام الليل فتحسب نوماتك كما لو كنت في قيام وما ذلك إلا ل أصلًا حك لنيتك. نسأل الله أن يصلح نيتنا ويأتي النهار وتنوي بذلك العمل والكسب الحلال والسعي الحثيث من أجل كسب رزق طيب تأكل منه وتُطعم عيالك ومن ألزمك الله به وتنفق منه.

فهذا خير كثير تثاب عليه من الرب الكبير سبحانه جل وعلا يقلب الله الليل والنهار، الوقت وما أدراك ما الوقت، العمر وما أدراك ما العمر رآك ﴿تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا۟ يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ هكذا يوم القيامة تظهر الحقائق فيرون أن مكثهم في الدنيا ليس إلا ساعات وأيام قليلة وما ذلك إلا لأنَّ الجنة وقتها دائم، ولأن النار وقت، وهناك من يخلد في النار وهم الكافرون وهناك من يدخل النار ثم بعد ذلك تتداركه رحمة الله.

جعلنا الله من أهل الجنة بمنِّه وكرمه أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

توقيت العبادات بالليل والنهار لدوام الاتصال بالرب وبشارة المشائين بالظلم

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، في الشمس والقمر والليل والنهار آيات للمعتبرين، فلنعتبر، ولنكن ممن قال الله فيهم ﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ فيا من كان الوقت أمامه متاحًا في النهار، أقبل على الله في النهار ويا من كان وقته متاحًا في الليل، أقبل على الله في ليلك هذا فيما كان أكثر وأفضل وأكمل وأرحب وقتًا إلا.

فإنَّ الله عز وجل جعل الليل والنهار وقتين لطاعته ونهانا عن معصيته في كل وقت وفي كل آن ﴿إِلَّا﴾ ترون أن الله لما أوجب الصلاة لم يوجب علينا الصلوات الخمس فحسب؟ وإنما أوجبها في وقت محدد له بداية وله نهاية لن اعلم أن الوقت محدود وأن الوقت المراد ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾، ولما أوجب الله زكاة الزروع قال: ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾ واتوا حقه يوم حصاده، ولما أوجب الله الصيام حدد شهرًا.

فقال ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ6 وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185) وأوجب الله الحج. فقال: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ (البقرة: 197) هذا كله يدلك على أن الوقت ينبغي أن يُعمر بطاعة الله وأن يستثمره الإنسان فيما يرضي الله، أن يصلي لله مائة ركعة مثلًا في الساعة من الليل شهادة بمراد ﴿أَنَّمَا﴾ الصبح له وقته، ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ كذلك، والمغرب كذلك، والعشاء كذلك لِمَ؟ ليدوم تعلق العبد بالرب في الليل والنهار ليدوم تعلقك بربك في نهارك وفي معاشك وأنت تعمل وأنت تجتهد تترك برهةً أو لحظات أو شيئًا من وقتك لتقول: يا ربي، ها أنا أجيب دعاءك وألبِّي طلبك وأصلي لك وأنت الغني عني العالمين فتتقرب إلى الله في نهارك وتتقرب إلى الله في ليلك تترك هذا الفراش وهذا السرير الذي تنام عليه في دفء وفيها نائم ثم تترك هذا كله ولو كان الماء باردًا لتخرج في الظلمات «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لتصلي لله صلاة الفجر أن العبد عليه أن يعلم أن الليل والنهار آيتان من آيات الله يُكوِّر الله الليل على النهار، لِمَ؟ لنعتبر لربنا يا رب، الليل ليلك والنهار نهارك ونحن مِلْكك تتصرف فينا كيف شئت ونحن نقول لك سمعنا وأطعنا دَعْ عَنْكَ مَا قَدْ فَاتَ فِي زَمَنِ الصِّبَا ... وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَابْكِهَا يَا مُذْنِبُ لم ينسها الملكان حين نسيتها.

بل أثبتاه وأنت لاهٍ تلعب والروح فيك وديعة أودعتها، ستردها بالرغم منك وتُسلب وَغُرُورُ دُنْيَاكَ الَّتِي تَسْعَى لَهَا ... دَارٌ حَقِيقَتُهَا مَتَاعٌ يَذْهَبُ والليل فاعلم والنهار كلاهما، أنفاسنا فيهما تُعدُّ وتُحسب.

انقضاء الأنفاس مع تعاقب الجديدين وسؤال العبد عن عمره وشبابه

ولذلك قال الرسول الأكرم ﷺ «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ال صحة ». وقال: «لا تزول قدما عبد حتى يُسأل» ومما يسأل عنه الإنسان عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ هل تأمن على نفسك إذا كنت في نهار أن يجيء ليل؟ أو إذا كنت في ليل أن يجيء نهار؟ فأقبل على ربك وتب إليه، ولا تبارزه بمعصيته اللهم آتِ نفوسنا تقواها اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم اغفر ﴿لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 190 ↩
  6. آية: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصم﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿قل ارايتم، أن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 72

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة