يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- جلال حديث أبي ذر القدسي ومكانته عند أهل الشام وجثو الخولاني إجلالاً له
- الفقرة الأولى: تنزيه الله عن الظلم وحرمة التظالم بين الخلق وشؤم عواقبه
- الفقرات 2-4: افتقار الخلق في الهداية والطعام والكساء إلى فضل الله مع بذل الأسباب
- الفقرة 5: سعة مغفرة الله لخطايا الليل والنهار وباب التوبة المفتوح
- الفقرات 6-8: كمال غنى الله المطلق وعجز الخلائق عن نفعه أو ضره
- الفقرات 9-10: سعة خزائن الله التي لا تغيض وإحصاء الأعمال في الميزان
التفريغ النصي الكامل للدرس
جلال حديث أبي ذر القدسي ومكانته عند أهل الشام وجثو الخولاني إجلالاً له
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج مسلم في صحيحه بسنده إلى أبي ذر رضي الله عنه قال النبي ﷺ فيما روى عن الله - تبارك وتعالى «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ «إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم» «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم» «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» «يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على افجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ.»
يا أيها الإخوة الكرام، هذا حديث قدسي إلهي شريف جليل، ما أحوجنا إلى تدبره وما أحوجنا إلى تعلُّمه ومدارسته. وقد ذكروا أن الإمام أحمد رحمه الله، كان يقول عن هذا الحديث أنه أشرف حديث لأهل الشام وجاء في آخر الرواية التي أخرجها مسلم واستمعتم إليها قال سعيد وهو أحد رواة الحديث وهو سعيد بن عبد العزيز قال وكان أبو إدريس الخولاني وهو الراوي «عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ» رضي الله عنه قال وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه تعظيمًا وإجلالًا إجلالًا لمعاني هذا الحديث الشريف.
الفقرة الأولى: تنزيه الله عن الظلم وحرمة التظالم بين الخلق وشؤم عواقبه
يا أيها الإخوة الكرام، يقول الله سبحانه في هذا الحديث القدسي يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا تجدون، يا أيها الإخوة الكرام أن هذا الحديث الجليل قد قُسِّم إلى عشر فِقَر أو فقرات كل فقرة أو فقرة وكلاهما صحيح كل فقرة منها ابتدأها الله بقوله يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ فما أعظمه وما أجله وما أكرمه وما أرحمه يقول يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ أضاف إليه فاللهم لك الحمد يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾، وفي كثير من المواضع القرآنية التي جاء فيها هذا التعبير يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ خص بها عباد المؤمنين إلا في مواضع يسيرة بيد أن المراد بقوله يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ في الحديث القدسي على ما يظهر جميع العباد بما يشمل المؤمن والكافر والبار والفاجر ولذا قال إنكم تخطئون بالليل والنهار فعم.
وقال كلكم ضال إلا من هديته فعم. وقال، «وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ». وقال لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم إذًا الخطاب في هذا الحديث للجميع يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إذًا عرفت أنك عبد لله فاعلم مع من تتعامل أنك تتعامل مع الله أنه الله العظيم الكريم سبحانه وتعالى، يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا أني حرمت الظلم الأصل أن التحريم بمعنى المنع ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾5 (القصص: 12) أي: منعناه من ذلك وهنا قد يقول قائل مَنْ الذي يمنع الله، أن الله قال حرمت الظلم على نفسي هو الذي حرم الظلم على نفسه لم يحرمه عليه أحد وانك لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد مثل هذا التعبير فيما تقرأ حرم الله على نفسه كذا أن هذا يدل على أن الظلم من أبشع ما يكون فلذا صرح الله بأنه حرمه على نفسه فالله جل وعلا وهو المتصف بنعوت الجلال وصفات الكمال يحرم على نفسه الظلم.
ثم قال وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا كأنه يقول جعلته محرَّمًا علي وهو المتصف بنعوت الجلال فكيف بكم وأنتم العباد الناقصون؟ كيف بكم وأنتم المقهورون المأمورون؟ ثم إن كثيرًا من الأئمة قالوا أن الظلم في أصل معناه: يراد به النقص كما في قوله، ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًٔا﴾6 (الكهف: 33)، يعني:، ولم تنقص والله متصف بالكمال فلا يتصور منه نقص.
فقالوا لا يتصور أصلًا من الله، أن يظلم لأنَّ الظلم الظلم نقص والله متصف بالكمال ثم إن الظلم تجاوز الحد، ومَنْ الذي يضع الحد لله حتى إذا تجاوزه يقال: إنه ظالم وهو الذي يضع الحدود ويشرع الأمور ويقدر المقادير ثم أن الظلم، أن تضع الشيء في غير موضعه أو أن تتعدى على ملك غيرك والله بيده ملك كل شيء، فكيف يظلم؟ سبحانه وتعالى، قالوا لا يتصور في حقه لذلك فسره بعضهم بقوله تقدس وتعالى عن الظلم سبحانه وتعالى، ولا مانع من إثبات الصفة بمعنى النفي أي: ننفي عن الله الظلم على الوجه الذي يليق به ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إني حرمت الظلم على نفسي فمع أنَّه مالك الملك ومع أنَّه ليس هناك أحد فوقه ليأمره أو لينهاه لأنه يقال فلان ظلم لأنه أمر بأمر فلم يمتثل نهي عن نهي فلم ينتهِ. أما الله فمَنْ الذي يأمره، ومَنْ الذي ينهاه. ومع ذلك حرم على نفسه الظلم سبحانه وتعالى، يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إني حرمت الظلم على نفسي كما قال الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا﴾، فالله لا يظلم أحدًا شيئًا سبحانه وتعالى، قلَّ أو كثر يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّمًا جعلته بينكم محرَّمًا تمنعون منه ليس لأحد أن يظلم أحدًا، وكان رب العزة لما بدأ بقوله أني حرمت الظلم على نفسي يقول ليس لأحد كائنًا من كان، أن يظلم مهما كان علمه، مهما كان جاهه مهما كان سلطانه مهما كانت قوته مهما كانت عزته لأنَّ الله لم يرخص في الظلم لأحد.
فقال وجعلته بينكم محرَّمًا بين الجميع فلا تظالموا لم يقل فلا تظلموا ﴿أَنَّمَا﴾ قال فلا تظالموا والمعنى فلا تتظالموا قال عدد من الشراح أي: لا يظلم بعضكم بعضا. لكن التعبير بقوله فلا تظالموا فيه معنى آخر لطيف وهو، أن من ظلم حاول غيره، أن يظلمه والقوي إذا ظلم. فإنَّ من دونه يظلم من تحته فحينئذ يتحول الناس إلى غابة يظلم القوي أو يظلم الأقوى القوي والقوي الضعيف فلما قال فلا تظالموا لا يظلم بعضكم بعضًا فلا تتحولوا إلى ظَلَمة أو إلى ظالمين لأن الظلم إذا انتشر فإنه الفساد لأن الظلم إذا انتشر فإنه الهلاك لأن الظلم إذا انتشر فإنه التدمير والتخريب لأنَّ الله يقيم الدولة الكافرة إذا كانت عادلة كما قالوا، ولا يقيم الدولة إذا كانت ظالمة ولو أنها كانت مسلمة وليس معنى ذلك تقليل الكفر أو الغض من شأنه.
فإنَّ الكفر أعظم الذنوب. لكن الله جل وعلا قضى وقدر أن البغي إذا انتشر. فإنَّ هذه الأمة لا تصلح للبقاء، ومن رحمة الله أنه يُبقي في أمة محمد ﷺ العدول الذين يتقون الله لذا قضى ﴿إِلَّا﴾ تستأصل هذه الأمة فنسأل الله أن يرزقنا العدل وأن يجنبنا الظلم وجعلته بينكم محرَّمًا فلا تظالموا لا يظلم بعضكم بعضا.
ثم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم كلكم ضال بلا استثناء هكذا قال كلكم ضال وهنا قد يقول قائل كيف ذلك وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» وهنا قال كلكم ضال إلا من هديته قال بعضهم: والعلم عند الله، أنَّ الإنسان يولد على الفطرة. لكن الإنسان ركبت فيه الشهوة ولو ترك لشهوته لضل فهو يحتاج إلى مَن يسلمه ويسلم من تلك الآفات والشهوات والشبهات.
الفقرات 2-4: افتقار الخلق في الهداية والطعام والكساء إلى فضل الله مع بذل الأسباب
وذلك ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الله، ومن الله وحده سبحانه وتعالى، كلكم ضال إلا من هديته نولد على الفطرة لكن قد رُكِّبت فينا الشهوات والميل إلى المنكرات فضلًا عمن يشغب وعمن يشوش وعمن يضلل الخلق. فقال كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم اطلبوا مني الهداية يأمرنا الله، أن نطلب منه الهداية اللهم اهدنا صراطك المستقيم.
ولذلك ندعو ربنا ونقرأ ونحن نقرأ سورة الفاتحة في كل ركعة من صلواتنا ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾7 (الفاتحة: 6) وتأمَّل! ذكر في هذا الحديث الضلال وذكر الجوع وذكر العري لكنَّه لمَّا بدأ بدأ بماذا بدأ بالضلال لأنَّ أعظم نعمة يعطيك الله إيَّاها أن تكون من المهتدين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه هذه أجل نعمة، أن يهديك الله، أن يصلحك الله، أن يجعلك من المهتدين اللهم اجعلنا هداة مهتدين وقوله: فاستهدوني أهدكم قد يظن البعض أن المراد أن تسأل الله الهداية فقط وإنَّما المراد أن تسأل الله الهداية وأن تأخذ بأسباب الهداية إذًا ما معنى فاستهدوني أي: اطلب من الله الهداية بالسؤال بالدعاء بالعمل تفكروا في آيات الله أطيعوا الله أطيعوا رسول الله اعملوا الصالحات حتى تكونوا من المهتدين إذًا الهداية تحتاج إلى عمل ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾8 (التوبة: 18)
ثم قال ﴿فَعَسَىٰٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَن يَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾ هؤلاء يجعلهم الله من المهتدين. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم كلكم جائع مَنْ الذي يطعمنا هو الله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ﴾9 (الشعراء: 79) فالله هو الذي يطعمنا فاستطعموني اطعمكم كلكم جائع إلا من اطعمته ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾10 (الواقعة: 63-64).
وقال ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم لأنه لا غنى لنا عن الطعام فلذلك من المطالب العامة ما به قوام البدن وهو الطعام والشراب فنسأل الله عز وجل إياه وكما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في طلب الهداية نقول في طلب الطعام. فإنَّ معنى فاستطعموني سلوني ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رب اطعمني يا رب ارزقني، وكذلك خذ بالأسباب.
فإنَّ الله أنزل من السماء المطر، وكذلك يسَّر لنا الأرض الخصبة التي نزرعها وبقي عامل ثالث وهو عمل الإنسان الله أنزل المطر المياه نزلت المياه أنزلها الله والأرض موجودة، بقي الزارع أو بقي من يقوم بالعمل، بقي الإنسان الذي يقوم بالعمل. ولذلك قد تكون هناك أرض ليست بالسعة، ولا بالكبيرة وتنتج الخير الكثير لما لأنَّ صاحبها استطعم الله فأطعمه الله عز وجل وفي هذا دعوة للأمة إلى أن يكون قوتها من نفسها وأن يكون إنتاجها منها لا من غيرها خذوا بالأسباب وسلوا الوهاب والله يرزقكم وحينئذ تكونون أغنى أمة وأقوى أمة كلكم جائع إلا من اطعمته وهناك معنى لطيف ذكره بعضهم وهو، أن الجوع فيما نعرفه عدم وجود الطعام، وكذلك يدخل في الجوع الإنسان الذي لا يشبع لأنَّ بعض الناس وإن طعم وأكل لا يشبع.
ولذلك. فإنَّ الإنسان جبل على حب المال ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾11 (العاديات: 8) فالإنسان الذي لا يشبع وليست عنده قناعة مهما أطعم عليه أن يسأل الله، أن يرزقه القناعة والرضا وحينئذ يطعمه الله ويرزقه الرضا وكم من عبد أُعطي كثيرًا ولم يشبع، وكم من آخر أُعطي دون ذلك لكنه شبع لأنَّ الله قد أطعمه «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني اكسكم إنها الثياب، إنها الملابس، إنها الكسوة.
وهذه الزينة التي يتزين بها الإنسان فالإنسان إذا طعم وشرب هو بحاجة إلى أمر آخر لا يستغني عنه وهو الستر نعمة الستر اللهم استرنا كلكم عار إلا من كسوته فمن معاني العري الفضيحة، ومن معاني الستر والكساء الستر أن يسترك الله عز وجل ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾12 (الأعراف: 26) فالله عز وجل أكرمنا بهذا اللباس كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني اكسكم.
وهذا فيه أنَّ: الجوع. كما أنه نقص. فإنَّ العري نقص وإنني لاعجب من أناس يفرحون بالعري ويظنون، أن العري فضيلة كيف والعورة إذا ظهرت وانكشفت ما هي إلا الفضيحة عند العاقل فضلًا عمن تعلم شرع الله عز وجل وأن آدم وحواء عليهما السلام حينما وقعت الخطيئة كما تعلمون وانكشفت عنهما أو منهما العورات ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾13 (الأعراف: 22) ولا يراهما أحد من البشر لأنه لا يوجد من البشر إلا آدم وحواء فالإنسان لا يرضى بالفضيحة، ولا يرضى بالعري فيسأل الله الستر فاستكسوني اكسكم، ومن معاني الحديث أيضًا إن الأمة تسعى للكساء ليكون كساؤها من عندها لا من غيرها أن تصنع لنفسها لا أن تستورد من غيرها وخذوا بالأسباب والله هو الرزاق وتأمَّل! أخي الكريم بدأ الله بالهداية لأنَّ بها غذاء الروح ثم ثنَّى بالطعام والكساء لعدم استغناء الناس عنهما لأن الإنسان جسد وروح، والروح أعظم والروح من الهداية والجسد يحتاج إلى طعام وكساء.
ثم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا اغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم سبحان الله يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم تخطئون بالليل والنهار هذا على سبيل الإخبار هو يخبر لا يحتاج إلى أحد ليخبره هو يقول لك: مسبقًا أنا أعلم ضعفك أعلم عجزك أنت تخطئ بالليل والنهار وتأمَّل! قوله تخطئون بالليل والنهار، يعني: في كل وقت هل يستريح الخلق من الذنوب إذا أذنب
الفقرة 5: سعة مغفرة الله لخطايا الليل والنهار وباب التوبة المفتوح
هذا في النهار أذنب هذا في الليل إذا أذنب هذا في الذكر أو في الخفاء أذنب هذا في العلن إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا اغفر الذنوب جميعًا الله أكبر الله اللهم لك الحمد فاستغفروني أغفر لكم لأنك قد تتصور أن ذنوب العباد حينما تكثر فحينئذ لن يرضي الله عن العباد وسيقت العباد وسيه لك العباد، ولن يغفر للعباد.
فقال وأنا اغفر الذنوب جميعًا فتحت لكم الأبواب فحي على التوبة توبوا إلى الله يقبل الله توبتكم واستغفره يغفر لكم وأنا اغفر الذنوب جميعًا. وأما قوله، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾14 (النساء: 48) هذا من مات على الشرك لأنَّ الفرصة سانحة في الدنيا، فإذا مات على الشرك فات الأوان؛ وإلا فإنَّ المشرك لو استغفر الله وتاب إلى الله، وتوبته بإسلامه.
«فإن الإسلام يهدم ما قبله» ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾15 (الأنفال: 38) فاستغفروني أغفر لكم وعلى نفس الطريقة فاستغفروني بالدعاء والاستغفار وأن تعمل العمل الصالح وأن تتوب إلى الله وأن تقلع عن المعصية فاستغفروني أغفر لكم. نسأل الله أن يغفر لنا. ثم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، «وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» قد يقول قائل: العباد يذنبون، شرهم إليه صاعد وخيره إليهم نازل سيئات معاصي منكرات ظلم عدوان ومع ذلك كل ذلك لن يضر الله شيئًا إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني وتأمَّل! التعبير لم يقل إنكم لن تضروني لا قال إنكم لن تبلغوا أنتم لن تصلوا إلى هذه الدرجة أنت ناقص ونحن جميعًا فينا صفة النقص فلن نبلغ إلى الدرجة التي يمكننا أن نضر فيها الله لأنَّ الله هو العظيم وهو الكريم وهو الحميد سواء عظمه العباد أم لم يعظموه وسواء حمده العباد أم لم يحمدوه سبحانه وتعالى، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، «وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» الطاعة عائدة عليكم الطاعة تعود عليكم إيمانكم يعود عليكم الله لن ينتفع منكم بشيء.
﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾16 (إبراهيم: 8) ﴿ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ سبحانه وتعالى، يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، «وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي». ثم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ والجمل التي جاءت بعد تفصيل لهذه الجملة وبيان يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا هب إن الأمة كلها.
الفقرات 6-8: كمال غنى الله المطلق وعجز الخلائق عن نفعه أو ضره
بل هب أنَّ العالم كله. بل هب أنَّ الأنس والجن. تأمَّل! لو أنَّ اولكم واخركم من الأول إلى الآخر أنس وجن كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم كنتم في غاية التقوى على اتقى قلب رجل واحد منكم تصوروا لو إننا جميعًا كنا في تقوى رسول الله محمد لأنَّ بعضهم قالوا من اتقى قلب رجل من هو أنه الرسول ﷺ
أما لو أن الناس كلهم، لو أن قلوب الخلق أجمعين كانت على قلب رسول الله في التقوى والإيمان ما زاد ذلك في ملكي شيئًا العبد عبد والرب رب وهو لا يفتقر إلى أحد فإياك، أن تتكبر بطاعتك إياك، أن تُعجَب بعملك من أنت وماذا تصنع تنظر إلى سجودك إلى صدقتك إلى علمك إلى حفظك من أنت أنت والله لا تنفع إلا نفسك أنت الفقير أنت المستفيد الخير يعود عليك والله غني عنا أجمعين وتأمَّل! قوله لو أنَّ اولكم واخركم وانسكم أضاف الأنس إلينا مع أننا الإنس، وكأنَّه جرد من الأنس انسا كما يقول أهل البلاغة ثم أضاف الجن.
فقال وجنكم لأدنى ملابسة فأدخل الجن أيضًا أنس وجن ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. ثم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ وتأمَّل! العبارة مرة بعد مرة يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لن تقدر أن تخرج عن أن تكون عبدًا لله إلى أين تذهب إلى أين تذهب تريد أن تفر ممن إلى مَن ﴿فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾17 (الذاريات: 50) ﴿فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (الذاريات: 50) أنت عبد وما أشرفك يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أنَّ اولكم وانسكم وجن لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، ومن هذا الأفجر قالوا الشيطان إبليس تصور لو إننا جميعًا صرنا أبالسة كلنا شياطين لا نعمل صالحًا، ولا نوحد الله، ولا نؤمن بالله معاذ الله ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، يقول الله في الحديث القدسي يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئًا إياك، أن تظن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العاصي أن الله بحاجة إليك والله أنك أنت المحتاج أنك أنت الفقير أن في قلبك غصة لا تُملأ إلا بحب الله والأنس به. اقترب من ربك وتب إليه ترى العزة ترى الفرح ترى السرور ترى السكينة ترى الطمأنينة.
ثم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان هكذا في الرواية في بعض الروايات الأخرى فاعطيت كل سائل مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر أي: إلا كما ينقص المخيط الإبرة من البحر إذًا ادخل البحر، ومن المعلوم، أن الإبرة إذا أُدخلت البحر ثم أُخرجت منه فإنَّها لا تخرج بشيء لأنَّ الإبرة لا يستقر معها شيء فالمراد النفي بكل حال كقوله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ﴾18 (الأعراف: 40).
الفقرات 9-10: سعة خزائن الله التي لا تغيض وإحصاء الأعمال في الميزان
فهذا أمر لا يقع فقوله: إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر. المعنى أنه لن يكون هناك شيء ينقص مما عند الله لما لأن عطاء الله لا ينفد ورزق الله لا ينفد والذي يُتصور النقص في حقه فخزائنه محدودة ومحصورة أنت إذا كان عندك كنز مهما كان عندك مال مهما بلغ لا أقول مال قارون. بل قارون وعشرات من قارون وآلاف كلما أخذ أحد منك شيئًا قلَّ أو كثر لا بد أن يترك فراغًا.
أما الله فلا فراغ لما لأنَّ رزق الله لأنَّ عطاء الله كرم الله لا حدود له سبحانه وتعالى، وإنما قرَّب إلى الأفهام، قرَّب إلينا لنفهم فذكر المثال فأوسع شيء نراه هو البحر واقل شيء ندركه لا يأخذ شيئًا هي الإبرة. فقال إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر يا أمة الإسلام سلوا الله يا أمة الإسلام سلوا الله، ومن سؤال الله، أن تبذلوا الأسباب ثم تسألوا الملك الوهاب فإنَّه يعطيكم، وفي هذا رد على بعض الناس الذين تصيبهم بعض المشكلات أو يضطربون ويقلقون لِمَ لا ينصرنا الله؟ ﴿إِلَّا﴾ يرى الله حالنا؟ ﴿إِلَّا﴾ يرى الله ضعفنا؟ ﴿إِلَّا﴾ يرى الله عجزنا؟ إلا أقول له أن الله لا يعجزه شيء.
لكن الله جعل لكل شيء سببًا يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسالوني وهل هذا يتصور أن يقوم الخلق كلهم من الأولين والآخرين من الأنس والجن في صعيد واحد لو تصور هذا وسأله. فإنَّ هذا لا ينقص لا ينقص الله عز وجل شيئًا لأنه كما قال «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة» يعني: لا تنقصها نفقة ثم ختم قال: يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ هي اعمالكم ﴿أَنَّمَا﴾ هي يقولون عنه ضمير القصة وإذا جاء مذكرًا قالوا ضمير الشأن والمعنى أنك تنتظر هي ماذا كقوله ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾19 (الإخلاص: 1) ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هو، تقول: هو مَن؟ ﴿ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ هي ماذا اعمالكم كل
هذا يدور حول العمل إذًا الهداية بالعمل الطعمة أو الطعام بالعمل إذًا الكسوة بالعمل الاستغفار بالعمل ﴿أَنَّمَا﴾ هي أعمالكم أُحصيها لكم ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ﴾20 (المجادلة: 6) ثم أوفِّيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله لأنَّ الله هو الذي أنعم وهو الذي هدى وهو الذي وفق وهو الذي سدد ومن وجد غير ذلك ولم يقل ومن وجد شرًّا لأنه لا يريد منا الشر، لا يريد منا السيئة فلا يلومن إلا نفسه لأنَّ الله لا يضره شيء سبحانه جل وعلا الله الله في العمل ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾21 (الزلزلة: 7) ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾22 (الزلزلة: 8) «دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب لَمْ يَنْسَهُ الْمَلَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ ... بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لَاهٍ تَلْعَبُ والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب» وَغُرُورُ دُنْيَاكَ الَّتِي تَسْعَى لَهَا ... دَارٌ حَقِيقَتُهَا مَتَاعٌ يَذْهَبُ الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم ارحم المسلمين في غزة اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واحقن دماءهم يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 12 ↩
- آية: ﴿وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًٔا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 33 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 6 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 18 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 79 ↩
- آية: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الواقعة 63-64 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: العاديات 8 ↩
- آية: ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 26 ↩
- آية: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 22 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 48 ↩
- آية: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 38 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 8 ↩
- آية: ﴿فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 50 ↩
- آية: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 40 ↩
- آية: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الإخلاص 1 ↩
- آية: ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: المجادلة 6 ↩
- آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7 ↩
- آية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 8 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)