نماذج من أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مقدمة الخطبة وحقيقة التأسي بالنبي لا بالاحتفال الشكلي
- ميلاد النبي ﷺ تحول من الظلمات إلى النور ووجوب اتباع هديه
- ورع النبي ﷺ عن الشبهات وتربيته أهل بيته على العفة
- الأمانة والوفاء: رد مفاتيح الكعبة والوفاء بعهد المشركين
- حياء النبي الأوفى ووجوب صيانة حياء بنات المسلمين
- عدل النبي ﷺ في الحدود وحقيقة المحبة وبشارة المرء مع من أحب
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة وحقيقة التأسي بالنبي لا بالاحتفال الشكلي
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا ومدده وعونه بهذه السلسلة هكذا خطب ﷺ أو.
إن شئت فقل وقفات مع قول الله جل وعلا ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾4، يا أيها الإخوة الكرام، إذا كان كثير من المسلمين في هذه الأيام يحتفون أو يحتفلون بمولد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فإنَّ الآفة الكبيرة التي رزئ بها المسلمون في هذه الأيام أن تحولت الحقائق إلى أمور لا تمثل شيئًا من الحقيقة وظن المسلمون أنهم حينما يقومون ببعض المراسم أنهم قد أدوا ما عليهم، ومن ثم فهم لا يزالون على دين الله جل وعلا وبه متمسكون والأمر ليس كذلك فكثير من المسلمين لا يعرفون إلا شعارات أو أمورًا ظاهرة دون أن يدرك حقيقتها كما يقول المسلمون بكتب الكتاب أو عقد القرآن في المسجد مثلًا.
ميلاد النبي ﷺ تحول من الظلمات إلى النور ووجوب اتباع هديه
وهذا لا مانع منه ولا حرج فيه بيد أن يكون هذا هو الغاية من تعاليم الإسلام ثم بعد ذلك يصنع الزوجان ما يشاءان وقت الزواج من أمور تغضب الله جل وعلا مما لا يمت للإسلام بصلة. فإنَّ هذا عين الجهل يوم، أن يختزل الإسلام في صور لا حقائق، وفي رموز لا معاني. فإنَّ هذا أمر جد خطير ينبغي التنبيه عليه والتحذير منه.
نسأل الله السلامة والعافية. إن ميلاد رسول الله ﷺ وخروجه إلى الأرض ليس مختزلًا في أن يحتفى أو يحتفل به في يوم أو موسم أو ما أشبه ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ ميلاد رسول الله ﷺ تحوُّل لحال الناس من ظلام إلى نور ومن فساد إلى صلاح، ومن جهل إلى علم وصدق الله إذ قال فيه وفي الكتاب الذي أنزل عليه وهو القرآن الكريم ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾5 ﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ إن رسول الله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم لم يقبضه الله حتى أقام الله به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ففتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا.
وهذا كان من صفته في الكتب السابقة ﷺ وهذه حياته لا ينبغي أن تختزل في يوم أو يومين أو مقال أو مقالتين أو محاضرة أو محاضرتين أو أمسية أو ما أشبه ذلك. الأمر. يا عباد الله، يحتاج منا إلى وقفة صادقة وهي أن نعلم أين نحن من رسول الله ﷺ؟ أين نحن من منهجه؟ أين نحن من دعوته أين نحن من أخلاقه أين نحن من سنته صلى الله عليه وآله وسلم فحينما نجد الاقتراب من هديه أو امتثال هديه فإنَّها النصرة
والتمكين والسعادة في الدنيا والآخرة بإذن الله جل وعلا ؛ وإلا فإنَّه الخذلان والدمار. نسأل الله السلامة والعافية. وما من شك، أن في المسلمين من يأتسي برسول الله ﷺ في أكثر أمره أو جل أو قدر استطاعته بيد أن كثيرًا من المسلمين في غفلة، وفي سبات عميق عن هذه السنة الغراء وعن هذا الهدي المبارك لذلك أحببت في هذا اللقاء على غير العادة الجارية في الخطب السابقة، أن يكون الحديث مجملًا متشعبًا فيه أحاديث متفرقة عسانا أن ندرك من هو رسول الله ﷺ فحديث مجمل عن أخلاقه ﷺ جملة، ليس حديثًا عن شيء واحد من هذه الأخلاق، ولكن أدرس حياة الرسول ﷺ وتعلم من هديه وأخلاقه.
فإنَّ الرسول ﷺ من رآه بديهة هابه، ومن عاشره معرفة أحبه الذي يراه لأول وهلة. يهابه ويجله والذي يعاشره ويتعرف عليه يحبه ﷺ ولو لم يؤيد الله جل وعلا الرسول ﷺ بآية من الآيات أو معجزة من المعجزات سوى سيرته وأخلاقه لكانت كافية في الدلالة على أنه رسول الله حقًا ونبيه صدقًا صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ندري بما نبدأ وبما نختم أم نتحدث عن عدله أم نتحدث عن وفائه أم نتحدث عن ورعه أم نتحدث عن صدقه أم نتحدث عن شجاعته هذا هو الميراث، ولا أجد أجلَّ وصفًا للرسول ﷺ في أخلاقه من وصف الله له إذ قال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾6 ثم من وصف زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومن المعروف أن الزوجة تخبر عن زوجها أكثر من غيرها لأنَّها تعرف أسراره وتطلع على باطنه لذلك كان من الحِكَم أن تزوج رسول الله ﷺ بأكثر من امرأة تصور معي تتعدد أزواجه، ولا تنتقده واحدة منهن، ولا تتكلم في حقه بما يشينه واحدة منهن.
بل كلهن يجمعن على صدقه وعفته وطهره وحسن أخلاقه ﷺ قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما سُئلت عن خلق نبي الله ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم فما كان منها إلا أن قالت «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟»
أما الحديث: «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» قال: بلى، قالت: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ»، وأيضًا «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» صلى الله عليه وآله وسلم. إذن افتح المصحف، قلِّب ورقات المصحف، وانظر إلى كل الآيات التي فيها وصف للصالحين، وصف للمؤمنين، وصف للمتقين، وصف للمحسنين، وصف لكل من فيه خصلة حسنة، فإنَّك ستجدها ممثلة في أرض الواقع، أن نرى هذه الأوصاف أو أن نسمع عن هذه الأوصاف ممن صدقوا في أخبارهم فحينئذ يتغير الناس من أحوال رديئة إلى أحوال حسنة.
بل إلى أحسن الأحوال وهل نجد أزمة بيننا مثل تلك الأزمة التي تتعلق بالأخلاق وهذه الأزمة لها صلة وثيقة بالعقيدة ويترتب عليها جميع الأزمات من السياسة والاقتصاد والاجتماع وما إلى ذلك فالأخلاق لا تتوقف عند حد. بل تعم العباد والبلاد فإذا حسنت الأخلاق صلحت الأحوال كلها وإذا فسدت الأخلاق فسدت الدنيا كلها.
نسأل الله السلامة والعافية. «إِنَّمَا الْأُمَمُ الْأَخْلَاقُ مَا بَقِيَتْ، فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا» رسول الله ﷺ كان يتمثل بأمر القرآن ونهيه فإذا سمع أمرًا امتثل الأمر وإذا بلغه نهي أو أوحي إليه نهي اجتنب النهي لم يتجاوزه فعلًا ولا تركًا ﴿أَنَّمَا﴾ كان يقف حذوه لذا أمرنا بالتأسي به في كل أمره ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ حسنة قال ابن كثير.
ورع النبي ﷺ عن الشبهات وتربيته أهل بيته على العفة
وهذا أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله دونكم، يا أيها الإخوة الكرام، بعض النماذج التي ربما لا تخفى على كثير منكم لكننا نريد أن نضعها أمام أعيننا لننظر إلى الفرق بينها وما عليه الناس في أرض الواقع ورع ﷺ كيف كان تحريه الحق وتحريه أكل الحلال ﷺ كيف كان
ها هو ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - يقول ﷺ «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو قال في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فألقيها» ﷺ يرجع الرسول إلى بيته فيجد تمرة ساقطة على الفراش ماذا يصنع
هل يقول، ومن أين سيأتي التمر هو تمرنا، ولنا لنأكل تمرة ليس مالًا كثيرًا ﴿أَنَّمَا﴾ هي تمرة ويهم الرسول ﷺ بأكلها ويرفعها إلى فيه ثم يخشى أن تكون صدقة دخلت دون أن يشعر هو أو أحد من أهل بيته في بيته فما يكون منه ﷺ إلا أن يلقي تلك التمرة فأين أخلاق المسلمين في ذلك
هل يتورع الناس عن الحرام إلا من رحم الله جل وعلا أين هذا التورع؟ أن تعرف كل مالك من أين أتى من أين دخل جاء ولدك وأدخل في البيت طعامًا أو شرابًا أو أدخل نقودًا وربما كنت تعلم، أن ولدك هذا فيه شيء من الفساد، ومن اللعب وربما لم يتنزه عن أكل الحرام فهل تقول: بركة يا جامع، أي: حققت منه؟ خلاص، والسلامة، وتأكلها أم أنك تراجع نفسك وتقول من أين أتت هذه التمرة التي أرفعها إلى فمي ما طريقها
أحلال هو أم حرام هل تفعل ذلك ثم اسمع إلى الرسول ﷺ حينما يجد مع الحسن بن علي رضي الله عنه، والحديث أيضًا في الصحيحين، يجد النبي ﷺ تمرة من تمر الصدقة فيقول له كخ كخ أظن، إن كثيرًا من الناس لو وجد رجلًا يفعل ذلك ربما لم ير فيه الخلق الكريم.
بل ربما عاتبه. وقال له حرام عليك، ده ولد صغير، هتخليه يعيط ويبكي لا تفعل يا عم يأكل، جت على قد التمرة؟ وأنفق تمرة في مقابلها أو تتصدق بمثلها لا لا ما كان رسول الله ﷺ ليفعل ذلك ولا ليربي آل بيته رضي الله عنهم على ذلك إنها العفة إنه الصفاء إنه الورع في أسمى معانيه وانظر إلى أمانته ﷺ دخل الرسول ﷺ مكة فاتحًا ودخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وطاف بالبيت.
الأمانة والوفاء: رد مفاتيح الكعبة والوفاء بعهد المشركين
ثم إنه طلب مفاتيح الكعبة في خطبة سابقة عن الرسول ﷺ فاتحًا الشاهد من ذلك أنه ﷺ أخذ المفاتيح من عثمان بن طلحة رضي الله عنه وكان أهل قريش، أو كانت قريش تقتسم الأعمال فيما بينها فكانت السقاية لآل عبد المطلب أعمام الرسول وأقارب الرسول هم المسؤولون عن ماء زمزم هم الذين يسقون الناس، ومَنْ الذي يتولى سدانة البيت
بنو عبد الدار، وقد أوكل الأمر إلى عثمان بن طلحة وشيبة المفاتيح مع بني عبد الدار معهم المفتاح فأخذه الرسول ودخل الكعبة. فقال له علي رضي الله عنه يا رسول الله اجعل لنا السقاية والحجابة. كما أن لنا السقاية نسقي الناس كذلك تكون لنا حجابة البيت فنادى الرسول ﷺ عثمان بن طلحة رضي الله عنه.
وقال له دونك أو خذ مفاتيحك يا عثمان. فإنَّ اليوم وفاء وبر. فإنَّ اليوم وفاء وبر ليس لأنه رسول الله ليس لأنه أفضل الناس ليس لأنه الفاتح سيأخذ مفاتيح الناس لا يردها. وقد ذهب كثيرون إلى أن هذا سبب نزول قوله تعالى إلا أن الروايات فيها بعض نظر سبب نزول قوله تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾7.
انظر إلى الرسول ﷺ في وفائه حتى مع خصومه حتى مع المشركين. بل وإن لم يعط العهد بنفسه وإنَّما أعطاه بعض أصحابه فلا يعينهم إلا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه المشركون أوقفوا حذيفة ومعه أبوه حُسَيْل. فقال لهما: إلى أين تذهبان؟. فقال نريد المدينة قالوا لهما: ﴿إِلَّا﴾ تريدان رسول الله أو محمدًا؟.
فقالا لهم: لا نريد إلا المدينة فأخذ عليهم العهد والميثاق أن لا ينصرفوا إلا إلى المدينة وألّا يكونوا مع رسول الله ﷺ فلما جاء حذيفة بن اليمان إلى رسول الله ﷺ وجاء أبوه قص عليه الخبر. فقال لهما الرسول ﷺ ماذا يقول لهما وهؤلاء المشركون غاصبون وهؤلاء المشركون ظالمون قال لهما «نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ» انصرفوا إلى المدينة لا تخرج معنا إلى ساحة القتال.
بل اذهبا إلى المدينة نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
حياء النبي الأوفى ووجوب صيانة حياء بنات المسلمين
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، إذا سألتم عن حياء رسول الله ﷺ فقد «كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» كان ﷺ وهو المهاب وهو صاحب القدر والمكانة عنده من الحياء ما هو أظهر من المرأة البكر حينما تكون مختفية من الناس ﷺ بل انظر إليه كما في حديث عائشة في الصحيحين حينما أتته امرأة وسألته ﷺ عن طهرها أو غسلها من الحيض ماذا تصنع.
فقال لها خذي فِرْصةً من مِسك، أي: قطعة من مِسك، قطعة من قطن، فتطهري بها. فقالت كيف أتطهر بها المرأة تقول كيف أتطهر بها. فقال الرسول سبحان الله تطهري بها جاء في بعض الروايات واستحيى رسول الله ﷺ وأعرض بوجهه. فقالت عائشة رضي الله عنها تتبعي بها أثر الدم سبحان الله. انظر إلى حيائه ﷺ وانظر إلى زماننا وماذا تقولون في ذلكم الإعلام إلا من رحم الله جل وعلا الذي يدعو كثيرًا من الناس إلى الرذائل والفواحش والمنكرات إلا من رحم الله جل وعلا صار الطفل الصغير يعرف من الأمور التي لم يعرفها بعض الآباء وأجدادنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ لِمَ هذا يا عباد الله؟، هؤلاء الذين يدعون إلى المنكرات وإلى الرذائل أين الحياء وأين الخجل الذي يكون في القلوب المؤمنة
ذلكم الحياء الذي اتسم به أهل الإسلام قال ﷺ «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» لكل دين لكل ملة خلق بارز فيها والخلق البارز في الإسلام خلق الحياء كم يحتاج كثير منا إلى الحياء. نسأل الله السلامة والعافية انظر إلى بنات المسلمين إلا من رحم الله يوجد بيننا صالحات، نسأل الله أن يبارك فيهن وأن يهدي الجميع لكن الذي أقصده الآن انظر إلى تلك الفتن وإلى تجرؤها وعبثها وكيف تتكلم وبما تتكلم به وأبوها ربما استحيا أن يتكلم بهذا الكلام. بل أقول ربما يستحي من بعضه مع زوجته أقولها بعض الأزواج من الفضلاء ربما استحيا أن يتكلم مع زوجه ببعض الكلام مع أنَّه مباح له في الوقت الذي لا تستحي بعض البنات أن تنطق به مع بعض من تحبه.
نسأل الله السلامة والعافية عباد الله ليس من دأبي، ولا من عادتي أن أقول إن فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾، وفينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾. بل إن الرسول قال: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»، وفي لفظ «أَهْلَكَهُمْ» فأنا أقول والحمد لله فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ خير كثير وبيننا صالحون وصالحات. لكن إذا وجد من يبني ووجد من يهدم فلا بد من التصدي للشر وأن يؤخذ على يد هؤلاء حتى ينتشر في المجتمع الصلاح انشروا بينكم العفة انشروا بينكم الطهر إذا علمتم، أن هذا الشيء يؤدي إلى ما يشين فاتركوه وسدوا الذرائع.
عدل النبي ﷺ في الحدود وحقيقة المحبة وبشارة المرء مع من أحب
فإنَّ سد الذريعة من الشريعة. فإنَّ سد الذريعة التي تفضي إلى المحرمات من الشريعة. انظر إلى عدله ﷺ حينما تسرق المرأة المخزومية ويقولون. وقد شق عليهم من يجترئ على رسول الله في شأنها فيقولون لا نجد إلا حبه وابن حبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما فيأتي أسامة ليشفع في شأن المرأة المخزومية من أجل ﴿إِلَّا﴾ يقام عليها حد فيغضب الرسول ﷺ ويقول «أتشفع في حد من حدود الله»
في أعلى صوره، يعلم أن أمة تتعلق بقلبه، تتعلق بهذا الصبي، فيخفف الرسول ﷺ يا أيها الإخوة الكرام لا أريد أن أطيل عليكم لكني أقول إن محبة الرسول صدقًا تكون بهذا الاتباع كما جاء من عدة طرق عن الصحابة جاء عن ابن مسعود وأنس كما في الصحيحين وجاء عن عدد من الصحابة بلغ بهم أبو نعيم كما ذكر الحافظ ابن حجر عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ أن الرجل حينما قال لرسول الله المرء يحب القوم، ولَمَّا يلحق بهم.
فقال «المرء مع من أحب» وفي لفظ قال: يا رسول الله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ الساعة قال: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟. ثم قال الرجل: يا رسول الله ما أعددت لها من كثير صيام ولا صدقة ولا صلاة ولكني أحب الله ورسوله. فقال ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» قال أنس رضي الله عنه فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول رسول الله المرء مع من أحب انظر ما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول الرسول المرء مع من أحب يقول أنس فأنا أحب رسول الله وأبا بكر وعمر ولم أعمل بمثل أعمالهم وإنا نقول إنا نحب رسول الله ونحب أصحابه ولم نعمل بأعمالهم ونسأل الله أن يلحقنا بهم لكني أقول ليس معنى أن المرء مع من أحب أن تفعل ما بدا لك ولكن افعل قدر استطاعتك ثم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رب هذا ما في وسعي وأنا أحب رسولك وأنا أحب أصحاب نبيك حينئذ يكون لك عذر وأقول لك: إنه من الشؤم بمكان، أن تكره ما أحب رسول الله ﷺ هذه مصيبة بعض الناس لا يقدر أو لا يحاول أن يفعل شيئًا من هدي رسول الله ﷺ فلا أقل من أن تحب ما فعله الرسول وإن لم تفعل تقول أنا مقصر وأرجو، أن أفعل ما فعل الرسول.
أما أن تكره ما يحب رسول الله. فهذا جد خطير، وكذلك، أن تحب من يعادي رسول الله ﷺ فهذا جد خطير لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: شرط المحبة أن توافق من تحبه، وكذا تعادي جاهدًا أعداءه أين المحبة يا أخي الشيطان فمن كان يرجو الله والدار الآخرة فليحب رسول الله وليتمسك بهديه وليقتدي به وليقتفي أثر أصحابه ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾8 يا أيها الإخوة الكرام أكثر من الصلاة والسلام على نبيكم محمد ﷺ
فإنَّ الصلاة عليه دليل على محبتك له. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾9 ومن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا. اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه. وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم كما حسَّنت خَلْقنا فحسِّن خُلُقنا اللهم كما حسَّنت خَلْقنا فحسِّن خُلُقنا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسِّلم والسلام وسائر بلاد الإسلام اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سبحانك اللهم وبحمدك
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 1 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القلم 4 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 58 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 31 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 56 ↩
من سلسلة: سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (45 درسًا)