مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

كونوا رحماء

خطب · الدرس 220 من 342 · 12 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، كونوا رحماء، كن رحيمًا، ما أحوجنا إلى الرحمة وإلى التواصي بها.

وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين، فقال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: 17) فالمؤمنون يتواصون فيما بينهم بالرحمة بأن يكون كل واحد منهم رحيمًا مع الناس لا مع أقاربه فحسب، لا مع أحبابه فحسب وإنَّما مع الناس كلهم ذلكم لأن ديننا دين الرحمة، وذلكم لأن رسولنا ﷺ نبي الرحمة.

وقد قال عن نفسه ﷺ: «أنا نبي التوبة ونبي الرحمة» ﷺ وقال: «﴿أَنَّمَا﴾ أنا رحمة مهداة»، ولمَّا قيل للرسول ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم ادعُ على المشركين. فقال ﷺ: «إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بُعثت رحمةً» ﷺ وصدق الله إذ قال فيه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وقال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128) ﷺ قال الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) لأنَّ الله الذي أرسله هو الرحمن الرحيم الرؤوف الكريم سبحانه جل وعلا ما أحوجنا إلى ذلك.

يا أيها الإخوة الكرام، في معاملاتنا ينبغي أن نكون رحماء. فإنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما فقبله الرسول ﷺ وعنده الأقرع بن حابس. فقال: «إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا». فقال ﷺ: «من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» على أن «مَنْ» اسم موصول ويصح أن يكون «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» هكذا يعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولمَّا سأله أعرابي وقال له: «أتقبِّلون صبيانكم؟ فما نقبِّلهم» فقال ﷺ: «أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟». ولذلك كان أهل العلم إذا حضر إليهم التلاميذ والطلاب ليتلقوا عنهم حديث رسول الله ﷺ وليتعلموا منهم العلم الشرعي كانوا يحدثونهم بالحديث المتصل إلى رسول الله ﷺ «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» كان هذا الحديث هو الحديث الأول الذي يحدث به الشيخ التلاميذ وكأنه يقول لهم.

إن علاقة المعلم بتلاميذه علاقة قائمة على الرحمة لذلك سماه أهل العلم بالحديث المسلسل بالأولية أي: أنه قد تسلسل الرواة على ذكره بأن يكون الأول في تعليمهم إياه فما أحوجنا إلى الرحمة! كثير من الآباء ربما قسا على أولاده، ولا يعلم عنه شيئًا في الوقت الذي يحتاج فيه الولد إلى عطف وإلى حنو وإلى من يرحمه وإنَّما يتلقف تلك الرحمة من أناس لا يريدون له الخير ولو أنَّ هذا الشخص علم هذا.

الأمر لكان حريًّا به أن يتقرب إلى الله برحمته لأولاده كذلك يرحم المعلم تلاميذه وكل راعٍ رعيته يرحم اليتامى ويرحم أو ترحم كذلك النساء كما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، «اللهم إني أُحَرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» هكذا يعلمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فكن رحيمًا في معاملاتك حتى يرحمك الله عز وجل. إذا وجدت امرأة عجوزًا تحتاج إلى مَن يأخذ بيدها لتصل إلى ما تريد إذا سألتك حاجة إليها إذا كانت في حاجة إليك وبيدك أن تقوم بذلك فما يمنعك؟ إنها الرحمة التي تحرك القلوب ما أحوج الأطباء وغيرهم إلى أن يكونوا رحماء كذلك بمن يقومون على أمرهم كل ذلك يعلمنا إياه ديننا العظيم دين الرحمة.

نسأل الله أن يجعلنا من الرحماء وأن يرحمنا برحمته الواسعة وكلما ازداد علم الرجل ازدادت رحمته لذا جمع الله بين العلم والرحمة حينما ذكر دعاء الملائكة حينما قالوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (غافر: 7) فمن علَّمه الله، ولم يكن رحيمًا في علمه فلا بركة في هذا العلم الذي تعلَّمه وإنما يزداد العبد علمًا فيزداد تواضعًا ويزداد رحمة لخلق الله أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ما أعظمه من إله وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الرحمة المهداة والنعمة المُسداة صلى الله عليه وآله وصحبه، ومن والاه.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، لذا فإنَّ رسولنا الكريم ﷺ حينما وقع له ما وقع يوم الطائف صلوات الله وتسليماته عليه وأرسل الله إليه ملك الجبال ليسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، كما أخرج الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وسلَّم عليه وقال يا محمد ذلك فيما شئت إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين، أي: الجبلين قال ﷺ: «لا، بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» وقد أوذي منهم، فقدِّم الخير للناس وارحمهم وإن بدر منهم ما بدر؛ لأنك تحتاج إلى رحمة العزيز الغفار فقل يا ربي أنا قادر على المؤاخذة وأنا قادر على الثأر وأنا قادر على أن أُصعِّب المسائل وعلى أن أتعنت وأشدد لكنني سأسهل وأرفق وأرحم كل ذلك لأنني أبتغي رضاك وأرجو أن ترحمني يا رحمن يا رحيم هكذا يكون العبد حينئذ وليس معنى الرحمة، أن يترك الإنسان الحزم في معاملاته أو أن يترك الحزم في أخلاقه وأموره.

فإنَّ الأب الذي يترك أولاده يسرحون كيف يشاؤون فتخرج الفتاة متبرجة غير حَيِيَّة ويخرج ولده ليعبث هنا وهناك هذا الأب ليس رحيمًا. وهذه الأم ليست رحيمة ﴿أَنَّمَا﴾ الرحمة يكون معها الحزم فقسا ليزدجروا، ومَنْ يك راحما فليقس أحيانًا على من يرحمه ﴿وَقِيلَ﴾ أيضًا، فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِمًا … فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ فالأخذ على يد الباغي والأخذ على يد المعتدي لا ينافي الرحمة وإنَّما ذلك من مقتضيات الرحمة.

وهذا ما علمنا إياه دين الإسلام لذلك شُرعت في الإسلام العقوبات والحدود والتعزيرات ليتراجع ولينزجر ولألا يكابر أو يتكبر كل ذلك من رحمة الرحيم سبحانه اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ اللهم ربنا اغفر لنا وارحمنا ﴿أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى وارزقهم الرحمة والرفق والحكمة يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة