مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قصة آدم عليه السلام (الحزء الأول) سلسلة قصص القرآن

خطب · الدرس 207 من 342 · 32 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وإثبات بشرية آدم ودحض خرافة التطور الدارويني
  2. سياق الاستخلاف في سورة البقرة وأصالة العلم كشرط للتمكين
  3. سؤال الملائكة الاستعلامي عن سفك الدماء وامتثالهم للسجود
  4. سجود التحية لآدم وإثبات أصل إبليس وفساد قياسه الناري
  5. بطلان القياس مع النص وحقيقة الكبر وضوابط لفظ 'أنا'
  6. هبوط إبليس صاغراً وخطر الاحتجاج بالقدر في المعاصي
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وإثبات بشرية آدم ودحض خرافة التطور الدارويني

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، هذا هو اللقاء الثاني في هذه السلسلة الجديدة مع قصص القرآن الكريم.

وقد تحدثت إليكم في اللقاء السابق عن طرف مما يتعلق بأهمية القصص القرآني وكيف أن على المسلمين، أن ينظروا في هذا القصص نظرة التأمَّل! والتدبر فقصص القصص لعلهم يتفكرون ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ نعيش اليوم بإذن الله جل وعلا مع قصة أبي الأنبياء آدم عليه الصلاة والسلام. بل إن شئت فقل نعيش مع أبينا جميعًا وهو آدم عليه السلام فهو أبو البشر وللأسف الشديد فهناك مذاهب غير صحيحة تاهت وضلت في هذا الأمر. فادعوا أنَّ هناك أوادم متعددين وأن آدم ليس أبا البشر.

وهذا خطأ. فإنَّ الله سبحانه وتعالى، قد بين لنا أن أبانا هو آدم عليه السلام. وعليه فهو أبونا وهو أبو البشر عليه الصلاة والسلام، وكذلك هناك نظريات جائرة قد ثبت بطلانها كنظرية دروين حينما زعم ما زعم من أن الأصل الإنسان قرد وأنه تطور وما إلى ذلك، كما بين ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ طريقتنا يا أيها الإخوة الكرام في ذكر هذا القصص القرآني الجليل أن نقف مع كل قصة من هذا القصص المبارك لنأخذ منه شيئًا من العبر والعظات وإن كنا لن نوفيه حقه أو نأتي على جميعه.

نسأل الله أن يُعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا إن قصة آدم عليه الصلاة والسلام، قد جاء ذكرها في القرآن في سبعة مواضع. وقد تقدم، يا أيها الإخوة الكرام أن القصة القرآنية حينما تتكرر فإنَّها تتكرر لمقصد عظيم ولأنها تتعلق بموضوع السورة التي ذكرت فيها فكل قصة جاءت في موضع من المواضع. فذلك لعلاقتها وصلتها بهذا الموضع كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ لو أنَّ شخصًا كرر القصة في مناسبات متعددة فالقصة يستفاد منها الصدق فيذكرها في موضع الصدق ويستفاد منها الصبر فتذكر في موضع الصبر كل بحسب ما يليق به بفضل الله سبحانه وتعالى، قصة آدم عليه السلام حينما نتأمَّلها نجد أن الله جل ذكره ذكر طرفًا منها في سورة البقرة.

سياق الاستخلاف في سورة البقرة وأصالة العلم كشرط للتمكين

لكن الله لما ذكر قصة آدم عليه السلام في سورة البقرة ذكر منها أشياء أو فيها أشياء لم تتكرر في القرآن الكريم فتعليم الله آدم الأسماء كلها وما جرى من عرض تلك المسميات على الملائكة لم يرد في سورة إلا في سورة البقرة. بل بداية الأمر إذ قال الله ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾3 (البقرة: 30) ﴿قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ﴿قَالَ يَـٰبُنَىَّ﴾ ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾.

فقال أنبئوني ﴿بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ قَالَ﴾: ﴿يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾4 (البقرة: 33) ترى أن هذا المقطع لم يتكرر في سور أخرى في القرآن الكريم.

وذلك لمناسبة هذا الأمر لما جاء في سورة البقرة فالله يقرر ابتداء أن آدم عليه السلام خليفة في الأرض جعله الله عز وجل خليفة في الأرض، وفي التعبير بقوله خليفة دلالة على أن آدم ليس مخلدا في الأرض وإنَّما يخلف بعضهم بعضًا ولذا قال ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ فآدم عليه السلام سيبقى في الأرض ما يبقى لكنه بعد ذلك سيفنى ويأتي جيل يتلوه جيل وهكذا بنو آدم تتعاقب أجيالهم، ولا يبقى أحد منهم مخلد ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾ أفإن ميت فهم الخالدون.

لكن الله لما ذكر خلافة آدم ذكر ما يكون سببًا في هذه الخلافة فسبب ذلك، أن الله فضله وأعطاه العلم فالذي يمكن الإنسان من هذه الخلافة، أن يكون عليمًا فإذا كان معلِّمًا كان مسددا موفَّقًا لذلك ذكر الله عز وجل وجه أمره الملائكة بأن يسجدوا لآدم عليه السلام أن الله ميز آدم عليه السلام وخصه بالعلم.

فقال ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾، وفي ذلك دليل على أن التمكين ﴿أَنَّمَا﴾ يتحقق بالعلم فإذا رامت الأمة عزة وإذا أرادت الأمة شرفًا وسؤددًا فعليها بالتمسك في العلم فإنَّه بالعلم ترتق الأمم وبالجهل تنحق الأمم فبين الله فضل آدم عليه السلام بأن الله قد علَّمه. وقد زكاة ولذا فهو مؤهل لتلك الخلافة في الأرض.

وهذا ليس بغريب على سورة البقرة التي ذكر الله عز وجل لنا بعد قصة آدم ذكر الله لنا فيها بعد قصة آدم كثيرًا من أحوال بني إسرائيل وكأن الله يقول لبني إسرائيل قد تحولت عنكم الخلافة وصارت النبوة في نبينا محمد ﷺ فقد آتاه الله العلم ولذا صرح الله بالعلم في مواضع فيها. فقال ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾5 (البقرة: 120)

وقال ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ﴾ ٱلظَّٰلِمِينَ ولعل هذا والله أعلم سر من الأسرار التي من أجلها ذكرت قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة لتقرر هذا المعنى أيضًا حينما قالوا أن ﴿يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ فأول إفادة نستفيدها أنَّ الإنسان في هذه الحياة ليس مخلدا وأن غيرك سيخلفك وأنك لم تبق دائمًا.

وعليه فأعمل لدار غد اعمل لهذه الدار التي سيحاسبك الله عز وجل فيها، وكذلك سلم أمانة تسليمًا صحيحًا لائقًا كذلك، أن يعلم، أن سبب التمكين هو العلم. نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح

سؤال الملائكة الاستعلامي عن سفك الدماء وامتثالهم للسجود

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾، وفي سؤال الملائكة لرب العزة جل وعلا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ونقدس لك دليل على أن الملائكة تستقبح أيما تقبيح الإفساد في الأرض وسفك الدماء فالملائكة تذم ذلك وتكرهه فمن أعظم الجرائم على الأرض سفك الدماء والإفساد في الأرض وإن قال قائل، ومن أين علمت الملائكة

ذلك فلأهل العلم في ذلك أقوال متعددة يمكن أن يقال بعيدًا عن الروايات الإسرائيلية الواردة في ذلك ما يمنع أن الله أخبرهم بذلك أولًا. لكن القرآن الكريم يُقوِّم على طريقة الإيجاز فالله قال ﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ من شأنه كذا وكذا، ومن صفته كذا وكذا فلما سمعوا أن هذا الخليفة قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء تعجبوا.

فقالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وبهذا نستغني عن دعوى أمور أخرى قالها بعض المفسّرين وإن كان عدد منهم قال: ﴿أَنَّمَا﴾ ذلك بناء على وجود خلق آخر لا من جنس آدم ولا من جنس بني آدم وفي قولهم ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ هو سؤال استعلام وسؤال استخبار وسؤال استكشاف وليس سؤال اعتراض.

فإنَّ الملائكة لا تعترض على الرحمن جل وعلا. كيف. وقد أثنى الله عليهم ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فالملائكة يمتثلون أمر الله ويستجيبون له ولا يعترضون عليه وإنَّما قالوا ذلك طلبًا للمعرفة وطلبًا لما في ذلك. الأمر من فوائد. ثم إنَّ الرب الكريم جل وعلا أمر ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام.

سجود التحية لآدم وإثبات أصل إبليس وفساد قياسه الناري

وهذا ورب الكعبة يستوقف الإنسان أو ينبغي أن يستوقف الإنسان وقفات عديدة، أن يأمر الله جل وعلا ملائكته الذين لا يعصونه بالسجود لآدم عليه السلام فمن آدم وما قدره عند ربه عز وجل ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾6 (البقرة: 34) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ، وفي الآيات الأخرى وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمئ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحه فقعوا له ساجدين ﴿فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.

فهذا يدل على مكانة آدم عليه السلام ونحن بنوه فالله أسجد لآدم عليه السلام ملائكة الرحمن ملائكته. وهذا تعزيز وتكريم وتشريف لآدم عليه السلام فهل وعى الإنسان ذلك هل وعيت أن الله أمر ملائكته الذين لم يقع منهم معصية لربهم أمرهم بالسجود لأبيك آدم عليه السلام فهل بعد ذلك يرفض إنسان السجود لله رب العالمين

أو يتعالى إنسان عن السجود لله رب العالمين أو يتكاسل أو يتقاعس عن السجود لله رب العالمين ثم لا يخفى عليكم، أن هذا السجود سجود تحية وإكرام وليس سجود عبادة. فإنَّ العبادة لله وحده فسجدوا لآدم طاعة لله عز وجل لم يكن هذا على سبيل التعبد لآدم وإنَّما كان ذلك امتثالًا لأمر الله عز وجل. لكن إبليس اللعين لم يعي تلك الحقيقة فرفض السجود وأباه ﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ فسجدوا إلا إبليس أبى كما ذكر الله عز وجل في الموضع الآخر وهكذا بين الله عز وجل لنا ما وقع من إبليس وأنت حينما تتأمَّل آيات سورة البقرة لا تجد فيها حوارًا دار بين الله وإبليس بخلاف ما وقع في سور أخرى كسورة الأعراف مثها فالله لم يعاتب أو يوبخ إبليس فيما جاء في سورة البقرة لم يقل له مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ كما وقع في الأعراف فذم الله إبليس ووبخه.

وقال له: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ، وفي قول ﴿الله ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ (الأعراف: 12) دليل على أن إبليس قد توجه له. الأمر بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام، وبغض النظر عن الخلاف الشهير بين المفسّرين هل إبليس من الملائكة أم من الجن وإن كان المرجح أنه من الجن كما تدل عليه آية سورة الكهف وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ﴿ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ﴾ ولأن الله عز وجل قال ولأن الله قال ﴿وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن﴾ ناره السموم.

وقال الرسول عليه الصلاة والسلام، «خلقت الملائكة من نور ﴿وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ وخلق آدم مما وصف لكم» فلم يكن إبليس من الملائكة وكما ذكر بعض أهل العلم كابن القيم رحمه الله، ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿مَا مَنَعَكَ﴾، أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بيديه. فهذا تكريم من الله لآدم عليه السلام أن يخلقه بيديه الكريمتين سبحانه عز وجل قال ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ هكذا قال إبليس مع أنَّ الملائكة أفضل منه والملائكة خلقت من نور فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم لم تقل يا ربنا قد خلقنا من نور فلما نسجد لآدم لم تقل الملائكة ذلك لأنَّها وعت أن هذا أمر من الله والأمر الذي يأتي من الله يقابل بالاستقامة على أمر الله وامتثال أمر الله عز وجل لا أن يخالف أمر الله عز وجل قال أنا خير منه هكذا بتكبره هكذا بتغطرسه هكذا بما هو عليه يرى أنه خير من آدم عليه السلام بدعوة خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ أي: والنار أفضل من الطين فأنا أفضل من آدم هكذا يزعم إبليس اللعين.

بطلان القياس مع النص وحقيقة الكبر وضوابط لفظ 'أنا'

وكان عليه أن يعلم، أن القضية في أن يأمر الله فإذا أمر الله فلا مخالفة لأمر الله. ولذلك يستفاد من ذلك أنه لا مجال للاجتهاد في معرض النص فإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل كما يقول أهل العلم إذا بلغك الخبر من كتاب الله أو من صحيح السنة عن رسول الله ﷺ فحسبك، أن تقول ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾7 (البقرة: 285) وهل ابتلي كثير من الناس بما ابتلوا به إلا بسبب ذلك حينما يؤمر أو ينهى يقول عقلي لا يستقبله أنا لا أقبل ذلك أنا أرى أن فيه كذا وفيه كذا أين أنت من الحكم الشرعي الذي صح دليله واتضح سبيله واستنارت حدته فلماذا الإعراض أو التواني عن تطبيقه وامتثاله مع أنَّ إبليس قاس قياسًا فاسدا لأنَّ الطين كما قرر أهل العلم يتسم بالرزانة، وفيه خير وبركة فيكون فيها نبات وخير والنار تتسم بالخفة وبالطيش وما إلى ذلك ثم هب أنَّ النار أفضل من الطين فهل بقي إبليس على حقيقة النار وهل بقي آدم على حقيقة الطين فهل، يعني: ذلك، أن الأصل إذا كان أفضل كان الفرع أفضل إن هذا ليس بلازم.

ولذلك قالوا لئن فخرت بآباء ذوي نسب لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا إن قلت: إن أبي وجدي من قبيلة كذا وعائلة كذا نقول ولكن من أنت ماذا فعلت هل اقتديت من آباء فهب أنَّ النار أفضل من الطين أنت فرع عن النار وهو فرع عن الطين لكنه أفضل منه لأنه يستقيم على أمر الله وحينما وقع في المعصية بادر بالامتثال إلى أمر الله عز وجل وعلم من ذلك، أن الضرر وقع لإبليس والخلل وقع منه بسبب تكبره.

ولذلك ربنا قال ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ﴾ فنعوذ بالله من الكبر فكم يضيع الكبر الناس وكم يصدهم عن الخير ولذا قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». فقال أحدهم يا رسول الله. إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسن ونعله حسن أي: فهل ذلك من الكبر. فقال: إن الله جميل يحب الجمال «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ».

الكبر بطر الحق، يعني: رد الحق وهو قد رد الحق لأنَّ هذا حق لأنَّه من الله الحق وغمط الناس ازدراؤهم واحتقارهم. نسأل الله السلامة والعافية. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ونعم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

هبوط إبليس صاغراً وخطر الاحتجاج بالقدر في المعاصي

فيا عباد الله، هكذا قال إبليس كما ذكر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قال ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ وهنا أشير إلى مسألة يتناولها بعض الناس حينما يقولون أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا لأنَّ الشيطان قال أنا خير منه. وهذا الكلام ليس على إطلاقه فالرسول عليه الصلاة والسلام، ورد عنه كلمة أنا. وقال «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ولا» فخ.

وقال أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. لكن أنا ﴿أَنَّمَا﴾ تمنع إذا قصد بها صاحبها الكبر كما قصد إبليس ذلك إذ قال أنا خير منه فهو قصد بأنا الأناة وقصد بها التكبر على آدم عليه السلام. وأما عند التعريف فلا بأس بذلك، وأيضًا إذا استأذن مستأذن على آخر وطرق بابه. فقال له: من على الماء قال أنا فهل استفاد من في داخل البيت شيء

هل استفاد شيئًا لم يستفد. ولذلك في حديث جابر رضي الله عنه كما في الصحيحين لما استأذن الرجل. وقال له الرسول من قال أنا قال أنا كأنه كرهها لأنَّها لم تفد من في داخل البيت شيئًا فحينئذ لا تقال في مثل هذه المقامات قال ﴿أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ ﴿قال فهبط منها فما يكون لك، أن تتكبر فيها هذه﴾ (الأعراف: 13) المكانة.

وهذه الدار القدسية لا تكون للمتكبرين فلا ينبغي أن تكون ﴿فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ﴾ ٱلصَّٰغِرِينَ بسبب ما صنع وبسبب تكبره على آدم عليه السلام وهو في الحقيقة لم يتكبر على آدم فقط وإنَّما استعلى على أمر الله لذلك ربنا قال ﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أخرني إلى يوم القيامة كما قال أيضًا أرأيتك هذا الذي كرمته عليه كرمت عليه أرأيتك هذا الذي كرمت عليه لئن أخرتني ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ومعنى لأحتنكن ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهنا قال في الأعراف ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ﴾ يقسم إبليس بعزة الله عز وجل وبعضهم يقول.

بل هي الباء السببية. ولذلك في آية الحجر قال ربي ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهنا خطأ ارتكبه إبليس لأنَّ الله عز وجل بيده الهداية والاضلال. لكن لا ينبغي أن يرتكن الإنسان في المعصية إلى قدر الله فيقول: الله قدر على الخطأ أو قدر على الضلال أو قدر على المعصية وإنَّما.

الأمر كله لله. لكن الشرع لا ينسب إلى الله تأدبا مع الله. وهذا معنى والخير كله في يديك والشر ليس إليك لكنه يقول بما أغويتني أهكذا يا إبليس تتذكر ربك في جانب الخواية، ولم تتذكره فيما أنعم عليه من النعمة التي لا تعد ولا تحصى، وفي سورة الأعراف قال ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾، ولم يقل لأقعدن لهم على صراطك ﴿أَنَّمَا﴾ قال لأقعدن لهم صراطك قالوا: لأنَّ القعود هنا ضمن معنى اللزوم أي: لألزمن صراطك المستقيم لن أفرضه.

بل أنا واقف عليه مترصد لكل من يسير عليه حتى أغويه وأضله عن صراط الله المستقيم. ولذلك لما قيل للحسن البصري أو ينام إبليس قال لو نام لا استرحنا أوينام إبليس قال لو نام لا استرحنا. فقال ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ يا أيها الإخوة الكرام بقي شيء من قصة آدم عليه السلام نرجئه للدرس أو للخطبة المقبلة بإذن الله اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أقسم لنا من خشيته ما تحول به بيننا وبين معصيته، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمنا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا من الفتن أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 30 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 33 ↩
  5. آية: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 120 ↩
  6. آية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 34 ↩
  7. آية: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 285 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة