مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قصة أصحاب السبت

خطب · الدرس 208 من 342 · 51 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. تشخيص أزمات الأمة وعلاج أسبابها الحقيقية بالتوبة
  2. سياق قصة أصحاب السبت والابتلاء بالحيتان
  3. سنة الاستدراج وابتلاء العباد بتضييق الحلال وتيسير الحرام
  4. حيل أهل السبت ومواقف الطوائف الثلاث تجاه المعصية
  5. نجاة المصلحين وعقوبة المسخ لقردة خاسئين والتحذير من الحيل
  6. سفينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من خديعة
التفريغ النصي الكامل للدرس

تشخيص أزمات الأمة وعلاج أسبابها الحقيقية بالتوبة

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إن القلب ورب الكعبة ليحزن لما يرى من حال المسلمين في تلك الأيام وما تمر به بلادنا في هذا الزمان ونسأل الله جل وعلا أن يرفع الغمة عن هذه الأمة، وفي الوقت الذي يحزن فيه الإنسان لا يتعجب، ولا يستغربه لأنَّ هذه سنة الله سبحانه وتعالى، إذا ما خالف العباد وعصوا ربهم سبحانه أو وقع بعضهم في المعصية.

فإنَّ الله سبحانه وتعالى، وما به يتعظون. وقد قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال سبحانه ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فما نبتلى، يا أيها الإخوة الكرام، يا أيها الإخوة الكرام، ومن العجيب أن أكثر الناس في هذه الأيام لا يُرجعون الأمر إلى الأسباب الحقيقية وإنما يُرجعونها إلى أمور عرضية ظاهرية سرعان ما تذهب ويبقى السبب هو السبب ويبقى المرض هو المرض وتمر الأيام وتدور الأزمان والخلل هو الخلل. ومع ذلك لا يتركه كثير من الناس إلا من رحم رب الناس جل وعلا.

يا أيها الإخوة الكرام، أرأيتم لو أنَّ مريضًا منا إلا أن وصف له وصفة تكون سببًا في إذهاب هذه السخونة عنه فذهبت السخونة شيئًا ما. لكن المرض ازداد وازداد لماذا؟ لأنه ما عالج المرض الأصلي ﴿أَنَّمَا﴾ نظر إلى عرض ظاهري ليداويه أفعالج العرض وبقي السبب كما هو فهل ترون هذا دواء وهل ترون هذا إصلاحًا أرأيتم يا أيها الإخوة الكرام لو أنَّ المياه انقطعت عن واحد منا في بيته، ولم تعد ثمة مياه في بيته فجاءه جاره وجاء له بدلو من الماء ليشرب منه أهله فشرب من هذا الدلو إلى أن انتهى ثم بعد ذلك عادت الأزمة إلى ما كانت عليه يريد أن يعالج.

الأمر وأن يعود إليه الماء كما كان فهل العلاج في أن يُؤتى بدلو ليشرب منه وليشرب منه أهله دون أن يبحث عن السبب الحقيقي الذي كان سببًا في انقطاع الماء ولو كان مدركًا عاقلا لبحث عن سبب انقطاع الماء حقيقة لماذا انقطعت وهل هناك شيء في الموتور مثلًا وهل هناك شيء عليه أن يصنعه حتى يداوي السبب الحقيقي، وكذلك الرجل الذي تعطلت الكهرباء عنده أو كانت تأتي وتذهب، تأتي أحيانًا فكان ذلك سببًا في إحراق بعض الأجهزة عنده فأتى برجل متخصص من أهل الكهرباء فماذا صنع

أصلح له الجهاز المعطل وأصلح له الجهاز المعطل الآخر لكنه ما بحث عن السبب الحقيقي الذي أدى إلى إفساد تلك الأجهزة فينصرف هذا الرجل الذي قد أصلح شيئًا ويرجع الفساد إلى ما كان عليه لأنه ما عالج السبب الحقيقي وآفتنا في هذه الأيام أننا نريد علاج أعراض، ولا نريد علاج أسباب لا نبحث عن الأسباب الحقيقية التي أضرت بالأمة وأوقعتها فيما أوقعتها فيه وإنَّما نبحث عن أمور عرضية يذهب فلان ويجيء فلان وتنقضي مشكلة كذا وتأتي مشكلة كذا وتحل أزمة كذا وتأتي أزمة كذا ويبقى.

الأمر على ما هو عليه عباد الله. إن السبب الحقيقي لهذه الأمور التي تمر بنا وتلك المصائب التي تتوالى علينا سلمنا الله منها ذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا وتفريطنا في جنب ربنا لماذا لا نريد الصدق مع أنفسنا لماذا لا نريد مصارحة أنفسنا هذه هي الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين بالله عليكم من قدر على الفساد أفسد، ومن قدر على الظلم ظلم ومن قدر على البغي بغى ومن قدر على الغش غش ومن قدر على الكذب كذب إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، فهل بهذا يعز الله تلك الأمة

ويرفع شأنها ويعلي قدرها ومكانتها إننا نحتاج إلى التوبة الصادقة إلى توبة صادقة من الحاكم والمحكوم من الراعي والرعية من المسؤولين، ومن ورائهم توبة صادقة من الجميع وعودة حميدة إلى شرع ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يتجرد الجميع فيها لله ويعمل الجميع فيها إخلاصًا لله وإعلاء لكلمة الله لا من أجل كذا ولا من أجل كذا لا من أجل مصلحة خاصة، ولا من أجل حزبية وهمية وإنَّما من أجل نصرة دين الله سبحانه وتعالى، وحينئذ ترتقي الأمة ويرتفع قدرها حينئذ نتنفس هذا النفس الطيب.

وذلك الهواء الذي نريده. نسأل الله جل وعلا أن يأذن بفضله وبحلمه وأن يرزقنا من نعمه وخيره عباد الله وحتى لا أطيل في التقديم، رأيت أن أذكر نفسي وإخواني في هذه الخطبة بقصة من قصص القرآن الكريم، نأخذ منها العبر والدروس والفوائد والعظات، ولنعلم ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ﴾ نستفيد من القصة فوائد كثيرة تتعلق بواقعنا وكيف نستطيع العلاج وكيف نقوى عليه بفضل الله سبحانه قصة معروفة لدى الكثيرين لكنَّها غائبة في الحاضر عند الأكثرين إنها قصة أصحاب السبت وقصة أصحاب السبت قد ذكرها الله جل وعلا في بعض المواضع مجملة وذكرها في بعض المواضع مفصلة فجاء تفصيلها في سورة الأعراف وأجملها الله في سورة البقرة.

فقال. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾. وأما في سورة الأعراف فجاء تفصيلها في قول الله سبحانه ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾5 (الأعراف: 163) ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ ربنا سبحانه وبحمده يقول للنبي محمد صلوات ربي وتسليماته عليه ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ بني إسرائيل يا رسول الله وألَّا يُذيعوا.

سياق قصة أصحاب السبت والابتلاء بالحيتان

الأمر الذي بينه الله سبحانه وبحمده ﴿وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فكانوا يقولون تكاتموا فيما بينكم تلك الأخبار التي جرت للسابقين لئلا يقول المؤمنون قد فعلتم وفعلتم. وقد أجرم أسلافكم. وقد كذب أسلافكم.

وقد جحد أسلافكم. وقد عوقبوا فكانوا صلى الله عليه وآله وسلم أو أمر الله نبيه محمدًا ﷺ وهو النبي الأمي الذي لا يقرأ، ولا يكتب فأنَّى له أن يتعرف على تلك الأخبار، وعلى هذه الحوادث والوقائع التي جرت لهم إلا إذا كان الذي أعلمه بذلك هو ربه سبحانه وتعالى. ولذلك في هذه القصة كغيرها من قصص القرآن الكريم التي تدل على صدق النبي الأمين صلوات ربي وتسليماته عليه ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ﴾ أسألهم سؤال التقريع والتوبيخ ليعلموا أن أسلافهم كانوا كذبة.

فإنَّ كذبوا فهم يتبعون أسلافهم وأن أكثر أسلافهم كانوا على الجحود، وعلى التكذيب بآيات الله وعن الإعراض عن طاعة الله لذكره ربنا سبحانه وبحمده. وهذا فيه أنَّ: المقصود من القصص القرآني أخذ العظة والعبرة لا سرد الأسماء فكم يحفظ الناس من أسماء، ولا يستفيدون من أوصاف تلك الأسماء، ولا من حقائق تلك الأسماء فأغفل الله أو ترك الله، ومن المعروف أنَّ القرى التي تكون قريبة من الشواطئ ستعمل في مهنة الصيادة أو في مهنة الاصطياد فصيد الأسماك أيسر عليها من العمل في أمر آخر فلذلك سيكون مورد رزقهم الاصطياد والأكل من الأسماك وبيعها وشرائها قال الله عز وجل: ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ﴾ أي: إذ يتجاوزون في الحد ويعصون الله سبحانه، ولا يطيعونه في تعظيم أمر السبت ويوم السبت.

وذلك أنَّ الله سبحانه جل وعلا قد حرم عليهم الاصطياد يوم السبت وأباح لهم أن يصطادوا في بقية الأسبوع فحلال لهم أن يصطادوا في ستة أيام وحرام عليهم أن يصطادوا في اليوم السابع وهو يوم السبت حرم الله عز وجل عليهم الاصطياد في ذلك اليوم وخفف الله عز وجل عن هذه الأمة أمة محمد ﷺ فنحن إذا كان عيدنا يوم الجمعة فليس معنى ذلك، أن العمل يوم الجمعة محرم.

بل إن العمل يوم الجمعة حلال وجائز، ولا مانع منه فالممنوع أن يترك الإنسان صلاة الجمعة وأن يترك خطبة الجمعة ثم يتوجه إلى البيع والشراء لكنه إذا صلى فحينئذ يجوز له أن يبيع وأن يشتري. وهذا من فضل الله وتيسيره على أمة محمد صلوات ربي وتسليماته عليه. ومع ذلك فبعض الناس يترك صلاة الجمعة ويترك غيرها من الصلوات، ولا يتقي الله جل وعلا ربه في تلك الفريضة التي افترضها الله عز وجل عليه قال الله سبحانه: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ إذ تأتيهم حيتانهم تلك الأسماك الكبيرة العظيمة التي تميل إليها النفوس وتشرئب إليها الرؤوس هذه الأسماك وتلك الحيتان تأتي وتصير شرعًا أي: ظاهرة واضحة بادية على الشاطئ في يوم السبت، وفي غير يوم السبت لا يجدون شيئًا من تلك الأسماك لا يجدون شيئًا من تلك الحيتان إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا تأتيهم كالشُّرُعِ ظاهرة بادية فيرونها أمام أعينهم يوم السبت وهي قريبة منهم وبإمكانهم أن يصطادوها وأن يضعوها في الشباك.

لكن ذلك في اليوم المحرَّم الاصطياد فيه وهو يوم السبت وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ في غير يوم السبت في الأيام الستة الباقية لا يأتيهم شيء من الحيتان يضعون الشباك في البحر وترجع الشباك فارغة دون أن تمتلئ بشيء من الأسماك أو الحيتان أمر عجيب ستة أيام لا يجدون ما يبغون لا يجدون ما يطلبون، وفي اليوم المحرَّم الاصطياد فيه يجدون بغيتهم وزيادة عما يبغون ويريدون وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ فهل ظلمهم الله بذلك

الجواب لا هل ظلمهم الله بذلك الجواب لا بدليل أن الحلال ابتداء كان أكثر، وأن المباح ابتداءً كان أكبر، فستة أيام اصطادوا وكلوا وأنعموا، وفي يوم واحد لا تصطادوا. إذن المباح أكثر، الحلال أكثر ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾. وقال ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ولذلك استدل الأصوليون بهذه الآيات وغيرها على القاعدة المشهورة لدى الجمهور وهي أن الأصل في الأشياء الإباحة فالأصل في الأشياء أنها حلال والذي يأتي ويقول إن هذا الشيء حرام عليه أن يأتي بالدليل فالحلال أكثر والحلال أكبر والحرام قليل والحرام محدود لذلك ترى الآيات التي ذكر فيها التحريم جاءت مبينة مفصلة لأنَّ الحلال أكثر فجاء مجملة. وأما الحرام ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ الآية الكريمة قال الله سبحانه ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ لا تأتيهم، كذلك نبلوهم إنه البلاء بلاء نعم ضُيِّقَ عليهم أمر الحلال، ووُسِّعَ ويُسِّرَ لهم أمر الحرام وتمردوا على طاعته وتركوا ما أمرهم الله به وخالفوا أمر الله سبحانه فمن أجل ذلك وسع عليهم وسهل لهم أبواب الحرام وضيق عليهم أبواب الحلال نعم له في ذلك آيات قد يظن ظان، أن الذي يرتكب الفسق وأن الذي يرتكب المعصية سيضيق عليه من أول.

الأمر لأنَّ هذه عقوبة المعصية. لكن الله جل وعلا بين في هذا الموضع، وفي غيره من آيات القرآن الكريم والذكر الحكيم أنه قد يفتح على أولئك الفاسقين. وقد يفتح على العاصين من باب الاستدراج حتى إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ألم يقل الله سبحانه ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام، «إذا رأيتَ اللهَ يُعْطِي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج». وقال ﷺ: «كما في الصحيحين إن الله لَيُمْلِي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِتْه ثم قرأ هذه الآية ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وهكذا يا أيها الإخوة الكرام نرى بعض من ترك الحلال وأقبل على الحرام يوسع له في جانب الحرام أنت تركت الحلال مع وجوده مع توفره مع يسره وأقبلت على الحرام خذ الحرام الحرام أمامك». وتغلق أبواب الحلال في وجهك ويزداد من الحرام حتى يأخذه الله أخذًا شديدًا وكثير من الناس في تلك الأيام إلا من رحم الله جل وعلا ربما يغتر بمثل ذلك فيرى أنَّ أبواب الحلال في وجهه مضيقة وأن المفتوح أمامه بعض المعاملات المحرمة من الربا وما إلى ذلك فيتعامل ويتحايل ويظن، أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يستطيع به جلب رزق وهو في حقيقة

سنة الاستدراج وابتلاء العباد بتضييق الحلال وتيسير الحرام

الأمر سبب هلاكه ونسأل الله السلامة والعافية. ابتلاء، إذا ما استفيد من ذلك، أن التوسيع والتضييق ابتلاء وامتحان. ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ﴾. ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ﴾ كلا، كلا، ليس كما تزعمون فقد يوسع الله على من يكرهه. وقد يضيق الله على من يحبه فليس الإعطاء دليل حب وليس المنع دليل كراهية كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ يُبتلى العبد. يا عباد الله، فقد يرى الحرام أمامه سهلًا ويرى الحلال والوصول إليه دونه بعض المشاق فيتعجل ويأكل الحرام ويترك الحلال إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، قال جل وعلا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ﴾ (المائدة: 94) الله سبحانه وبحمده قد حرم على الحجاج المحرمين، أن يصطادوا ذلك الصيد وهم محرمون فلا يجوز للمحرم، أن يصطاد صيدًا بريًّا وهو في الحرم لا يجوز له ذلك ترى الرجل الحاج جائعًا يريد أن يأكل، ولا يجد طعامه وأمامه صيد يتمكن من صيده والصيد قريب منه يكاد يمسك به بيده ومعه رمحه يستطيع أن يرميه وأن يأكل منه أكلًا شهيًّا وأن يبيع منه ما يشاء.

لكن الذي يمنعه الخوف من الله سبحانه وتعالى، فهو أمام عينه ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ﴾ فترى الحلال يحتاج إلى مشقة يحتاج إلى سفر يحتاج إلى ذهاب وإياب وآخر يعرض عليك عرضًا يقول لك: ستكسب حلالًا بطريقة ميسورة كذلك الذي يجري أو كهذا الذي يجري في تلك الأيام من كثير من المعاملات التي تُجرى عبر الشبكات العنكبوتية من هذه التي يقولون عنها الشبكات الهرمية وما إلى ذلك من تلك الأمور المحرمة التي لا تخلو من غرر ومن ربا وحَرَّمَها أهل العلم لكنَّه يجد الكسب ميسورًا وسهلًا بدلًا من أن يكد ويكدح ويذهب ويأتي كل ذلك يبتليه الله به ليعلم من يخافه بالغيب.

وقال الله سبحانه أيضًا ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ نهر أمام أناس عطاشى يحتاجون إلى الشراب أمام قوم يريدون شربة ماء ﴿قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾ هذا النهر الذي أمامكم ابتداء فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى هو عطشان.

لكن هذا ابتلاء، ومن لم يطعم ﴿فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ﴾ من يده قدر حاجته تسد ظمأه وتسد ما يحتاج إليه ﴿فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ يشرب شربة، يغترف غرفة من ماء عذب فإذا به يقول أريد الأخرى وأريد الثالثة أريد الرابعة فما الذي، ومَنْ الذي سيمنعه عن الارتواء من ذلك النهر إنه الخوف من الله سبحانه وتعالى، كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ.

وهذا فيه أنَّ: الفسق. يا عباد الله، سبب في تضييق أبواب الحلال فإذا سألت وقلت سبحان الله أرى بركات في الرزق ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وكنت أرى سهولة في العيش وأرى أبواب الحلال أمامي مفتحة والآن أراها مغلقة أتجه إلى باب فأجده مغلقًا وإلى الثاني فأراه مغلقًا، ولا أرى أمامي إلا الحرام أو الشبهة أقول لك: راجع نفسك فلعل ذلك بسبب معصيتك وبسبب خروجك عن طاعة الله وبسبب وقوعك في معصية الله ولو تبت إلى الله لتاب عليك ورزقك الله جل وعلا من فضله وإذا كان هذا للأفراد فكذلك هذا للجماعات.

وهذا للبلاد وللأمة إذا ضُيِّق على الأمة في أمر معاشها ضيق عليها في أمر مائها وفي أمر كهربائها وفي أمر بنزينها في أمر من الأمور فلتراجع صحيفة عملها فلعلها تكون قد اكتسبت محرَّمًا وتعاملت معاملات محرمة فحاربت الله ورسوله فضيق عليها بسبب ذلك منابع الحلال وفتح لها كثير من أبواب الحرام. نسأل الله السلامة والعافية إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ فماذا كان من شأنهم وماذا كان من أمرهم يتعجبون في يوم السبت نرى الأسماك ظاهرة بادية على الشاطئ، وفي غيرها من أيام الأسبوع لا نرى الأسماك لا بد أن نحتال بحيلة لا بد أن نصل إلى الهدف لا بد أن نصل إلى المقصود قال بعض العلماء: ارتكب بعضهم الحرام عمدًا فاصطادوا يوم السبت قالوا لا يضيرنا، ولا يضرنا سنصطاد يوم السبت ولو كان حرامًا علينا لأننا في حاجة إلى الأسماك، ولا نجدها إلا في ذلك اليوم واحتال آخرون.

فقالوا نحن لن نصطاد في يوم السبت وإنَّما سنضع الشباك ليلة السبت سنضعها يوم الجمعة أو ليلة السبت قبل مجيء السبت في الليل قبل مجيء صباح السبت ثم لا نأخذ الشباك إلا يوم الأحد وحينئذ سنأمن أن الأسماك وأن الحيتان قد دخلت في تلك الشباك فنكون قد وضعنا الشباك قبل السبت وأخذناها بعد السبت فلم نقع في المحذور، ولم نرتكب المحرمات.

حيل أهل السبت ومواقف الطوائف الثلاث تجاه المعصية

وقال عدد من أهل العلم حفروا حُفَرًا فكانت تلك الأسماك والحيتان تخرج عن شاطئ البحر لتصل إلى داخل القرية ثم ترجع مرة ثانية فحفروا الحفر ووضعوا فيها تلك الشباك ليحققوا أهدافهم وهم يظنون بذلك أنهم لا يحتالون على الأحكام الشرعية، ولا يقعون في محظور شرعي وهيهات! فاصطادوا وقعوا في المحرم فعاب عليهم قوم من أهل الإيمان عاب عليهم الصالحون عاب عليهم أولئك ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ اتقوا الله.

إن الله سيعاقبكم. إن الصيد في يوم السبت حرام. إن تلك حيلة محرمة إنكم ارتكبتم ما حرم الله وسيعاقبكم الله جل وعلا. وقالت طائفة منهم أخرى ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 164) إذًا نحن نرى هناك فرقة ثالثة على القول المرجح لدى أهل التفسير إذ منهم من قال هما فرقتان والصحيح أنهم كانوا ثلاث فرق.

أما الفرقة الأولى فهي التي وقعت في المحرَّم والثانية أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر والثالثة: قالت للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ يهوِّنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا فائدة من دعوتكم، ولا فائدة من وعظكم لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا … وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ أو كما قالوا يقولون لهم لا فائدة من وعظكم خلوهم وما يصنعون.

فإنَّ الله سيهلكهم فأجاب ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ قائلين معذرة إلى ربكم، وفي القراءة الأخرى وهي متواترة معذرة إلى ربكم نعم فعلنا معذرةً إلى ربنا أو نفعل معذرة إلى ربنا نريد أن نعتذر إلى الله. وهذا فيه أنَّ: الله سائلهم عما فعلوا سيقول للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ماذا صنعتم حينما رأيتم الناس يَغْوُونَ حينما رأيتم الناس يعصون فحينئذ سنعتذر إلى الله ونقول يا رب بلغنا وحذرنا وزجرنا ونبهنا ولعلهم يتقون ما يدرينا؟ لعل واحدًا منهم يتعظ لعل آكلًا لهذه الأسماك لعل صائدًا لتلك الحيتان يرجع إلى ربه ويقلع عن غَيِّه فنكون بفضل الله سببًا في توبته أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، فالفرقة الثالثة تقول للفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر لا فائدة من وعظكم لا فائدة من زجركم لهم هم مستمرون على ما هم عليه فأريحوا أنفسكم وصمم ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ أن يبلغوا شرع الله وأن ينهوا الناس عن معصية الله وأن يأمروا بطاعة الله سبحانه وتعالى، فأمروا ونهوا وأطاعوا الله سبحانه ﴿وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ وبقي أولئك المصطادون أو الصائدون للأسماك على ما هم عليه يصطادون ويأكلون ويبيعون، ولا ينزجرون، ولا يخافون من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ بسبب احتيالهم وظنهم أنهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ كما قال كثير من أهل العلم تصوَّروا أنهم ما ظلموا وأنهم ما بغوا هم لا يصطادون في السبت ﴿أَنَّمَا﴾ يضعون الشباك قبلها ويحملونها بعدها قال الله سبحانه فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ أي: تركوا ما ذكروا به وتعاملوا معاملة الناسي الذي لا يتذكر شرع الله ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ أنجاهم الله فأنجاهم الله سبحانه فلم يقع لهم عذاب، ولم يقع لهم مسخ كما جرى لأولئك الذين ارتكبوا المحرمات.

نجاة المصلحين وعقوبة المسخ لقردة خاسئين والتحذير من الحيل

وقد ذكر بعض المفسّرين أنهم لما رأوا المرتكبين للمحرمات مستمرين قالوا لا نجالسكم فلم يتعرّفوا عليهم: مَن هؤلاء القردة؟ وأين فلان وفلان من أقاربنا، ومن أصدقائنا الذين كانوا على الصداقة لكننا تركناهم لما عصوا الله أين هم فيأتي القرد ويقول لفلان ﴿إِلَّا﴾ تعرفني؟ فلان بن فلان ابن عمك، ابن خالك، ابن خالتك، للآمرين بالمعروف

والناهين عن المنكر كما قال الله سبحانه ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. وقال الله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، ولم يقل وأهلها صالحون الصلاح وحده لا يكفي وإنَّما وأهلها مصلحون والمصلح هو الصالح الذي يصلح غيره قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾.

جعلنا الله من المصلحين بمنه وكرمه. وأما الرجل الصالح إذا وجد في قوم وكثر فيهم الخبث فقد يهلك مع الهالكين. وقد جاء عن النبي الأمين صلوات ربي وتسليماته عليه حينما قال «ويل للعرب من شر قد اقترب» «فُتِحَ اليوم من رَدْمِ يأجوج ومأجوج مثل هذه». فقالت له زينب رضي الله عنها يا رسول الله «أنهلك، وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر» الخبث.

وقال الله ﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ قال الله: ﴿أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ سماهم الله ظالمين نعم هم ظالمون فالمحتال ليقع في الحرام ظالم الذي يحتال على شرع الله ظالم. بل قد قال بعض العلماء: إن الذي يحتال على ارتكاب المحرمات ليقع فيه أشدّ جرمًا ممن يقع في المحرم ابتداء لأن الذي يحتال يخادع الله يخادع الله فجمع بين ارتكاب محرم وبين خداع الله فهو أشدّ إثمًا وأكبر ظلمًا.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما حسنه بعض أهل العلم «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحل محارم الله بأدنى الحيل» «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» كثير من الناس في هذا الزمان يحتال على شرع الله بأمور كثيرة فيقع في الأمور المحرمة ويظن أنه ليس بواقع في المحرم كهذا الذي يحتكر وكهذا الذي يغش ويظهر للناس أنه ليس بغاش وإنَّما يطلب حقًا من حقوقه وليس بحقه وإنَّما هو حق الآخرين قال الله سبحانه فلما عتوا عما نهوا عنه عتوا وتمردوا عما نهوا عنه قال بعضهم: أي: عن ترك ما نهوا عنه ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ مبعدين صاغرين صيرهم الله قردة قال بعض العلماء: لأنَّ القرد في صورته يبدو كأنه صورة إنسان لكنه في حقيقة

الأمر ليس بإنسان وليس هذا تأييدًا لتلك النظرية الفاجرة الباطلة التي تقول: إن أصل الإنسان قرد فهي نظرية باطلة ليست صحيحة. لكن القرد فيه شبه بالإنسان فجعل الله صورتهم صورة قرد يبدون كأنهم من بني آدم. نسأل الله السلامة والعافية. وسكت الله سبحانه عن الفرقة الثالثة فلم يبين لنا إلى ما صار أمرهم هل هم من الناجين هل هم من الهالكين واختلف أهل العلم فيهم، ومن أفضل ما يقال في

ذلك سكت الله عنهم لأنهم لم يفعلوا مثل ما فعل ٱلْـَٔامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ، ولم يرتكبوا الحرام وآخرون قالوا إنهم قد نجوا وهكذا، يا أيها الإخوة الكرام، في هذه القصة بيان، أن الحيل محرمة وأن ما يحتال به كثير من الناس ليصلوا به إلى أمر محرم فهو محرم وإن زعموا أنه حلال وأن النجاة من أسبابها.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

سفينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من خديعة

فليتقِ الله أناس يتخاذلون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحن ركاب سفينة واحدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة» فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا مروا على من فوقهم إذا أرادوا أن يشربوا الماء مروا على من فوقهم.

فقالوا لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا حتى لا نؤذي من فوقنا ﴿تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾، ومن المعلوم يا أيها الإخوة الكرام أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط وقواعد فيؤمر بالمعروف بعلم ومعروف وينهى عن المنكر بغير منكر ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالرفق والحلم حتى يصل المسلمون إلى ما يريده منا رب العالمين جل وعلا.

يا أيها الإخوة الكرام، إن تلك الصعوبات التي تمر بها أمتنا لا علاج لها إلا بالعودة الصادقة إلى كتاب الله وإلى هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، بأن نأمر بالمعروف بمعروف وأن ننهى عن المنكر بغير منكر وألَّا نحتال على شرع الله لا تُغيَّر الأسماء، لا تُحرَّف الألقاب الألقاب هي الألقاب والأسماء هي الأسماء فإذا غيَّرنا الأسماء نكون قد احتلنا لنحوِّل الحرام إلى حلال وهيها أن يصلح.

الأمر فالديمقراطية ديمقراطية لا تكون يومًا الشريعة الإسلامية والخروج خروج لا يكون يومًا مظاهرات صحيحة مقبولة وهكذا المرفوض يبقى مرفوضًا والباطل يبقى باطلًا والحق حق فمن أراد الحق فليلزم الطريقة الحقَّة ويمتثلها وليتبعها ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ رحم الله من قال من سلفنا كان أحدهم لا يحك رأسه أو قال إذا استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل في كل خطوة، وفي كل حركة في كل كلمة في كل سكنة أو كل شيء يصدر من نفسك أهذا يرضي الله أهذا يسخط الله.

فإنَّ كان يرضي الله فافعل وإن كان يسخط الله فلا تفعله لا تنظر أخي الكريم لا تقول إنهم فعلوا وفعلوا لا بد أن نرد عليهم بمثل صنعهم. بل اتبع الحق والله مؤيدك والله ناصرك. نسأل الله أن يلهمنا رشدنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منَّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا»، اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم احقن دماء المسلمين اللهم أصلح ولاة أمر المسلمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 163 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة