قصة ابني آدم عليه السلام
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله وعونه وتوفيقه مع هذه السلسلة من قصص القرآن الكريم.
وقد انتهينا في لقاءات سابقة من الحديث عن قصة آدم عليه السلام وبقي لنا أن نتعرض لقصة ابني آدم عليه السلام كما جاء ذكرها في سورة المائدة قال الله وهو أصدق القائلين ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ ﴿فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ قال: يا ويلتا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ
﴿هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ﴾ ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾. ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ هذه قصة ابني آدم كما جاءت في القرآن الكريم والمتأمَّل! في هذه القصة وسياقها يا أيها الإخوة الكرام يجد أن الله سبحانه وتعالى، ذكرها بعد قصة أمر الله سبحانه وتعالى، لموسى عليه السلام بأن يأمر قومه بدخول الأرض المقدسة ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ إلى آخر هذه القصة الكريمة وهناك صلة وثيقة ورابط واضح وجلي بين قصة بني إسرائيل وإعراضهم عن الاستجابة لموسى عليه السلام وبين ما وقع من ابني آدم مع أخيه ذلكم، وكذلك فابن آدم اعترض على حكم الله حينما تقبل الله قربان أخيه، ولم يتقبل قربانه.
فقال له لأقتلنك وكأنه يقول إنني معترض كيف قبل الله قربانك، ولم يقبل قرباني كذلكم ففي قصة موسى عليه السلام دليل على الأخوة الصادقة وهو يقول ﴿رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ فشتان بين الكليم موسى عليه السلام وهارون من جهة وبين ما جرى من ابني آدم حينما يتجرأ على أخيه فلا يحسده فحسب.
بل يقتله أعاذنا الله من الشرور كلها. فهذا اتصال بين هذه القصة وتلك كذلك. فإنَّ بني إسرائيل قد اجترأوا على محارم الله وأحجموا عما عليهم أن يقدموا عليه فالله أمرهم بالإقدام وهم أحجموا وابن آدم منهي عن الإقدام ولكنه أقدم على قتل أخيه، ففرق بين هذا وذاك. وهذه الآيات كلها في سورة المائدة وهي من آخر سور القرآن نزولًا.
وقد نزلت في مدينة رسول الله ﷺ ولليهود في هذا ما لهم من الحسد والحقد على دعوة الرسول ﷺ وكأن الله يقول لهم لا تحسدوا رسول الله، ولا تحقدوا عليه ما يضيركم، أن يكون محمد من العرب أو من غيرهم هو رسول الله حقًا وهو نبي الله صدقًا فاتبعوه، ولا تحسدوه، ولا تكونوا مثل ابن آدم الأول الذي حسد أخاه فوقع في جريمة القتل، وفي ذلك، أن الحسد يترتب عليه من الشرور أمور كثيرة.
وقد يقال إنها أول معصية عصى بها ابني آدم ربه سبحانه وتعالى، على الأرض ذلكم، أن ابني آدم وقع في الحسد ثم أتبع الحسد بالقتل. وقد قالوا: إن أصول المعاصي ثلاثة، إن أصول المعاصي التي يقع فيها عموم الناس ربما يمكن إرجاعها أو ردها إلى ثلاثة، إما حرص على دنيا، وإما كِبْر، وإما حسد، والذي وقع من إبليس هو الكبر، والذي وقع من آدم عليه السلام حرص على الشجرة أو على الخلد، وعلى الملك لكنه تاب وآب إلى الله وتقبل الله توبته ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ كما تقدم بيان ذلك والحسد.
وقد وقع من ابني آدم وأيضًا فقد وقع من إبليس الحسد فهو حسد أبانا آدم عليه السلام وابن آدم حسد أخاه فوقع منه القتل والإسراف، قال الله سبحانه ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ﴾ بني آدم بالحق واتلوا عليهم هذا فيه أن من مهمات الرسول صلوات الله وتسليماته عليه تلاوة القرآن فتلاوة القرآن عظيمة أيم عظمة ولذا قال الله ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ﴾ [تُراجع الكلمة الأخيرة في التسجيل].
ولذلك تكرر في القرآن ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ﴾، ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ﴾، ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا﴾ قال الله واتلوا عليهم نبأ بني آدم فالذي يتلى ﴿أَنَّمَا﴾ هو حق لأنه من عند الله الحق وقصص القرآن كله حق ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ هو حق لأنه لا باطل فيه ولا تزييف فيه ولا زيادة فيه ولا نقصان منه ﴿أَنَّمَا﴾ يقال الحق والعدل فهو خبر حق وصدق من الله الحق سبحانه وتعالى، وكذلك فقصص القرآن لمقاصد حقه ولأغراض سامية من أتبعها كان من الراشدين فقصص القصص لعلهم يتفكرون واتلوا عليهم نبأ بني آدم.
ولذلك قال أهل العلم إن ما قصَّه الله علينا في القرآن فهو قصص حق وواقعي ليس تمثيليًّا كما زعم بعض الناس ﴿أَنَّمَا﴾ ذكر الله فهو واقع حقيقي ولقد اختلف المفسرون في المقصود بابني آدم والذي عليه جمهور أهل التفسير أنهما ابنان لآدم عليه السلام مباشرةً، يعني: أنه ليس هناك فرق بين آدم وبينهما فهما ولداه لصلبه.
وهذا القول الآخر خطأ وليس بصحيح. والآيات تدل على ذلك وقرائن السياق تدل على هذا. فإنَّ بني إسرائيل لم يكن يخفى عليهم أمر الدفن والله قال ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. وهذا معناه: أن الدفن لم يكن معهودا، ولا معروفًا وإنَّما يكون ذلك في عهد آدم وأولاده بصلبه. ثم.
إن هذا هو الأصل في الإطلاق. إذن القصة عن ابني آدم لصلبه ويدل على ذلك أيضًا قول الرسول ﷺ كما في الصحيحين «لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفل من دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل» واتلوا عليهم نبأ بني آدم، ولم يسمِّ الله لنا اسمَي هذين الولدين والذي يذكره عامة أهل التفسير لأنَّهما هابيل وقابيل وأن هابيل هو الذي تقبل الله قربانه وأن قابيل لم يتقبل الله قربانه فالله أعلم قال إذ قربا قربانًا وقوله: إذ قربا قربانا لا يعني أن كليهما قرَّب قربانًا واحدًا ﴿أَنَّمَا﴾ قرَّب كل واحد منهما قربانًا خاصًّا به فقوله: إذ قربا قربانًا، أي: قرَّب كل واحد منهما قربانًا وهو ما يتقرب به إلى الله سبحانه من الصدقة أو النسك ونحو ذلك إذ قربا قربانا، ولم يبين الله لنا سبب هذا التقرب بالقربان فالله أعلم وما ورد في ذلك من إسرائيليات نحن في غنى عنه ولا يترتب عليه كثير عمل لذلك لم يبين الله لنا السبب والذي يذكره كثير من المفسّرين وهو من قبيل الإسرائيليات أن الاعتداء كان بسبب الاختلاف على القربان، وكان المفترض أن يتزوجها هابيل فأبى قابيل ذلك فطرح عليهما آدم عليه السلام أن يتقرَّبا إلى الله بقربان فمن يتقبله الله منه فهو أولى بذلك ولسنا في حاجة إلى مثل ذلك لأنَّ هذا لم ينص الله عز وجل عليه في القرآن الكريم.
لكن هذا مشهور ووردت به آثار عديدة وكثيرة ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ﴾ والذي عليه عامة المفسّرون أيضًا أن طريقة معرفة القبول أن من تقرب بقربان وتقبله ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فإنه تأتي نار من السماء فتأكله وحينئذ يتبين، أن الله قد تقبل قربانه ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ كما كان في حال بني إسرائيل.
وذلك أنه كذلك في باب الغنائم كما هو معروف كان يصنع بها ذلك ولم تكن تحل للأمم السابقة. لكن الله أحل لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا كما جاء عن رسولنا ﷺ وصار التقرب بالقربان بالنسبة لنا بأن يعطى للمستحقين فإذا رأيت فقيرًا أعطيت وإذا رأيت مسكينًا أعطيت، ولا تأتي نار لتأكل ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ ينتفع به الناس أنفسهم بفضل الله سبحانه وتعالى، وتيسيره لعباده وإنَّما يعرف الواحد منا القبول بما يكون قد حقق من أسباب لهذا القبول بأن يكون قد أخلص لله في عمله واتبع فيه هدي رسول الله ﷺ وأن يشكر الله على نعمائه وألَّا يكون صاحب كِبْر أو عجب أو غرور فهذه من علامات القبول، ومن علامات القبول أن يتبع العبد الحسنة بمثلها لا أن يتبعها بسيئة، ومن علامات القبول أن يرزق الله العبد انشراحا في الصدر ولذة في القلب لأنَّ الرب شكور سبحانه وتعالى، ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ﴾ والذي ذكره أيضًا جماهير المفسرين في ذلك، أن هذا قرَّب شيئًا من زرعه، بعض السنابل، ولما رأى فيها سنبولة جميلة أكلها، ولم يتركها لتكون قربانا لله. وأما الآخر فجاء بغنم عنده وليست القضية في أن هذا تقرب بكذا أو بكذا فقد جاء عن رسولنا عليه الصلاة والسلام، «سبق درهم مئة ألف درهم».
لكن القضية في الإخلاص وأن هذا يقدم ما لديه وهو يعلم أن الله غني عنه وعما يقدمه وأن العبد حينما يقدم ما لديه يريد الثواب من الله ويطلب إرضاء الله سبحانه فهو يبتغي مرضاة الله عز وجل ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ﴾ وكأن في الآية الكريمة إيجازًا وهو قال: لأقتلنك. قال: ولِمَ تقتلني؟ وهل فعلت شيئًا؟ ﴿أَنَّمَا﴾ تقبل الله مني ولم يتقبل منك ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ وكأنه يقول أنت لا تعترض عليَّ، ﴿أَنَّمَا﴾ تعترض على الله فالله هو الذي تقبل وهو الذي لم يتقبل والأمر إليه وراجع نفسك وراجع طويتك ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
هكذا بهذه الجرأة الفجة يتجرأ على أخيه ويظهر حسده الذي أضمره في نفسه فبعض الناس قد يكون لديه حسد لكنه ربما جابه الحسد وحدث بينه وبين الحسد شيء من الصراع الداخلي. أما هذا فأظهر مكنونه وتحول الحسد إلى معصية ظاهرة جلية وإلى فعل خبيث وفهم من ذلك، أن من أسباب قبول الأعمال تقوى الله سبحانه وتعالى.
وقد فسر بعضهم المتقين، أي: المتقين الشرك الذين وحدوا الله جل وعلا ومن هنا وقع نزاع أكان ابن آدم هذا كافرًا؟ قالوا لا يدل السياق على ذلك؛ [تُراجع العبارة في التسجيل لضبط السؤال والاستدلال]. وقد كان عدد من الأئمة والسادة يرحمهم الله يقولون والله لو علمت أن الله تقبل مني سجدة ما أحببت البقاء على الأرض لأنَّ الله يقول ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
ولذلك كونوا بإصلاح الأعمال أكثر اشتغالًا من الأعمال والله قال ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فالمهم، أن يتقبل الله عملك. وذلك برعايتك لشروط قبول العمل، وكذلك لابتعادك عن محبطات الأعمال نعوذ بالله من أن يحبط عملنا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [تُراجع العبارة في التسجيل؛ يوجد فساد في تفريغ مخاطبة الأخ لأخيه] ﴿أَنَّمَا﴾ الخلل فيك لو كنت من المتقين لتقبلك ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فما عليك إلا أن تتقي ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وحينها سيتقبلك الله فهو يدعوه إلى التقوى يحثه عليها.
وذلك لأنَّ التقوى حاجز ومانع منيع من أن يجترئ العبد على المعاصي أو أن يترك الواجبات ﴿أَنَّمَا﴾ يسير على طاعة الله على نور من الله يرجو ما عند الله ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [تُراجع العبارة في التسجيل لضبط المخاطبة] هل هذا الذي ينبغي لك وهكذا الحاسد فالحاسد يعمى عن الحقيقة، ولا يبصرها إذا رأى غيره مقدمًا عليه رأى أن زميله يحبه رؤساؤه في العمل ويقدمونه ويعطونه الهدايا والناس يحبونه لا يفكر إلا في التخلص من زميله بدلًا من أن يقول.
أما أراجع نفسي وأصلح عملي وأتق الله ربي وأحافظ على عملي فأكون بذلك موفَّقًا مسددا في الدنيا ثم في العاقبة في الآخرة لكنه الحسد الذي، يعني: صاحبه لا يجعله يفكر إلا في الإضرار لا يجعله يفكر إلا في الاعتداء لأنه يريد الوصول بسهولة وبدون تعب وبدون جد وبدون اجتهاد. أما من يريد أن يتقبله الله.
فإنَّ عليه البذل. فإنَّ عليه التضحية. فإنَّ عليه العمل ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾5 (العنكبوت: 69). ثم قال له مفصلا ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إن كان كلامك حقًا وصدقًا وأنت مصر على ما تزعمه من أنك قاتلي وبسطت بالفعل ومددت يدك إليَّ ﴿لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ لن اقابل ظلمك بظلم، ولن اقابل اعتداءك بمثله، ولن أقابل قتلك إياي بقتلي إياك [تُراجع الكلمة الأخيرة في التسجيل]
﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يقولها مصرحًا بها لا تظن أنني ضعيف لا تظن أنني لا أقدر على الثأر منك وعلى الاعتداء عليك أو سبقك في القتل لدي قوة ولدي قدرة لكنني أخاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فلا أجترئ على انتهاك المحرمات، ولا أكون سببًا في قتلك أو لا أكون قاتلا لك ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ما أجملها من جملة ما ألذها من عبارة، أن يشعر الإنسان بأنه يخاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ما أعظمه من كلام ذكره الله عن ابني آدم ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، أن تُعلن بقلبك وجوارحك أنك تخاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ بإمكانك، أن تعصي الله في السر وأن لا يراك أحد لكنك تمتنع لا تمتنع عن ذلك إلا لأنك تخاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ بإمكانك، أن تفرط في الواجبات فلا تفرط يحملك على ذلك ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ تتسابق في فعل الخيرات وتستبق إليها ما يحملك على ذلك إلا أنك تخاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ جملة تهز المشاعر تحرك القلوب المخبتة ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ هذا الرجل الذي جلس من ابنة عمه وهي أحب الناس إليه وهو راغب فيها.
وقد تمكن منها. فقالت له اتق الله، «ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه» فانصرف عنها وهي أحب الناس إليه لأنه خاف ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال. فقال: «﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾» رب العالمين فالإنسان لا ينبغي أن ينظر إلى قوته وإلى شهوته على حساب دينه وإنَّما يأتمر حيث أمره الله وينتهي حيث نهاه الله ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾.
وذلك جزاء الظالمين يتوعده ويخوفه بالله لا يريد أن يقابله بالمشاكسة بالقتال أو بالمقاتلة فضلًا عن القتل ومريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام بشرا سويًّا وهي رأت أمامها بشرا سويًّا ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ فتخوف بالله سبحانه من يريد الاعتداء عليك، [تُراجع العبارة في التسجيل؛ تعذر ضبط الكلام عن القاتل والمقتول] أن أكون أنا القاتل أو أن تكون القاتل حينئذ فأنا أوثر نفسي، ولا أجترئ على ما حرم الله ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ وَإِثْمِكَ وليس معنى الآية أنه يفرح بمعصية أخيه كيف وهو يقول له ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ لئلا يشكل على أحدنا كيف يقول ابني آدم ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ وَإِثْمِكَ وهل الواحد منا يحب من غيره، أن يقع منه الظلم أو أن يقع منه الإثم
يقال لا لكنه يخوفه بذلك ويتهدده ويقول له تذكر أن الإثم سيلحقك وأن العقاب سيلحقه فلا تكن ممن يلحقه العذاب أو العقاب وقوله: ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ ما إثمه وما إثم أخيه اختلف المفسرون في ذلك فمنهم من قال ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ أي: إثم أعطاني فأنت إذا قتلتني حملت نفسك إثمه ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ وَإِثْمِكَ أي: بمعاصيك الأخرى فأنت ستتحمل معصية قتلي مع ما تقدم من معاصيك التي كانت سببًا في أن لا يتقبل الله قربانك.
وقال بعضهم: إن. المعنى ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾، يعني: لو قتلتك وإثمك في حال قتلك أي: كنت سأكون آثمًا لو قتلتك لكنك الذي تسبقني إلى ذلك. وقال آخرون: ﴿قَالَ إِنِّىٓ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَـٰتَيْنِ عَلَىٰٓ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَـٰنِىَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ لأنه يكون مظلومًا، وحينئذ يؤخذ من سيئات المظلوم لتوضع على الظالم فيطرح بها في نار جهنم. نسأل الله السلامة والعافية. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ». وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، قال له ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ تحمل نفسك إثم القتل وتحمل نفسك الآثام السابقة أو ربما تحملت عني بعض الآثام بسبب اعتدائك عليه قال له ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ﴾ جزاء الظالمين فهو يخوفه من أن يكون من الظالمين، وكذلك يوجهه إلى أن يكون من المتقين ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ قال بعضهم: طوعت سهلت وسولت ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ وكأن التعبير بالتطويع كأنه لما سمع كلام أخيه وقع له شيء من التردد لحين.
لكن نفسه الخبيثة أو الأمَّارة بالسوء غلبت تلك المواعظ التي استمع إليها فلم يستجب له فحينئذ صار قتل أخيه ميسورًا عليه كأنه منطاع لنفسه التي تأمره بالسوء. فقال ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ نفسه هي التي طوعت وسولت له ﴿قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ﴾ ٱلْخَٰسِرِينَ وقوله: فقتله أي: بسبب تطويع نفسه له هذا العمل الخبيث، وفي هذا أن النفس قد تأمر الإنسان بالمعصية فيجترئ على محارم الله ويقترف ما حرم الله دون رادع ودون زاجر فلا يلتفت إلى موعظة، ولا يلتفت إلى نصيحة.
نسأل الله السلامة والعافية. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ والآيات تذكر قتل أخيه، وأيضًا «أخيه»، ﴿فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾ ما جرأك على قتل أخيك فهو أخوك وأقرب الناس إليك «وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ» من أعظم الجرائم وأكبر الكبائر فكيف لو كان ذلك لقريب. بل لأقرب الأقربين إليك كأخيك. ولذلك فقتل ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ قتل النفس هذا من الكبائر ومحرم في الشرائع كلها.
وقد أثنى الله على عباد الرحمن ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ﴾ ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا﴾ ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. وقال، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا» من أكبر الكبائر.
نسأل الله السلامة والعافية. وهنا قد ورد إشكال وهو، أن المرء عليه أو يُشرع له أن يدفع عن نفسه الصائل فلماذا لم يدفع ابني آدم أخاه من أن يفتك به أو أن يقتله. وقد ثبت أن نبينا ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم حينما قال رجل للرسول ﷺ أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ ماله قال فلا تعطه قال أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال أرأيت إن قتلني قال فهو في النار قال أرأيت إن قتلته قال فأنت شهيد أو في الجنة أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك قال من قتل دون ماله فهو شهيد.
فقال بعض العلماء: إن الأمر يختلف فيه الحال أولًا ربما كان هذا غير مشروع على عهد آدم عليه السلام وإنَّما هذا في شرعنا كما بينه رسولنا ﷺ أو أن ابني آدم فعل ذلك اجتهادًا منه؛ لأنه يعلم حرمة القتل وأن هذا لا يليق فلم يكن ليتجرأ على ذلك أو أن هذا يتنزل في بعض المقامات كمقام الفتنة فإنَّه عند الفتن، وفي آخر الزمان لا يشرع أن يجترئ الإنسان على القتل كما جاء عن نبينا ﷺ ففي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عند أحمد وغيره أنه قال في فتنة عثمان رضي الله عنه حينما وقع ما وقع من مجيء الخوارج وإرادتهم قتل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه.
فقال سعد: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتن» «الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ» «وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي» «وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي» هكذا يعلمنا الرسول ﷺ فإنَّ دخل أحد عليك بيتك وبسط يده ليقتلك فكن كخير ابني آدم أي: الذي لم يبث فتنة ولم يكن سببًا في تصدعها وكذلك جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا. وقال «الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ» والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي قال ﷺ «فكسِّروا قسيكم، وقطِّعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة» فإنَّ دخل عليكم فكونوا كخير ابني آدم أي: لا يكن أحدكم سببًا في بث فتنة فعلى هذا يتنزل ما وقع من ابني آدم لأنه كان لن يرجع حتى يقتله أخوه فآثر أن يكون مظلومًا لا أن يكون ظالمًا ثم بعد ذلك بقي ابني آدم وهو لا يدري ماذا يصنع بأخيه ولا شك أن الإنسان يتغيَّر بعد وفاته فماذا يصنع فيه لا يدري ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ قال: يا ويلته أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ
﴿هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ﴾ فلما رأى الغراب وكيف صنع بالغراب الآخر علم أنه نادم وأنه لم يستحق بذلك أن يصنع ما صنع ذلك الغراب والذي عليه كثير من المفسرين، أن ندمه لم يكن بسبب توبته إلى الله وإنَّما ندمه لأنه لا يدري ماذا يصنع بأخيه، وعلى كل فإنَّه في شرعنا الندم توبة.
لكن الإقلاع عن الذنب والتوبة الحقة وليعلم القاتل أنَّ هناك حقوقًا تتعلق بما فعل لأن القاتل عليه حقوق: حق لله لأنَّ الله نهاه عن القتل. وقد قتل وحق للمقتول وحق لأولياء المقتول فلا يظن القاتل أنه حتى وإن اقتص منه أن الأمر قد انتهى لأنَّ هناك حقًا لله وكذلك هناك حق للمقتول. وقد يأتي بقاتله يوم القيامة ويقول: يا رب، سل هذا فيمَ قتلني.
يا أيها الإخوة الكرام في هذه الآيات دروس كثيرة وكلام كثير. سامحوني على الإطالة وأسأل الله، أن يوفقنا لما يحب ويرضى. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه. وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم احفظنا اللهم تول أمرنا اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم ارفع عنا البلاء والغلاء والإحن والمحن يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)