مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قدر النفس عند الله

خطب · الدرس 205 من 342 · 14 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1). وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فوزًا عظيمًا. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، نعود إلى ما كنا قد بدأنا به منذ زمن الحديث عن قصص القرآن الكريم، وكان آخر حديثنا في ذلك الحديث عن قصة ابني آدم وتعرفنا على عدد من الفوائد والدروس والعبر والعظات التي تتعلق بهذه القصة الجليلة العظيمة.

ثم إنَّ الله جل وعلا ختم القصة. فقال: مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾. ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أتجاوز هذه القصة العظيمة الجليلة جدير بنا أن نتأمل هذا الختام الذي ختم الله به تلك القصة يبين لنا في ذلك سبحانه وبحمده، أن للنفس البشرية المعصومة قدرها ومكانتها عند الله جل وعلا.

فقال: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾، ومن أحياها ﴿فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ نفس واحدة من اعتدى عليها فكأنَّما اعتدى على الناس أجمعين، ومن أحيا نفسًا واحدة فكأنَّما أحيا نفوس الناس أجمعين فلله ما أعظم تلك النفوس، يا أيها الإخوة الكرام، إن الناظر في الشريعة الغراء يجد أن حفظ النفوس له مكانة عظيمة في تلك الشريعة السمحة ولذا ليس من عجب أن قيل إن الضروريات أو الكليات خمس.

وقال بعضهم: ست ومن أعظمها حفظ النفس أن يحفظ الإنسان نفسه وأن يحافظ على نفس غيره فلا يعتدي على نفسه، ولا يعتدي على غيره هكذا يُعلِّمنا ديننا. بل إن الناظر في التشريعات الحكيمة يجد في ذلك عددًا كبيرًا من الأحكام والتشريعات ﴿إِلَّا﴾ ترون، أن الله أمرنا بالأكل والشراب. فقال: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟﴾ إنه لا يحب المسرفين فلما يأمرنا الله بالأكل والشراب

مع أنَّ هذه شهوة فالإنسان يميل بطبعه إلى الأكل والشراب. لكن الله يأمرنا بذلك حفاظًا على نفوسنا. بل إن الإنسان إذا اضطر إلى أكل المحرمات. فإنَّ الله قد أباح له ذلك. فقال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ﴾ ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وقال ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. بل إن مسروقًا رحمه الله، يقول من اضطر إلى أكل أو شرب فلم يأكل، ولم يشرب حتى مات أدخله الله النار ويعني: بذلك أن هذا الأكل ليس رخصة فحسب وإنَّما يصل إلى قدر العزيمة وإلى الواجب إذا كان الإنسان سيهلك إذا لم يطعم هذا والله قال وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴿إِلَّا﴾ ترون، أن الرسول الكريم ﷺ قال لعبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، كما أخرج الشيخان حينما بلغه «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ» يصوم الدهر ويقوم الليل.

فقال: يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقوم الليلة فإنَّك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونفهت له النفس أي: أعيت وتعبت. وقال «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ» هكذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام، كل ذلك من أجل الإبقاء على النفس المريض يرخص له الفطر في رمضان. لما حفاظًا على نفسه. المرأة الحامل والمرضع تفطران في رمضان.

لما من أجل الحفاظ عليهما، وعلى الجنين الذي معهما أو الوليد الذي لهما. كل ذلك من أجل الإبقاء على النفس. تشريعات عظيمة. وإذا كانوا يقولون. إن الوقاية خير من العلاج وإن الدفع أسهل من الرفع. فإنَّ الشريعة قد قررت ذلك ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام، من تصبح سبع تمرات من عجوة المدينة لم يصبه في هذا اليوم سم ولا سحر هو لا ينتظر أن يصاب بالسم حتى يعالج، ولا ينتظر أن يصاب بالسحر حتى يعالج ﴿أَنَّمَا﴾ هو يستبق الحدث فيأخذ بالطرق الوقائية كل ذلك علمنا إياه رسولنا محمد ﷺ هذا كله من أجل الحفاظ على النفس.

أما قتل نفس بغير حق فهذه جريمة نكراء عظيمة والانتحار كذلك كبيرة من أكبر الكبائر كل ذلك حرمه الشرع الحنيف كما لا يخفى عليكم في مواطن عديدة. بل إنَّ الله توعد القاتل توعدا عظيمًا. فقال، ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وقال ابن عمر رضي الله عنهما ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾، ومن أحياها ﴿فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ تعلمون يا أيها الإخوة الكرام أن من شريعتنا العظيمة، أن الناسي يرفع عنه الإثم، ولا يعاقب، وكذلك المخطئ.

وقد دعا عباد الله الصالحون دعا الصحابة الكرام ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وقال الله نعم قد فعلت لكني أسأله ماذا لو قتل إنسان آخر خطأ هل يتركه الشرع يقول عليك الدية نعم أنت قتلته خطأ. لكن ما لم هو قد قتل تدفع الدية لأولياء المقتول مئة من الإبل سبحان الله العظيم مع أنَّه قتل خطأ أليس في ذلك دليل واضح على أن تلك النفس المعصومة لها قدر عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ حتى ولو اعتدي عليها على سبيل الخطأ

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، هكذا يعلمنا ربنا ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ وقوله: مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أي: على سبيل القصاص أو فساد في الأرض من الحرابة من يقطع الطريق، وكذلك ممن يرتد عن دينه كما علمنا الرسول ﷺ كما في الصحيحين لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة هذا معنى قوله ﴿قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ بالله عليكم لو أنَّ شخصًا وصل به الفساد واستشرى منه الشر حتى قتل الناس جميعًا ماذا ترون من الأعمال الصالحة عليه أن يفعلها حتى يكفر

هذا الذنب صحيح أنَّ الله يقبل توبة التائب إذا تاب إليه. لكن الآية الكريمة تشاء تصور هذا الأمر في مشهد بشع قبيح من هذا الذي يصنع ذلك الفعل الشنيع حينما يعتدي على نفس واحدة معصومة، ومن أحياها فكأنَّما أحيى الناس جميعًا. وقد يسأل سائل فيقول:، ومن له أن يحيي أحدًا، ومن أحياها الذي يحيي هو الله فما معنى، ومن أحياها معنى، ومن أحياها أي استبقاها حافظ على النفس لم يت فكأنَّما أحيى الناس جميعًا فإذا وجدت ملهوفا يحتاج إلى أمر فاستطعت أن تقوم بخدمته فحي هلا على فعله.

فإنَّ الله يعينك ويسددك «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» هذا الفقير وذاك المحتاج الذي يحتاج إلى لقمة عيش الذي يحتاج إلى قليل إذا وقفت بجواره فإنَّك قد فعلت خيرًا عظيمًا يأجرك الله عز وجل عليه يعلمنا ربنا ويعلمنا نبينا ﷺ كيف نتعامل مع نفوسنا لا نعتدي عليها الذي يتقرب بالصيام يقال له: لا تصم الدهر كله حتى لا تهلك نفسك فكيف بمن يهلك نفسه بالحرام فيشرب شرابًا محرَّمًا أو يأكل أكلًا محرَّمًا أو يتجه إلى هجرة غير مشروعة أو غير قانونية يعرض نفسه للتلف والله قال ولا تقتلوا أنفسكم المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة