مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

قبل أن نغادر رمضان

خطب · الدرس 204 من 342 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما أن ﷺ كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله جد وشد المئزر صلى الله عليه وآله وسلم، وكان ﷺ كما في صحيح مسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره صلوات الله وتسليماته عليه.

يا أيها الإخوة الكرام، إننا بمربه من هذه الأيام والليالي المباركة. نسأل الله سبحانه، أن يحرمنا فضلها وأن يوفقنا فيها لحسن العمل وأن يتقبل منا ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال، يا أيها الإخوة الكرام، من لم يحسن الاستقبال فليحسن التوديع من لم يحسن في استقبال شهر رمضان فليحسن في توديعه لشهر رمضان لأنَّ الليالي العشر إذًا اتت فإنها تذهب وتذهب سريعًا سريعًا وهكذا الشيء الفاضل.

نسأل الله ألَّا يحرمنا الفضل والخير والبركة فما أحوج الإنسان إلى أن يتدبر حاله وأن يتفقد شأنه وأن ينظر في أمره ماذا صنع في الأيام السالفة وماذا سيصنع فيما يست تقبل من أيام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يغادر الشهر أو يغادره. نسأل الله سبحانه، أن يرزقنا حسن الختام، يا أيها الإخوة الكرام، قد قيل لا تكن كالخيل أفطن منك.

فإنَّ الخيل كما هو معهود ومعروف إذا كانت في سباق وقاربت الوصول إلى المقصود فإنها تخرج أقصى ما عندها لتصل إلى مقصودها وتحقيق غايتها، ومن ثم. فإنَّ أبا موسى الأشعري رضي الله عنه اجتهد في آخر حياته اجتهادًا كبيرًا وبليغًا حتى قيل له لو رفقت بنفسك فأجابهم قائلًا أن الخيل إذا بلغت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها وهو يقصد بذلك أنه قد دنا أجله وحينئذ فهو يريد أن يخرج جميع ما عنده لأنه يريد أن يصل إلى الله ونسأل الله سبحانه، أن يصلنا به وأن يقربنا منه.

يا أيها الإخوة الكرام، استفاد عدد من المحققين من فعل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حين كان يجتهد في العشر الأواخر من شهر رمضان أكثر من غيره من أيام العام باستثناء ما ورد في فضل العشر الأول من شهر ذي الحجة بيد أن النصوص واضحة وجلية في فضل العشر الأواخر استفاد عدد من المحققين من ذلك قاعدة عظيمة وهي تجويد الخاتمة فالعشر الأواخر هي الأواخر من شهر رمضان والعبد العاقل هو الذي يجود خاتمته ويحسن خاتمته فإنما الأعمال بالخواتيم قاله الرسول الكريم ﷺ كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له في صحيحه فحسن خاتمتك وجودها وسل الله سبحانه وتعالى، أن يعينك، ومن فضل الله وإحسانه إلى عباده، أن جعل في الخاتمة هذه الليلة المباركة التي قال الله جل وعلا: في شأنها ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 1-3) ﴿تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾5 (القدر: 5) أنها ليلة خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ وكما ثبت عن النبي ﷺ وهو يتحدث عن شهر رمضان كما في النسائي فيه ليلة هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ من حُرم خيرها فقد حُرم نعم من حُرم خيرها فقد حُرم فلا تكن من المحرومين.

نسأل الله أن يصلنا وأن لا يقطعنا وأن يعطينا وأن لا يحرمنا لا تكن محرومًا من الخير والفضل في هذه الليلة المباركة التي أثنى الله عز وجل عليها. وقد قال بعض العلماء: كالخ عي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر فجعلوا هذا عامًّا في أعمال الخير والبر وما من شك، أن أعظم ما يقدمه الإنسان في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ما علمنا الرسول إياه من شأن القيام إذ قال من قام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنب به.

يا أيها الإخوة الكرام، إنكم حينما تدققون في النصوص الواردة عن الرسول ﷺ في فضائل شهر رمضان وما يتعلق به من أعمال صالحة وما يتعلق به من أفعال الخير تجد أن الأجر والثواب في كثير مما ورد في هذا الأمر. يتعلق بمغفرة الذنوب لأنَّ العبد إذًا خلي عن ذنوبه وسترت عيوبه وكفر الله عنه سيئاته فإنَّه قد فاز وأيما فوز ثم بعد ذلك يأتي دخول الجنان ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ لذا صدق الرسول عليه الصلاة والسلام حين أجاب جبريل عليه السلام.

وقال أمين أمين أمين حين صعد المنبر وأخبره جبريل بأنه من أدرك رمضان فلم يغفر له فادخله الله النار فأبعده الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ امين. فقال الرسول الأكرم أمين ﷺ لأنَّ هذا الشهر بما يحويه من فضائل وبما يدخره لنا مناقب جدير بالعبد أن يغتنمه فإنها فرصة لا تعوض، ومن عاش في رمضان هذا لا يدري أيعيش في رمضان آخر. ومن ثم أن لم تأتِ بما يكون سببًا في مغفره ذنوبك فيما مضى من رمضان فاستقبل ما بقي من رمضان بالتوبة النصوح والاستغفار للرب الكريم وفعل الخيرات لعلك تخرج من الشهر.

وقد غفر ذنبك وستر عيبك. نسأل الله الكريم من فضله ما أجملك حين ينقضي رمضان. وقد غفرت ذنوبك هذه منقبة عظيمة فضل كبير لا بد أن نحس به وأن نشعر به أن تعيش على وجه الأرض. وقد غفر الله لك ذنوبك مع أنَّك الإنسان الذي ينسى مع أنَّك الإنسان الذي يغفل مع أنَّك الإنسان الذي يذنب ويقصر فإذا غفر الله لك فاللهم لك الحمد على تلكم المغفرة ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الرسول الأكرم ﷺ بأبي هو وأمي حين سألته الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر زوج الرسول ﷺ كما عند الترمذي.

وقالت يا رسول الله أرأيت أرأيت أرأيت أن وافقت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ما أقول فيها قال قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. انظر إلى اختيار هذا الدعاء حين يختاره الرسول ﷺ حين يعلِّمه للصديقة رضي الله عنها أن تقول إذًا وافقت ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني فنسأل الله، أن يعفو عنا ما أحسن، أن تخرج من رمضان.

وقد عفا الله عنك. وقد غفر الله لك خذ أسباب الموصلة إلى ذلك، أن الله عفو يحب العفو فالعفو أقرب إليه وهو يحبه ويريده سبحانه جل وعلا فتقرب إليه وسله، أن يعطيك إياه، ولا يحرمك من الخير والثواب والفضل فنسأل الله الإعانة على الطاعة، يا أيها الإخوة الكرام أنه من المعلوم أنه عند الختام يحسن التوبة النصوح والاستغفار للرب الغفور سبحانه جل وعلا.

ولذلك استفاد عبد الله بن عباس حبر الأمة رضي الله عنهما من سورة النصر أنها أجل رسول الله نعاه الله عز وجل إليه لأنَّ الله قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ ﴿وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾ فلما رأى أن الله سبحانه يأمر رسوله ﷺ بعد النصر والفتح بالتسبيح بحمد الله والاستغفار شعر واحس بأن هذا معناه: أن أجل رسول الله ﷺ قد اقترب.

ولذلك شرع لنا عقب صلواتنا أن نستغفر الله قائلين استغفر الله استغفر الله استغفر الله وشرع لمن يقوم الليل أن يستغفر الله ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فأكثروا من الاستغفار والتضرع إلى العزيز الغفار وطلب الخيرات والبركات من رب الأرض والسماوات. نسأل الله أن يغفر لنا وأن يتجاوز عنا، يا أيها الإخوة الكرام، ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ليلة عظيمة لا ينبغي لنا أن نفوتها أو أن نضيعها وإنَّما ينبغي لنا أن نغتنمها وأن.

نسأل الله الإعانة على اغتنامها أنها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قيل لها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لأنَّها ليلة الشرف وليلة المجد وليلة العظمة كما يقال فلان ذو قدر أي: ذو منزله، ولِمَ لا؟ والله قال مفخما شأنها معظمًا أمرها وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ فجاء هذا الاستفهام لتفخيم شأنها. ثم قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾، ولم يقل وما أدراك ما هي.

ثم قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ولم يقل هي فاظهر في موضع الاضمار تعظيمًا لشان وليتك ذكرها ليرسخ أمرها في قلوب عبادة. نسأل الله أن يثبتنا على مرضاته ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قيل لها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لأنَّها ليلة تضيق فيها السماء من كثرة وجود الملائكة معنى ضيقها، أي: أن الملائكة تنزل بكثرة. وقد جاء عند ابن خزيمة في صحيح وأبي داود في سننه، أن الملائكة تنزل في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ويكون عددها أكثر من عدد الحصا.

فتأمَّل! ليلة عظيمة ليلة فخمه ينزل فيها عدد كبير جدًّا من ملائكة الرحمن قال بعض العلماء، وفي ذلك لفته، وكان الله جل وعلا يرشد ملائكته ويباهي بخلقه ملائكته ويرشدهم إلى ما قرر ﴿إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حين خلق آدم وأوج وأنزل ه إلى الأرض وهو سبحانه وتعالى، الخلاق العليم القدير الحكيم سبحانه وتعالى، كذلك هي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لأنَّها ليلة التقدير تقدر فيها أعمال السنة كما قال كثير من أهل العلم قال الله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا﴾ منزلين إنا كنا منذرين ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.

فتأمَّل! قوله ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أمرًا من عندنا. فقالوا يفرق فيها أن يفصل فيها مقادير الخلائق في هذه الليلة المباركة وليس ذلك إلا لأنَّ الله قد شرفها واصطفاها وجعلها موضعا لنزول القرآن. فقال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ6 ٱلْقَدْرِ﴾ أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، أثنى الله على ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. فقال إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ كُنَّا مُنذِرِينَ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أمرًا من عندنا. فقالوا: إنَّ أفعال الخلائق وتقديراتهم تقسم في هذه الليلة المباركة. وقد اختصها الله بأن جعلها ليلة نزول القرآن وللعلماء في معنى: نزول القرآن في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ معنيان جليلان مشهوران أحدهما أن أول ما نزل من القرآن كان في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فالاي الأولى من صدر سورة العلق ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ نزلت على قلب الرسول ﷺ في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.

المعنى الثاني أن القرآن الكريم كله نزل جملة واحدة ووضعت منه نسخه في بيت يقال له: بيت العزة في السماء الدنيا وورد بذلك الأثر عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ومعنى ذلك، أن القرآن الكريم جمع الله عز وجل له بين النزول بين نزوله جملة وبين نزوله مفرقًا بحسب الأحداث والوقائع وكل ذلك دليل عظيم على شرف القرآن الكريم، وعلى قدره عند الرب الكريم سبحانه وتعالى، لأنَّ القرآن خاتمه الرسالات خاتمه الكتب التي ختم الله عز وجل بها الكتب فاخر الكتب آخر الكتب نزولًا هو القرآن الكريم.

نسأل الله أن يجعلنا موصولين بكتابه، يا أيها الإخوة الكرام، كان نبيكم ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليلة، وفي لفظ أحيى ليلة وكلمة الإحياء في مقابلة أمات قالوا: لأنَّ النوم اخو الوفاة فأطلق على الحياة أو على اليقظة حياة لكنَّها حياة من نوع خاص أنها حياة القلب أنها الحياة بالإيمان الحياة بقراءة القرآن الحياة بالاستغفار الحياة بذكر العزيز الغفار سبحانه وتعالى، فاحي لياليكم احيوا تلك الليالي المباركة لأنَّ ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ على قول كثير من المحققين ليلة من الليالي العشر الأواخر من شهر رمضان إلا أنها متنقلة وارجا الليالي الوترية وارجا ليلة السابع والعش بيد أنه لا يلزم، أن تكون ليلة السابع والعشر فقد تكون ليلة أخرى من ليالي العشر.

نسأل الله أن يبلغنا إيَّاها وأن يكتب لنا فيها عظيم الأجر فجدير بالعبد أن يحيي هذه الليالي قال بعضهم: كان الرسول يحيي الليل كله فلا ينام ويكون هذا استثناء مما ذكرته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أنها قالت ما اعلم أن الرسول ﷺ قام ليلة حتى الصباح ﷺ فيكون هذا من إلا استثناء من باب فضل تلك الليالي المباركة أو أن معنى أحيى ليلة، يعني: أحيا أكثر الليل فيحيي أكثر الليل ﷺ ومن المعلوم.

يا أيها الإخوة الكرام أننا ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: آمن ا هذا في أيامنا هذه وفي عهودنا هذه نخفف صلاة القيام كثيرًا فلا ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان من قيامه إلا وقتًا قليلًا وما من شك، أن من صلى المغرب وصلى العشاء في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فله نصيب كبير من الخير والبركة بيد أن من أراد الزيادة فعلية أن يستزيد بالصلاة وأن يستزيد بقراءة القرآن وأن يتقرب إلى الرحمن سبحانه وتعالى، كان ﷺ إذا دخل الليل احيا كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله ﷺ كثير منا يفرط في حق أهله مع أنَّ أهله مسؤولية ومع أنَّ أهله رعيته وحقيق به إلا يضيع رعيته وكما أنه يجود عليهم وكما أنه يبذل من وقته وماله من أجلهم فكذلك يدلهم على الخير وينصح لهم ويعينهم عليه حتى يصلوا إلى المراد بفضل الله سبحانه وتعالى، وأيقظ أهله يوقظ أهله حتى يستيقظوا ويتيقن.

يا أيها الإخوة الكرام، إننا جميعًا نرجو النجاة، ومن رجى النجاة عليه أن يسلك مسالكها ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس فابذل وضحي واستعن بالله واعلم أنك، أن أحسنت الختام وفقك الله للدوام أعلم أنك إذًا وفقت لحسن الختام فإنَّك ستوفق للدوام والاستمرار على طاعة الرحمن فأثبت على طاعة الله وسل الله، أن يعينك كان ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وهو المجد وجد وهو القوي وجد وهو المحسن وجد وهو اتقى الناس وأعلى الناس منزلة وأخشى الناس لرب الناس صلوات الله وتسليماته عليه فإذا سمعت كلمة وجده ما الذي يتصور من الرسول حينما يقال: في شأنه جده في العشر الأواخر ما وصفه الدائم ما وصفه العام صلوات الله وتسليماته عليه.

ثم قالت وشد المئزر ﷺ قال بعضهم: هو كناية عن التشمير والجد في الطاعة فيكون من باب التأكيد لقوله جده وضعفه بعضهم. فقالوا: إنَّ معنى قولها وشد المئزر ر ﷺ أي: اعتزل أهله فلم يجامع نساءه لأنه كان يعتكف في العشر الأواخر من شهر رمضان، وكانت هذه سنته إلى أن فارق الحياة واعتكف أزواجه أيضًا رضي الله عنهن وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا أن حقيقة الاعتكاف.

يا أيها الإخوة الكرام، كما قال ابن رجب قطع الخلائق عن قطع العلائق قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمه الخالق الاعتكاف حقيقته قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمه الخالق سبحانه وتعالى، أن تقطع علائق وأن تقطع تواصل ك مع الناس. أما أن كانت هذا الهاتف يقطعك وإن كان الكلام مع عمر وزيد يقطعك فأين اعتكاف لربك وأين خلوتك بربك وا أين تبتل لربك وأين صلاتك وأين قيامك وأين استغفارك وأين قراءتك للقران في الختام.

يا أيها الإخوة الكرام، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يفارقنا رمضان حاسبوا أنفسكم ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تحاسبوا ما الذي صنعته في هذا الشهر كم لك من ذنب ما زلت مقيمًا عليه. فإنَّ كانت توبتك توبة عامة فالحمد لله وأن لم تكن كذلك فجدد أمرك وتب إلى الله توبة عامة ثم انظر إلى الطاعات كم قرأت من القرآن وكم تدبرت من آيات كم وصلت من ارحام كم عدت من مرضى كم بذلت وكم أعطيت وكم جدت وكم تصدقت وكم واسيت.

نسأل الله سبحانه، أن يرزقنا خير الدنيا والآخرة وأن يبلغنا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ على خير وأن يكتب لنا فيها عظيم الأجر اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم بلغنا ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ واكتب لنا فيها عظيم الأجر يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم فرج كرب المسلمين في غزة اللهم ارحم ضعفهم واحقن دماءهم وتولَّ أمرهم يا أرحم الراحمين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 5 ↩
  6. آية: ﴿بِّسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ ۝ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 1-3 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة