داء الغضب
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة وبيان خطورة داء الغضب
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور «فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا وعونه وتوفيقه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء أذكر فيها الداء ثم أتبعه بالدواء كما جاء مبينًا في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وحديثي إليكم اليوم بمشيئة الله - تبارك وتعالى عن داء خطير يقع فيه الكبير والصغير ويقع فيه أكثر الناس لا سيما في هذه الأيام.
وهذا الداء يا أيها الإخوة الكرام له آثاره السلبية الخطيرة في العاجل والآجل لذا ليس من عجب أن أوصى النبي ﷺ عليه وآله وسلم بعض أصحابه في وصية موجزة إلا أنها بليغة جامعة بترك هذا الداء فالنبي ﷺ حينما طلب منه في يوم من الأيام أن يوصي رجلًا من الرجال. وقد سأله عن الوصية أو سأله، أن يوصيه فأجابه ﷺ بترك هذا الداء بسبب عدم إدراكهم لخطورة هذا الداء، وفي الحقيقة هو داء بيد أن أصل الشيء سلاح ذو حدين وحتى لا أطيل في التقدمة فالداء هو داء الغضب داء الغضب نعم كثير من الناس لا يشعر أن الغضب الشديد والذي هو بغير حق مما يذم شرعًا وهو مذموم كذلك عقلًا.
وصية النبي الجامعة بالنهي عن الغضب وحقيقة الشدة
وقد حذر النبي ﷺ منه فهاهو ﷺ كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له جاءه رجل. فقال له: يا رسول الله أوصني يا رسول الله أوصني. فقال النبي ﷺ: «لا تغضب». جملة واحدة لكنَّها وصية كافية يا رسول الله أوصني قال: «لا تغضب». هل هذا الطلاق واقع هل هذا الطلاق غير واقع أسئلة تتكرر أمام المفتين في كل يوم.
بل في كل ساعة. وهذه هي أكثر الأسئلة وهي الأسئلة التي تتصدر أبواب الفتاوى كما يعرفه المفتون بفضل الله جل وعلا وكذلك كثير من الناس يهذي ويتكلم بما يشاء ساعة الغضب، ولا يدرك أنَّه محاسب عن ذلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»..
«لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».. إذا كان الحاكم غاضبًا فإنَّه ربما جار في الحكم وربما لم يفصل بالحق، وكذلك المتكلم إذا كان غاضبًا ربما وقع في الزلل لذلك مما يعالج به الغضب السكوت «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» لأنَّ الغضبان إذا تكلم أحدث خللًا وأحدث فسادًا وربما لم يستطع رد هذا الفساد وإزالته بعد أن وقع. نسأل الله السلامة والعافية.
وقد قال نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». ليس الشديد بالصرعة ليس ذلك بالشديد حقًا الذي يراه الناس يصرع غيره فيقولون عنه. إن فلان قوي لا يقدر أحد على القضاء عليه لا يقدر أحد أن يقف أمامه يفتك بمن وقف أو تصدى له هذا ليس بالشديد حقًا ﴿أَنَّمَا﴾ الشديد حقًا الذي يملك نفسه عند الغضب يا أيها الإخوة الكرام.
تحليل القوى النفسية الثلاث وحقيقة التغلب على الغضب
إن الله جل وعلا قد أعطانا قوى ثلاثًا جليلة عظيمة قد تُستعمل استعمالًا حسنًا وقد تُستعمل استعمالًا سيئًا فأعطانا الله جل وعلا الشهوة وأعطانا الله جل وعلا القوة الغضبية وأعطانا الله جل وعلا القوة العقلية فهناك شهوة أو هناك قوة شهوية وهناك قوة غضبية وهناك قوة عقلية. أما القوة الشهوية فهي التي يحصل بها الإنسان ما يريد فأنت حينما تشتهي شيئًا تقدم عليه تصور معي أخي الكريم لو لم يكن لدى أحدنا شهوة فإنَّه لن يقدم على طعام وأعطانا الله جل وعلا قوة غضبية نستطيع أن ندفع بها ما يضرنا فإذا أراد عدو، أن يصل إليك أو أن يؤذيك استطعت أن تدفعه بماذا
بغضبك بهذه القوة التي أعطاك الله إياها كذلك ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أحد أن ينتهك حرمتك أو أن يعتدي على امرأتك أو على أولادك ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال «من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضي فلم يرضى فهو شيطان» نسأل الله - تبارك وتعالى أن يرزقنا الرضا وأن يتوفانا على الإيمان. إذن هذه القوة الغضبية بها تدفع الضر عن نفسك وأعطاك الله القوة العقلية التي تميز بين الشهوة الحلال والشهوة الحرام، وكذلك بين الغضب المحمود والغضب المذموم بيد أن العقل قاصر لا يستقل بنفسه، ولا يستطيع أن يصلح العبد وحده فجعل الله جل وعلا الشرع حكمًا على العقل والعقل حَكَمٌ وَوَسَطٌ بين الشهوة والغضب أو بين القوة الشهوية والقوة الغضبية حتى يستقيم أمر الإنسان لأمر الرحيم الرحمن جل وعلا فالعاقل اللبيب هو الذي يضع الشرع نصب عينيه فإذا قال له الشرع في هذا الوقت اغضب فإنَّه يغضب وإذا قال له «لا تغضب».
فإنَّه لا يغضب إذا قال له اشته هذا الشيء أقبل على الأكل حفاظًا على نفسك قال كلامًا كثيرًا. وهذا بشيء يكرهه لو رد عليه، وكذلك لو ذكر به حين يفيق فتقول له يا فلان أنت قلت: كذا وكذا وفعلت كذا وكذا فيجيبك قائلًا أنا الذي قلت: ما أعرف هذا أنا الذي فعلت لم أشعر بهذا نعم لأنه لم يدرك من بادئ الأمر أنه مسؤول عن كلمته ومسؤول عن فعلته ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾6. ولذلك قال أهل العلم. إن أجمع آية في كتاب الله تحدثت عن مكارم الأخلاق قول الله سبحانه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾7. فقوله: سبحانه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ المعروف. وهذا ما تقتضيه الحكمة والعقل الراجح وقوله: وأعرض عن الجاهلين فيه ضبط للقوة الغضبية إذا غضب الإنسان فيغضب حينما يستحق.
الأمر كذلك أو ذلك. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾8. إخوتي الكرام هذا الغضب الذي هو داء ونهى النبي صلوات الله وتسليماته عليه عنه. فقال: «لا تغضب». قد يقول قائل وكيف أتمكن من ذلك والغضب يأتيني غرة فأنا ربما رأيت موقفًا شاذًا أو كلمات نابية من شخص سفيه فلم أستطع أن أسكت وإذا بي أغضب عليه لأنه استفزني وأنا لست بكامل ولست ملكا من الملائكة أقول لك: .
إن قول النبي ﷺ: «لا تغضب». معناه: ابتداء لا تتعاطى الأسباب التي تؤدي بك إلى الغضب إذا عرفت أن هذا الشيء ابتداءً سيجر مفاسد وحينئذ سيفسد عليك حالك فحينئذ ستغضب تجنبه ابتداء هذا المعنى الأول والمعنى الثاني إذا وقع لك الغضب فاضبط نفسك إذا وقع لك الغضب فاضبط نفسك وحكِّم الشرع على عقلك، وعلى هواك، وعلى قوتك الغضبية تفز بفضل الله سبحانه وتعالى.
ولذلك لما سُئل ابن المبارك رحمه الله، عن حسن الخلق. فقال «ترك الغضب» حسن الخلق «ترك الغضب». ولذلك ﴿أَنَّمَا﴾ يعرف العبد وقت شدة غضبه هكذا يعرف الإنسان لأنَّ الإنسان الهادئ لا يعرف حقيقة أمره إنَّما إذا استفز حينئذ تعرفه من قوله، ومن فعله. نسأل الله السلامة والعافية. إخوتي الكرام ليس بخاف عليكم، أن المشكلات والأزمات في هذه الأيام تزداد وزادت ونسأل الله السلامة، ولا نقول: إن الناس قد هلكوا.
فضيلة الحلم والأناة والاتصاف بآثار اسم الله الحليم
فإنَّ النبي قد حذر من ذلك لكنَّها فتن كقطع الليل المظلم. نسأل الله أن يحفظنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإنسان في حياته يرى أمورًا لا توافق طبعًا، ولا توافق ميولًا فحينئذ ربما تحول من إنسان مستريح البال هادئ الخاطر إلى إنسان يغضب ويشتد أمره فما أجدرك أخي الكريم، أن تتعلم كيف تواجه الغضب النبي ﷺ عليه وآله وسلم ها هو أشج عبد القيس يقول له النبي ﷺ قال له كما في صحيح مسلم.
«إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة» يحب صفة الحلم ويحب الحلماء. جعلنا الله وإياكم من الحلماء. بل ومن أسماء الله جل وعلا الحليم فالله من أسمائه الحليم، ومن صفاته الحلم قال بعض أهل العلم الحليم في حق الله معناه: الصبور قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه اسمع لا أحد أصبر على أذًى يسمعه من الله «ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله».
«إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» أناس ادعوا له الولد وأشركوا به وكفروا به هل منعهم رزقه ما منعهم رزقه قال الله ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا﴾9 أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من أسماء الله جل وعلا الحليم، ومن أوصافه الحلم وهو سبحانه يحب من عباده، أن يتصف بتلك الصفة فإذا أردت أن تجتنب الغضب الذي يكون مذموما فعليك أن تتصف بالصفة التي يحبها ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كنت تحب الله. نسأل الله جل وعلا أن يحبنا وأن نحبه. وقد قال بعض السلف إذا أردت أن يزول عنك غضبك فانظر إلى السماوات وانظر إلى الأرض ثم عظم خالقهما.
نماذج من حلمه مع الأعرابي وأهل الطائف
انظر مَنْ الذي خلق السماوات الله، ومَنْ الذي خلق الأرض الله وهو يحب منك، أن تكون حليمًا أن تكون رفيقًا فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه كما قال النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم، وكذلك كثير من الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان كان لهم حظ ونصيب من ذلك ورسولنا عليه الصلاة والسلام، قد علم الصحابة الكرام ذلك فهو إمام الحلماء ﷺ فها هو كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بينما هو يمشي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية إذ أتاه أعرابي من خلفه فجبذه جبذة شديدة أثرت حاشية الرداء في صفحة عاتقه صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله مر لي من مال الله أعطني من المال ليس المال مالك إنه مال الله يقول ذلك لرسول الله ﷺ فالتفت له النبي ﷺ ثم تبسم وأمر له بعطاء أرأيت مثل ذلك
أرأيت مثل هذا الحلم صلوات الله وتسليماته عليه حينما أوذي ﷺ من المشركين في مكة وانتقل إلى الطائف فأوذي فيها إيذاء شديدًا وجرى له ما جرى «لقد لقيت من قومك ما لقيت»، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردته «فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي» «فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ» رموه بالحجارة لم يستفق ﷺ إلا بقرن الثعالب قال فنظرت فإذا أنا بجبريل عليه السلام فسلم عليه.
وقال لي يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك. وقد أرسل الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فقال. وقد سلم عليه ملك الجبال إِنْ شِئْتَ أَنْ أطبق عليهم الأخشبين فعلت. فقال النبي ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» نعم صدق ربي إذ قال فيه فلنتعلم منه الحلم نرفق بالناس إذا آذاك أحد الناس فكظمت غيظك عنه وحلمت عليه أو عنه عساه أن يرجع عما هو عليه ولذا قال الله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ فخير ما يرد على الجاهل السكوت إذا جهل عليك إنسان وخاطبك بسفاهة فإذا بك لا ترد عليه وتسكت عنه قال بعضهم «يخاطبني السفيه بكل قبح فأكره، أن أكون له مجيبًا يزيد سفاهة فأزيد حلما كعود زاده الإحراق طيبا.»
الأسباب الشرعية لعلاج الغضب وإطفاء ثورته
وقال آخر: إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت. «فَإِنْ كَلَّمْتَهُ فَرَّجْتَ عَنْهُ، وَإِنْ خَلَّيْتَهُ كَمَدًا يَمُوتُ» فاحلموا عباد الله وحافظوا على أنفسكم إذا وقع لواحد منا غضب على زوجته على زوجه على أولاده ربما أحدث مكروهًا يندم عليه فقد يضرب الوالد ولده ضربا شديدًا قاسيًا ثم بعد ذلك يندم أشدّ الندم ويقول أنا الذي جنيت عليه وأنا الذي فعلته ولو أنه أدَّبه بالأدب المأمور به وبالأدب اللائق به لما وقع فيما وقع فيه بفضل الله سبحانه وتعالى لذلك يا أيها الإخوة الكرام على عجالة أقول إن الغضب إذا وقع للإنسان فعلى الإنسان، أن يعالجه بأمور أولًا الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إذًا اشتد بك.
الأمر ووجدت نفسك قد وقعت في هذا الأمر. أعني باب الغضب الشديد المذموم فعليك أن تستعيذ بالله استعذ بالله من الشيطان الرجيم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه، أن رجلين استبا على عهد النبي ﷺ فسب أحدهما الآخر حتى انتفخت أوداجه. فقال النبي ﷺ
أما إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: «﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من الشيطان الرجيم». لكن بعض الناس إذا قلت: له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ «﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من الشيطان الرجيم». يقول لك: ماذا ترى. ولذلك في الرواية. فقالوا له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما قال الرسول. فقال أرأيتني مجنونا. نسأل الله السلامة ثم الأمر الثاني: اسكت، ولا تتكلم لا تتفوه بالطلاق ليس لعبًا نعم ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾10 إذًا ذكرت هذا ففيه حلال، وفيه حرام المرأة إذا طلقتها طلقة وقع الطلاق ثم ثانية ثم الثالثة فإنَّها لا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك كما لا يخفى عليك حينئذ إذا غضب أحدنا فليسكت كما قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ».
والأمر الثالث: يتحول عن الحالة التي هو عليها. فقد قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند أحمد وأبي داود وغيرهما «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإنَّ ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع» فإذا اقتربت من الأرض علمت أن مرجعك إليها فلا تغضب. وسيهون عليك الخطب بفضل الله سبحانه وتعالى، وكذلك مما استحبه كثير من أهل العلم الوضوء، وورد فيه حديث لا يسلم من مقال إلا أن الحديث فيه ضعف فليتوضأ.
وقالوا: لأنَّ الغضب من الشيطان والشيطان خلق من نار ويطفئ النار الماء بفضل الله سبحانه فإذا توضأ العبد ذهب عنه ذلك بفضل الله جل وعلا وكذلك مما يجعلك تتفوق على نفسك وتغلب نفسك وتكبح جماحها أن تتذكر فضل الحلماء وفضل كاظم الغيظ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق». حتى يخيره من الحور العين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ شاء.
نسأل الله الجنة، ولما ذكر الله الجنة وشأنها والمسارعة إليها قال ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾11 يا أيها الإخوة الكرام من الغضب غضب محمود وهو الغضب في الحق فالرسول عليه الصلاة والسلام، كان يغضب لله وكان إذا خطب علا صوته واشتد غضبه وحمرت عيناه ﷺ اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار اللهم ارزقنا الإخلاص والقبول اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 18 ↩
- آية: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 199 ↩
- آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُوا۟ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 45 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 231 ↩
- آية: ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 134 ↩
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)