فضل العشر من ذي الحجة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد، يا أيها الإخوة الكرام، من لطف الله عز وجل بعبادة وإحسانه إليهم ما خص الله عز وجل به بعض المواسم من الفضل والمكانة وما جعل في هذه المواسم من مضاعفة الأجر والثواب وهو الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، وصدق الله إذ قال ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾5 (القصص: 68)، ومن نعمة الله سبحانه وتعالى، علينا أننا نستقبل أيامًا فاضلة عظيمة جليلة عند رب العزة سبحانه.
وقد أقسم الله عز وجل بها على قول أكثر المفسّرين وجمهورهم. وذلك في قوله جل شأنه ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾6 (الفجر: 1-3) فالأكثرون قالوا: إن الليالي العشر هي الليالي العشر الأولى من شهر ذي الحجة المبارك. نسأل الله أن يبلغنا إياها على خير وبركة. وقد جاء عن نبيكم محمد ﷺ «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر» ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله، وفي لفظ أفضل عند الله وما كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده سبحانه وبحمده «قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، وفي لفظ: خاطر بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» والقول المحرر في معنى: قوله ﷺ فلم يرجع من ذلك بشيء أنه لقي الله ربه.
ولذلك جاء في بعض الروايات أهريق دمه وعقر جواده، وكذلك جاء في بعضها. وقد ذهبت مهجة نفسه أي: ذهب أو. وقد ذهبت مهجته أي: أنه لقي الله سبحانه وتعالى، وهو يقاتل أعداء هذا الدين «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» من لطف الله عز وجل بنا ونحن أعني بني آدم موسومون بالقصور والتقصير والنسيان والغفلة من نعمة الله علينا أنه يجعل في وقت قليل ثوابًا جزيلا وأجرًا كبيرًا ليغتنم تلك الفرصة من اغتنم فيعوض ما فاته ويزداد أجره وثوابه.
وذلك بالتقرب إلى الله سبحانه بالأعمال الصالحة فلا تغفل أخي الكريم عن الجد والاجتهاد في هذه الأيام. وقد ذهب كثير من أهل التحقيق إلى أنها أعظم الأيام على الإطلاق. وقالوا إنها أفضل من أيام شهر رمضان باستثناء ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. وهذا قول له وجاهته كما تدل على ذلك النصوص والجمع بينها فحري بك، أن تستعد لهذه الأيام بالجد والاجتهاد والطاعة والعمل الصالح ليس محصورا، ولا مقصورًا على طاعة واحدة بعينها وإن كانت هذه الأيام صارت أفضل من غيرها كما قرر أهل العلم لاجتماع أمهات العبادات فيها ففيها الصلاة، وفيها الصيام لمن شاء التقرب إلى الله بالصيام لا سيما صيام يوم عرفة فإنَّه يكفر السنة التي قبله والتي بعده كما جاء عن نبيكم ﷺ وفيها الصدقات.
بل أعظم. وذلك بالتقرب إلى الله بالأضاحي وهي قربة عظيمة لأنَّ الأضحية تتفوق على الصدقة بأنها تجمع بينها وبين التقرب إلى الله بالذبح والنسك. وهذه عبادة جليلة ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾7 (الأنعام: 162-163)، وفيها العبادة العظيمة الخاصة التي لا تكون في غير هذا الموسم وهي عبادة الحج وحينما يخرج المسلمون في يوم منى ثم بعد ذلك يبيتون كذلك بمنى ثم بعد ذلك يتوجهون إلى عرفة ويبيتون بمزدلفة وأكثر أعمال الحج يكون في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة.
ولذلك هو يوم الحج الأكبر كما قرر أهل العلم. وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر» وهو يوم استقرار الناس في منى بعد قضائهم ما يقضون من نسك في اليوم العاشر فيوم القر هو اليوم الحادي عشر. وهذا معناه: أن التفاضل الموجود في العشر من ذي الحجة لا يقتصر عليها.
بل يمتد إلى ما بعدها من أيام فهي أعياد المسلمين كما بين الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فلا تكن ممن تفوته الفرصة ثم تفوته الفرصة ويلقى الله عز وجل وهو مفرط في جنب الله عز وجل وها أنتم ترون، يا أيها الإخوة الكرام، كيف أن الموت يأتي فجأةً فلا يكون ثمة فرق بين صغير وكبير وشاب وشيخ ورجل وأمرأة والله سبحانه وتعالى، قال ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾8 (الزلزلة: 7-8) أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من أجلِّ العبادات وأعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى رب الأرض والسماوات في هذه الأيام ذكر الله سبحانه وتعالى، وتسبيحه وتهليله وتكبيره. وقد جاء في بعض الروايات. وقد حسنها بعض أهل العلم «فأكثروا فيهن من التهليل والتسبيح والتكبير والتحميد» ففي هذه الأيام حري بنا أن نكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى، من تكبيرة وتهليلة وتسبيحه وتحميده.
وقد ذهب عدد من المفسّرين وعزاه بعضهم إلى الجمهور في قول الله سبحانه ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾9 (الحج: 28) قالوا: إن الأيام المعلومات هي العشر من شهر ذي الحجة وفرقوا بين الأيام المعلومات والأيام المعدودات التي ذكرها الله في سورة البقرة في قوله ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾10 (البقرة: 203)، ومن القربات الجليلة التي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وبحمده الصيام لا سيما صيام يوم عرفة كما تقدم آنفًا. وأما بقية الأيام وأعني بها الأيام التسع أي: باستثناء العاشر من شهر ذي الحجة فإنَّه يوم العيد ويوم العيد يحرم صومه، وكذلك أيام التشريق كما لا يخفى.
أما صيام التسع فالمرجح عند أهل العلم أنه مستحب. وقد ورد في الماء حديثان أحدهما أن الرسول عليه الصلاة والسلام، ما صام التسع ما صامها. وهذا في حديث عائشة، وفي حديث آخر ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يصومها والجمع بينهما كما قال بعضهم، ومن أهل العلم من قال. بل معناه: أنه لا بأس بأن يصوم أيامًا وأن يفطر أخرى فالأمر في ذلك واسع والموفَّق من وفَّقه الله عز وجل ثم اعلم أخي الكريم، أن الأعمال الصالحة عامة فمضاعفة الأجر موجودًا في هذه الأيام وردت أحاديث لا تخلو من مقال منها أن العمل الصالح كالصلاة بما يعدل سنة فيما سوى تلك الأيام، وكذلك الصيام لكنَّها أحاديث غير صحيحة.
لكن النصوص العامة تشهد لمضاعفة الأجر والثواب. نسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا فضله، يا أيها الإخوة الكرام، يوم عرفة هو اليوم الذي يباهي الله عز وجل به ملائكته ويقول لهم. انظروا ماذا أراد هؤلاء جاءوني شعثًا غبرًا أشهدكم أني قد غفرت لهم. وقد ورد: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة فنسأل الله، أن لا يحرمنا فضله وأن يجعلنا من أهل الجنان.
يا أيها الإخوة الكرام، ثبت عن نبيكم ﷺ كما في مسلم إذا دخلت العشر وأراد أحدكم، أن يضحي فلا يأخذن شيئًا من شعره، ولا من أظفاره فمن أراد أن يضحي فعليه أن يمتثل سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام، فضلاء أكرمكم الله كثير من الناس في باب الأضاحي يخطئون في أمور شتى فلربما لم يقع اتفاق بين المضحي أو من يريد الأضحية، ومَنْ يشتري منه ويؤجل ذلك إلى ما بعد الذبيحة اشترك بأقل من ذلك وهو السبع ليحظى بالأجر من الله سبحانه وتعالى، ولكن ليعلم، أن الصك الواحد الذي يساوي السبع لا يسوغ أن يشترك فيه أكثر من أسرة لأنَّ السبع هو أقل ما يكون من الشخص وأهله وما كان دون ذلك فهو صدقة من الصدقات لا أضحية من الأضحيات. أسأل الله الكريم سبحانه، أن يعيننا على طاعته اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم بلغنا هذه الأيام الفاضلة ونحن آمنون مطمئنون وأعنا على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ما بين العباد يا ذا الجلال والإكرام اللهم ارفع عنا البلاء والوباء يا ذا الجلال والإكرام اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 68 ↩
- آية: ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 1-3 ↩
- آية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 162-163 ↩
- آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7-8 ↩
- آية: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 28 ↩
- آية: ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 203 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)