مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الرسول صلى الله عليه وسلم زاهدًا

سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم · الدرس 11 من 45 · 32 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الرسول «صلى الله عليه وسلم» زاهد
  2. يعني قد يقول قائل إن الله سبحانه وتعالى، في
  3. يعني القمر كان موجودا ثم غاب الكوكب كان حاضرا
  4. يعني ما يبنى عليه الفقه، ومنه الأصل والفرع فكذلك
  5. من ذلك ما جاء في سورة البقرة وإذ نجيناكم
  6. ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾. بل أصلها أهل ثم أبدلت الها
  7. أن أصلها أول …
  8. ليس قبله شيء. ولذلك هو مستغن عن خلقه وكل
التفريغ النصي الكامل للدرس

الرسول «صلى الله عليه وسلم» زاهد

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

قربوا بين الصفوف يرحمكم الله تقدموا إلى الأمام تقاربوا يرحمكم الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا ومدده بهذه السلسلة التي ابتدأتها وهي هكذا كان ﷺ أو.

إن شئت فقل وقفات مع قول الله جل وعلا ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾6. وحديثنا إليكم اليوم بمشيئة الله عز وجل عن الرسول ﷺ زاهدًا كيف كان زهده وكيف كان عيشه في هذه الحياة صلى الله عليه وعلى آله وسلم عباد الله. إن مادة الزهد في اللغة تأتي ويراد بها: الشيء القليل فيقال هذا مال زهيد أي: هذا مال قليل ويقال زهد فلان في كذا أي: استقله، ولم يستكثره ﴿وَقِيلَ﴾ للزكاة زهد لأنَّ الزكاة المأخوذة من مال العبد ما هي إلا شيء يسير قليل بفضل الله عز وجل. وعلى ذلك فالزهد يكون رغبة عن شيء في شيء يكون انصرافًا عن شيء وإقبالًا على شيء فالإنسان حينما ينصرف عن شيء دون أن يكون همه الوصول إلى شيء آخر فلا يعد ذلك زهدًا عند كثير من أهل العلم فحينما نقول هذا عبد زاهد في الدنيا.

المعنى أنه مقبل على الآخرة مدبر عن الدنيا رغب عن الدنيا وأقبل على الآخرة أقبل على جنة عرضها السماوات والأرض عباد الله والزهد يكون لما يرغب فيه فالشيء الذي لا يرغب فيه لا يقال إن فلانًا زهد فيه فمثلًا لا يقال فزهد فلان في التراب لأنَّ التراب مما لا يقبل عليه الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يقال زهد هذا في النساء زهد هذا في الملك زهد هذا في المال لأنَّ هذه من الأمور التي تطلب ويرغب الناس فيها كذلك فالزهد يكون في حالة الوجود لا يكون في حالة المنع والفاقة فالذي لا يجد المال لا يقال إنه زاهد فيه ﴿أَنَّمَا﴾ يقال زهد فلان في المال إذا كان ذا مال وأقبل على الآخرة معه الشيء وهو ينصرف عنه يقبل على ما هو أعظم منه يقبل على ما هو أفضل منه عند الله سبحانه وتعالى، فالزهد يكون عن وجود لا يكون عن عدم لذلك قيل للإمام أحمد رحمه الله، أيكون مع الرجل ألف دينار ويكون زاهدًا شخص غني معه ألف دينار شخص معه عقارات ومعه أموال شخص معه كنوز أيكون زاهدًا قال نعم نعم إذا لم يفرح بها إذا أتت ولم يحزن عليها إذا ذهبت إذا لم يكن قلبه متعلقًا بها ﴿أَنَّمَا﴾ يستعملها في طاعة الله عز وجل فلا يضره هنا.

إذن حينما نتحدث عن الزهد فليس. المعنى أننا نتحدث عن الفقر. بل أخاطب الغني قبل الفقير وأخاطب هذا وذاك ويصعب على الإنسان، أن يدرك الزاهد من غير الزاهد لأنَّ الزهد موضعه الأصلي القلب، ولا يطلع على القلب إلا الله جل وعلا قد يظن بشخص أنه زاهد لأنه لا يلبس ثيابا عالية، ولا يسكن مسكنا عظيمًا، ولا يكون زاهداً.

وقد نرى شخصًا يسكن في مسكن طيب ويلبس لباسًا جميلًا طيبًا لكنه في حقيقة الأمر من الزاهدين لأنَّ قلبه متعلق بالآخرة لا بالدنيا الدنيا عنده عرض زائد وليست المنتهى عباد الله ما أجمل والله، أن نتعلم حقيقة الزهد وأن نتعلم كيف كان رسولنا محمد ﷺ يزهد في الدنيا مع أنَّه لو شاء أن يكون له من الدنيا كذا وكذا لكان بفضل الله عز وجل.

يعني قد يقول قائل إن الله سبحانه وتعالى، في

وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾7. أي: بساتين في الدنيا ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾8. لكن الله اختار له الآخرة، ولما خير النبي محمد صلوات ربي وتسليماته عليه بين أن يكون مَلِكًا نبيًّا وبين أن يكون عبدًا نبيًّا اختار أن يكون عبدًا نبيًّا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل وكما جاء عند ابن سعد في الطبقات فلما رآه النبي ﷺ قال لعائشة رضي الله عنها رديه لا يلزمني رديه قالت فلم أرده [تُراجع العبارة في التسجيل] يعني: ما ظنت أن أمر الرسول ﷺ لها أمر لازم جازم فكررها ثلاثًا.

يعني القمر كان موجودا ثم غاب الكوكب كان حاضرا

ثم قال لها النبي ﷺ: «والله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة». أو كما قال ﷺ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقدمون النفس والنفيس إعلاء لكلمة التوحيد ونصرة للنبي عليه الصلاة والسلام وأنهم كانوا يؤثرون رسول الله على أولادهم وأهليهم فلو أنَّ الرسول طلب منهم مالًا لأعطوه لو طلب منهم أي شيء لقدموه له عليه الصلاة والسلام أن هذه الظروف التي كان يحياها رسول الله ﷺ وكان يحياها الصحابة لم تكن تسمح لهم برغد من العيش فلذلك اضطروا إلى الزهد واضطروا إلى شظف العيش وليس ذلك بصواب قد يكون ذلك في بداية الأمر لكن الله وسع على ﷺ ﴿إِلَّا﴾ تعلمون. يا عباد الله، أن الله أفاء على الرسول ﷺ أموال بني النضير دون أن يوجف عليه أحد من خيل أو ركاب فكانت لرسول الله خاصة أموال بني النضير للرسول وحده يتصرف فيها كيف يشاء وكذلك الغنائم ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾9 فله الخمس ﷺ خمس الخمس كما يقول أهل العلم فله من الغنائم ما له وله من الفيء ما له وقد غنموا وأفاء الله عليهم خيرًا كثيرًا وكان يدخر ﷺ لنفسه بعدما فتح الله عليه ما يكفيه لسنة ومع ذلك يأتيه الفقير فيعطيه ثم يأتيه الآخر فيعطيه ثم يأتيه الآخر فيعطيه فيمر عليه اليوم واليوم واليوم وربما لا يكون في بيته إلا التمر والماء ﷺ تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لا تُوقد النار، ليس هناك لحم يراد أن ينضج فمن أجله توقد النار ليس في بيته إدام يحتاج إلى إنضاج ليوقد النار يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما تُوقد في أبيات رسول الله ﷺ النار فقيل فما كان يعيشكم قالت: التمر والماء، التمر والماء وجاء عنه عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة أيضًا رضي الله عنها «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بُرٍّ ثلاث ليالٍ». تباعًا حتى قُبض لم يشبع آل بيت النبي ﷺ من خبز بر خبز القمح الذي نتخذ منه ما نتخذه الآن من الدقيق ونصنع به الخبز لا تمر ثلاث ليالٍ تباعًا يكون آل بيته قد شبعوا منه ﴿أَنَّمَا﴾ يحتاجون إلى التمر أو إلى الماء ﷺ ورضي الله عن أزواجه.

إن أزواجه رضي الله عنهن قد خُيِّرن فاخترن الآخرة وأردن ﴿ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ قال الله سبحانه يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ النبي ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأزواجك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾10. فتعالينا أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ﴾ الآخرة ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾11. فاخترن ﴿ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ أزواج من أزواج سيد المرسلين أزواج الإمام الأعظم في الأمة ﷺ إمام العابدين ﷺ عباد الله دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو المعروف بالزهد دخل على نبيه محمد ﷺ الذي علَّمه ورباه فلما دخل على الرسول عليه الصلاة والسلام قال: فلم يرد بصري شيء لا يجد في المكان الموجود فيه رسول الله ﷺ شيء يرد البصر قال ولم أجد إلا ثلاثة أَهُب، أي جلود هذه هي الموجودة، وفي بعض الروايات ما دون ذلك يوجد في هذا البيت ذلك قال ووجدت رسول الله ﷺ

وقد اضطجع على حصير، والحصير ليس المراد به الرمل ﴿أَنَّمَا﴾ المراد به الذي قد اتخذ من الحصير مما لا يوجد عليه فراش تعرفون الحصير المؤلم الذي ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الإنسان، أن ينام عليه لا بد أن يضع فوقه فراشا ﷺ كان ينام على هذا الحصير دون فراش ﷺ قال ورأيته. وقد أثَّر في جنبه «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» ادع الله فليوسع على أمتك.

فإنَّ فارس والروم قد فُتح لهم ما فتح «وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ» عز وجل. فقال ﷺ أفي شك أنت يا ابن الخطاب «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟». أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ﷺ لم يخف على أمته من الفقر قال كما في الصحيحين «فوالله ما الفقر أخشى عليكم».

نسأل الله السلامة والعافية عباد الله إنني إذ أقول ذلك فلا أدعو إلى ترك الطعام والشراب كلا. بل أقول لك: كُلْ ما طاب ولذَّ، ولكن كُلْ ما يعينك على طاعة الله لا أقول لك: لا تلبس الثوب فإنَّ الله جميل يحب الجمال. ولما قال رجل للرسول عليه الصلاة والسلام، إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة يريد أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة فهل هذا من الكبر

فقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ». «الكبر: بطر الحق وغمط الناس». الكبر رد الحق وعدم قبوله الكبر غمط الناس احتقار الناس وازدراءهم ﴿أَنَّمَا﴾ الزهد كما قال بعض العلماء: ترك ما لا ينفع في الآخرة هذا هو الضابط ضع هذه الجملة في رأسك. بل ضعها في قلبك الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة أنت حينما تشتري هذا الشيء حينما تأكله أو تلبسه حينما تكتنز هذا المال ماذا تريد به

تريد به أن تتقوى على طاعة الله وأن يتفرغ قلبك لطاعة الله عز وجل أن تعف نفسك وأولادك وأن تمتنع عن أكل الحرام وأن تقبل على طاعة الله عز وجل. فإنَّ كنت كذلك فالحمد لله. وأما إن كانت الدنيا أكبر همك ومبلغ علمك فتب إلى الله عز وجل. وقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام، «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا». نعم لا تجعل الدنيا أكبر همنا لا يكن أكبر همك الدنيا وإنما لتكن الآخرة أكبر همك.

نسأل الله أن نكون من هؤلاء الذين يعتنون بأمر الآخرة عباد الله اجعل الآخرة نصب عينيك فأنت عما قليل. بل ربما في اللحظة التي نحن فيها أو بعدها لذلك أمر الله نبيه محمدًا ﷺ فقال ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾12. ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا﴾ متع الله به الناس من صنوف الدنيا، ولم يمنحك إياها فلعل ذلك خير لك ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾.

نسأل الله - تبارك وتعالى رزقًا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة وكما قال ابن القيم رحمة الله تعالى: الزهد سفر القلب من وطن الدنيا ونزوله في منازل الآخرة اشتراه بثمن كبير يضعه في داخل البيت أو خارج ثم يدخل بيته دخل المسجد هل يشتغل واحد منكم بنعله الآن؟ لا يشتغل، لماذا ﴿أَنَّمَا﴾ يفكر فيه وقتًا يحتاجه أليس كذلك

إذا أردنا الخروج من المسجد نفكر في هذا الذي سنرتديه لتكن الدنيا كما قال بعض أهل العلم كذلك فكِّر فيها وقتًا تحتاجها رضي الله عنهما. فقال له. وقد أخذ بمنكبه قال: يا عبد الله «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». إن الغريب مهما طالت غربته يعلم أنَّ هذا المكان ليس مستقره فلا يصنع فيه الشيء الذي يصنعه المستقر المقيم إنسان ذهب إلى مكان من الأماكن سيمكث فيه خمس سنوات أو عشر سنوات لكنه مرتاح لا يصنع ما يصنعه من سيقيم في هذا المكان إلى أن يموت «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».

وهذا أقل وأعظم فهو من أسلوب الترقي في حديثه ﷺ عابر سبيل إنسان في طريقه يسافر في الطريق وهو في طريقه يمر على مكان من أماكن فيحتاج إلى زاد أو إلى استراحة فينزل في تلك الاستراحة بالله عليكم هل يفكر أن يتخذ مكانًا في هذه الاستراحة لا يفكر لماذا لأنه مرتحل عما قريب، وكذلك نحن في هذه الحياة عباد الله الزهد على درجات من الزهد الواجب الزهد في الحرام نعم ازهد في الحرام لا تطعم حرامًا، ولا تعمل في حرام، ولا تطعم أولادك حرامًا اتق الله في نفسك واتق الله في أهلك اتق الله في ذويك كذلك من الزهد الزهد في فضول المباح.

وقد وصفها الله بأنها متاع الغرور الدنيا كما تعرفون إذا حلَت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا أينعت نعت فهي إلى زوال فلا تخترها لا تختر بما أنت فيه وليس المقصود بالزهد أن يزهد في المال فحسب. بل أن يزهد في كل ما تمتد إليه الأعين في كل ما تمتد إليه الأعين رحم الله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

يعني ما يبنى عليه الفقه، ومنه الأصل والفرع فكذلك

وقد أقام في وقت الفتنة في إبله وغنمه وترك هذا الذي يتزاحم عليه الناس فأتاه ابنه فلما رآه سعد من بعد قال ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بالله من شر هذا الراكب فلما أقبل عليه قال له: أنت تبقى في إبلك وغنمك والناس يتنازعون ملكًا. فقال له. إن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي». أو كما قال ﷺ «عبد تقي» عنده نقاء قلب عنده خفاء لا يريد شهرة ﴿أَنَّمَا﴾ يبتغي الدار الآخرة فهو يطلب ما عند الله ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ﴾ وقال سبحانه ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾13. كذلك أخي الكريم إذا أردت أن تزهد فتذكر نعيم الآخرة تذكر نعيم الآخرة لا تكن ممن تعجل الطيبات في حياتهم الدنيا.

في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ هناك أقوام عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. أما أنت فاطلب ما عند الله. ولذلك من لبس الحرير في الدنيا أو من شرب الخمر ثم لم يتب لم يشرب منها في الآخرة أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، يحرم من النعيم في الآخرة، ومن المعلوم أنه لا مقارنة بين نعيم الدنيا الزائل وبين نعيم الآخرة المقيم وفرح بالحياة الدنيا ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ ۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَـٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾14.

عباد ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أردت أن تزهد فاعلم، أن زهدك لن ينقصك شيئًا مما كتب لك، أن زهدك لن ينقصك شيئًا مما كتب لك. كما أنَّ حرصك على الدنيا لن يزيدك شيئًا مما كتب لك «رفعت الأقلام وجفت الصحف». قال ﷺ كما عند ابن ماجه من حديث سهل رضي الله عنه «ازهد في الدنيا يحبك الله». الله أكبر ﴿إِلَّا﴾ تريد أن يحبك الله والله إنها كافية، أن يحبك ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ تعلق قلبك به لا بغيره ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس أخيرًا إذا أردت أن تزهد فلا تنظر إلى مَن هو أعلى منك في أمور الدنيا ولكن.

من ذلك ما جاء في سورة البقرة وإذ نجيناكم

ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾. بل أصلها أهل ثم أبدلت الها

أن أصلها أول …

ليس قبله شيء. ولذلك هو مستغن عن خلقه وكل

انظر إلى مَن هو دونك فيها لعل فيما قلت كفاية. نسأل الله أن يجعلنا من الزاهدين حقًا اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلهما ملتبسين علينا فنضل اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم إنا نسألك الهدى والتقى اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسِّلم والسلام، يا ذا الجلال والإكرام سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك. أقيموا الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  7. آية: ﴿وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 33 ↩
  8. آية: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 34 ↩
  9. آية: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 41 ↩
  10. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 28 ↩
  11. آية: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 29 ↩
  12. آية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 131 ↩
  13. آية: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ۝ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 16-17 ↩
  14. آية: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ فِى زِينَتِهِۦ ۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا يَـٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِىَ قَـٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 79 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (45 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة