مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الرسول صلى الله عليه وسلم وتعامله مع الأوبئة خطبة الجمعة للشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم · الدرس 27 من 45 · 24 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. معالم هدي النبي ﷺ في التعامل مع الأوبئة والنوازل
  2. أجر الشهادة للمحتسب الصابر في الوباء وكون الطاعون جنداً
  3. الجمع العقدي بين نفي العدوى والأخذ بالأسباب وأدعية التحصين
  4. تأسيس الحجر الصحي في الشام وفقه عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله
  5. فاجعة طاعون عمواس واستشهاد خيرة الصحابة كأبي عبيدة ومعاذ
  6. التفاؤل بالفأل الصالح والنهي عن ترويع الناس وحرمة احتكار
التفريغ النصي الكامل للدرس

معالم هدي النبي ﷺ في التعامل مع الأوبئة والنوازل

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]. من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد. «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ»، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة. أمَّا بعدُ:

فيا يا أيها الإخوة الكرام، ما زال حديثنا موصولًا مع هذه السلسلة: هكذا خطب النبي ﷺ، أو. إن شئت فقل وقفات مع قول الله جل ذكره ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾2 ونحن اليوم على موعد مع الرسول ﷺ والتعامل مع الأوبئة والأسقام.

كيف كان ﷺ يتعامل مع الأوبئة وكيف كان ينصح لأمته ويرشدهم بأبيه وأمي صلوات الله وتسليماته عليه لا يخفى عليكم، يا أيها الإخوة الكرام، ما حل بالمسلمين في هذه الأيام. بل ما حل بالعالم أجمع ونسأل الله، أن يدفع عنا البلاء وأن يحفظنا بحفظه وأن يكلأنا بإعانته وعونه ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ﴾ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله ﷺ كما أخرج الإمام البخاري في صحيحه سألته عن الطاعون.

أجر الشهادة للمحتسب الصابر في الوباء وكون الطاعون جنداً

فقال ﷺ: «رجز أو عذاب يبعثه الله عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وقد جعله الله رحمة للمؤمنين فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا «يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ» إلا كان له مثل أجر شهيد» وهذا حديث عظيم جليل فكثير منا يحفظ حديث الرسول الكريم صلوات الله وتسليماته عليه وقد أخرجه الشيخان «الطاعون شهادة لكل مسلم» وهذا في من لقي حتفه ومات بسبب الطاعون. أما الحديث الذي ذكره رسول الله ﷺ لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فهذا في فضل الصابر المحتسب الذي يثق في الله ويعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا «يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ» إلا كان له مثل أجر شهيد أن يكون له أجر الشهادة بسبب صبره واحتسابه وعلمه أن الذي بيده.

الأمر كله هو الله سبحانه وتعالى، الرسول ﷺ ينبئ ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ عذابًا على الأمم السابقة يبعثه الله عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وهو جند من جنود ربك ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾3 والشيء الواحد قد يكون رحمة. وقد يكون نقمة فالناس بدون الماء يهلكون والناس إذا زاد الماء وفاض ربما وقع لهم الغرق فقد ينجي الله قومًا بالماء.

وقد يهلك الله أقوامًا بالماء وهكذا في سائر جنود ربك سبحانه وتعالى، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا ما أحوج الأمة إلى الصبر وإلى الاحتساب وطلب الأجر والمثوبة من الله سبحانه وتعالى، «يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ» إنه تجديد العهد بالإيمان بالقدر الذي لا ينبغي للمؤمن أن ينفك هذا الإيمان عن قلبه، أن يؤمن بالقدر خيره وشره وكثير من الناس يغفل عن ذلك، والله قال ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾4، وبهذا تجتمع الأحاديث، وتزول الإشكالات التي قد يتوهمها بعض الناس، حينما يقرأ بعض الأحاديث الصحيحة المروية عنه عليه الصلاة والسلام فينظر في بعضها وينظر إلى أحاديث أخرى فيظن، أن بينها تعارضا، ولا تعارض فقد جاء عن النبي ﷺ «لا عدوى، ولا طيرة» هكذا جاء عنه عليه الصلاة والسلام.

الجمع العقدي بين نفي العدوى والأخذ بالأسباب وأدعية التحصين

وقال له أعرابي يا رسول الله. إن الإبل تكون في الرمل أشبه بالظباء أي: هذه الإبل يرى لها قدرها وحركتها وقوتها فإذا بها تصير كذلك حينما يأتيها الأجرب. فقال ﷺ: «فمن أعدى الأول؟» يعني: أنك تقول: إن هذه الإبل المصابة بالجرب لما كان بجوارها أصابها فقال الرسول ﷺ: «فمن أعدى الأول؟» وجاء عنه عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث الشريد رضي الله عنه أن وفدا من ثقيف أرادوا مبايعة رسول الله ﷺ وفيهم رجل مجذوم فأرسل الرسول ﷺ «إنا قد بايعناك فارجع» «إنا قد بايعناك فارجع»، يعني: لا حاجة إلى مجيئك. وقال ﷺ «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ» وهو ثابت في الصحيح لا تعارض بين تلك الأحاديث «لا عدوى» وهو القائل «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ» إن الرسول الكريم صلوات الله وتسليماته عليه يعلمنا أولًا العقيدة أولًا وأنَّ كلَّ شيء بقدر وأن الذي يقدر الشفاء والسقم أو السقم هو الله سبحانه. وقد قال الخليل إبراهيم ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾5 ثم كذلك يعلمنا الرسول ﷺ الأخذ بالأسباب فنحن نبتعد عن الأسباب التي ربما وليس قطعًا التي ربما تفضي إلى الأسقام والأوبئة لئلا يظن ظان أنه لولا كذا لكان كذا وإنَّما.

الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، فهو يعلمنا الأخذ بالاحتياط والأخذ بالأسباب وأن العدوى قد تكون موجودة بيد أنها لا تؤثر إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، هي أسباب. لكن الذي يجعل هذا يحدث له. وهذا لا يحدث له هو الله سبحانه وتعالى. وقد يجاور المريض رجلين فيصاب أحدهما، ولا يصاب الآخر فمَنْ الذي قضى بذلك

إنه الله سبحانه وتعالى، هذا أمر عقدي لا بد أن يعتقده المسلم، أن يجمع بين الأمرين. وقد جعله الله رحمة للمؤمنين. وهذا هو الفرق الكبير والبون الشاسع بين المؤمن وغيره. فإنَّ الرسول ﷺ قال كما في صحيح مسلم «عجبا لأمر المؤمن أن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» فالمؤمن في كل الأحوال حاله خير ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾6 فالإنسان يؤجر ويثاب وقد تزال كثير من الهموم والكربات والغموم بما يفعله الله سبحانه ويقدره على عباده يدرك ذلك المؤمن ففرق بين كافر لا يعتد بقدر الله، ولا يعرف شيئًا عن الإيمان بالله وبين مؤمن يثق في الله ويتوكل على الله يأخذ الأسباب.

لكن قلبه متعلق بالله سبحانه وتعالى، والحمد لله قد شهد بعض قادة الكفر وأهل الغرب بما ينبغي للمسلم، أن يعيه إذًا صرح بعضهم كرئيس وزراء إيطاليا وحينما يقول عجزت كل أدوية الأرض وكل أسباب الأرض وليس لنا حينئذ إلا السماء هو يقول ذلك ويصرح به فماذا يقول المسلم الواثق في وعد ربه، العالم، أن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا ﴿إِلَّا﴾ يثق العباد في الله ويتوكلون على الله ويلجؤون إلى الله ليدفع الله عنهم البلاء، وعندنا في أحاديث رسول الله ﷺ الكثير من الأحاديث والأدعية والتعويذات التي كان يقولها ويرددها ﷺ ثبت في سنن أبي داود من حديث أنس رضي الله عنه، أن ﷺ كان يقول «اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك من البرص والجنون والجذام، ومن سيئ الأسقام» اللهم ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ بك من البرص والجنون والجذام وعلمنا الرسول ﷺ كما عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم من حديث عثمان رضي الله عنه أنه ﷺ قال ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء وهو السميع العليم» ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ لم يضره شيء وفي لفظ لم تصبه فجأةً بلاء فنظر رجل إلى أبان بن عثمان وأبان بن عثمان يروي هذا الحديث عن عثمان بن عفان رضي الله عنه فرأى به فالجًا، وداءً ومرضًا لا يمكن معه التحرك فنظر إليه، يعني: أنت تروي هذا الحديث فما الذي ضرك وما الذي أصابك.

فقال له أبان: لِمَ تنظر إليَّ؟، يعني: تنظر إلى الداء الذي به فوالله ما كذبتُ على عثمان، ولا كذب عثمان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكنني غضبت يومًا فنسيتُها فأُصبت في ذلك اليوم، وفي لفظ ليمضي الله علي قدره أي: أصيب في اليوم الذي نسي أن يقول هذا الذكر. وهذا من تمام فقهه وتوكله على الله.

فقال: «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء وهو السميع العليم». إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علمنا أن نأخذ بالأسباب الوقائية فالوقاية خير من العلاج والدفع خير من الرفع كون الإنسان يدفع المرض قبل وقوعه هذا أولى. ولذلك علمنا الرسول ﷺ «مَن تَصَبَّحَ بسبع تمرات عجوة لم يضرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر».

فهذا يفعله الإنسان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصاب بذلك

تأسيس الحجر الصحي في الشام وفقه عمر: نفر من قدر الله إلى قدر الله

وعلمنا الرسول ﷺ بما يكون في أمر الطاعون خاصة وأصل الحديث أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما كان بسرغ وهي على مشارف الشام أو في الطريق إلى الشام من جهة الحجاز خرج إليه أمراء الأجناد أي: أمراء أجناد الشام وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه.

فقالوا له. إن بأرض الشام وباء فماذا صنع عمر رضي الله عنه جمع المهاجرين الأولين فسألهم ما أصنع أرجع أم أدخل فاختلفوا. فقال بعضهم: نراك قدمت لشيء فلا ترجع عنه. وقال له آخرون معك بقية الناس وأصحاب ﷺ فلا تقدم بهم على هذا الوباء. فقال: قوموا عني ارتفعوا عني ثم دع الأنصار فسألهم فاختلفوا أيضًا.

ثم قال: ادعوا لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلما اجتمعوا سألهم فلم يختلفوا. وقالوا قولةً واحدةً نرجع ترجع ببقية الناس وأصحاب النبي ﷺ فقال عمر رضي الله عنه: «إني مُصبح على ظهرٍ» أي: فرجع وارتحل أي: أنا راجع، ولن أدخل الشام. فقال: أبو عبيدة رضي الله عنه «أفرارًا من قدر الله يا أمير المؤمنين؟».

فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة أي: أنت مقامك عال ومرتفع، وفي بعض الروايات، وكان لا يحب خلافه كان عمر رضي الله عنه لا يحب خلاف أبي عبيدة رضي الله عنه حتى أن أبا عبيدة مات في هذا الطاعون كما سأنبه الآن بإذن الله، ولمَّا جاء عمر رضي الله عنه. وقد حضرته الوفاة قال لو كان أبو عبيدة حيا لوليته الخلافة وما جعلتها شورى لأنَّ الرسول قال: «إن لكل أمة أمينًا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» قال أبو عبيدة ذلك.

فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. فقال له أرأيت لو نزلت إبلك واديا هبطت واديا فكان فيها خصيبة أو خصبة وأخرى جدبة أليس [يُراجع التسجيل لاستكمال المقارنة بين المرعى الخصب والجدب] أي: ماذا تصنع ستصنع بإبلك أنها ترعى في الخصبة لا في الجدبة. ثم إنَّ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان في بعض حاجته فلم يحضر فلما سمع الخبر قال عندي في ذلك علم يحتمل أنه سمع القصة كلها من رسول الله ﷺ أنا أحفظ الحديث.

وهذا فيه أنَّ: عمر رضي الله عنه كان محدثًا ملهمًا وأنه فهم من عمومات الشريعة أنه يؤخذ بالأسباب وإن لم يحفظ الحديث الخاص عن رسول الله ﷺ فقال عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا سمعتم به بأرض ولستم فيها فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارًا منه» فحمد الله عمر رضي الله عنه وانصرف. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

فاجعة طاعون عمواس واستشهاد خيرة الصحابة كأبي عبيدة ومعاذ

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، رجع عمر رضي الله عنه ومن معه وبقي أبو عبيدة رضي الله عنه ومن معه وقضى الله، وقدر أن يموت في هذا الطاعون أكابر من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، فمات في هذا الطاعون أبو عبيدة بن الجراح ثم معاذ بن جبل رضي الله عنه إمام العلماء وأعلم الناس بالحلال والحرام ومات أيضًا في هذا الطاعون الفضل بن عباس وشرحبيل بن حسنة ومات فيه خلق كثير من أصحاب رسول الله ﷺ الحارث بن هشام رضي الله عنه قدم على عمواس ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يجيء الطاعون بسبعين من أهله ذكروا أنه لم يرجع منهم إلا أربعة لم يرجع من السبعين إلا أربعة والباقون ماتوا في هذا الطاعون، وكان على الأجناد، وكان على الثغور ما يقارب ستة وثلاثين ألفًا، مات منهم ثلاثون ألفًا بهذا الطاعون طاعون عمواس ومرت الأمة بظروف أشدّ وأحلك.

لكن الله فرج الكرب، وكانوا صابرين محتسبين. وقد أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا عبيدة رضي الله عنه، أن يكون في مكان مرتفع حتى يبتعد عن الأوبئة ولكن. الأمر لم يبق له حتى لقي ربه إذ أشار على أبي موسى الأشعري بذلك ثم مرضت زوجة أبي موسى الأشعري، امرأته رضي الله عنها، فجلس على تمريضها ثم ماتت ومات أبو عبيدة رضي الله عنه ثم معاذ ثم جاء عمرو بن العاص رضي الله عنه تولى في هذا الوقت على عمواس فكان سببًا بفضل الله في تفريج الكربة، إذ أمر المسلمين [يُراجع التسجيل لاستكمال العبارة]، وقتئذٍ المسلمون مروا بأمور شديدة لكنهم كانوا محتسبين ونسأل الله، أن يجعلنا من المحتسبين، وكانوا ثابتين ونسأل الله، أن يجعلنا من الثابتين علينا أن نستغفر الله وأن نتضرع إليه فالله قال ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾7

من أراد أن يرحمه الله، فعليه بالاستغفار والتضرع إلى الله أين المسلمون من الدعاء

التفاؤل بالفأل الصالح والنهي عن ترويع الناس وحرمة احتكار

أيشتغل المسلمون بتقليب الأخبار وسماعها هنا وهناك وأخبار متناقضة وأقوال متعارضة والخير لهم من ذلك، أن يلجأوا إلى الله وأن يكثروا من التضرع إلى الله سبحانه وتعالى، هكذا يعلمنا ربنا ويعلمنا نبينا محمد ﷺ أن الرسول قال «لا طيرة وخيرها الفأل» قال: وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: «الكلمة الطيبة يسمعها المسلم» ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ كلمة طيبة لا تروع الناس، ولا تفزعهم نعم علَّمهم، أن يتخذوا الإجراءات الواقية وأن يبتعدوا عن مواضع الأسقام وأن يكونوا كذلك على قدر من المسؤولية.

لكن إياك، أن تروعهم. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ يذهبون إلى سفر يسمون في اللغة العربية بالقافلة والقافلة هي التي ترجع. ومع ذلك سُمِّي من يذهب إلى السفر بالقافلة لِمَ؟ تفاؤلًا بأنهم سيرجعون سالمين إلى أهليهم والصحراء قيل لها مفازة ما ذلك إلا من أجل التفاؤل لأنَّ الإسلام يعلمنا التفاؤل يا أيها الإخوة الكرام علينا أن نثق بالله وأن نأخذ بالأسباب وأن نكثر من الدعاء والتضرع إلى الله فلا كاشف لهذا الضر إلا إذا كشفه الله ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾8 علينا.

يا أيها الإخوة الكرام أن لا نتخذ هذا ذريعة لإيذاء بعضنا بعضًا فبعضنا، ولا شك وقع في ضرر ووقع عليه ضرر فمن استطاع أن يدفع الضرر عن أخيه دفعًا لا أن يكون سببًا في إيذائه علينا كذلك من كان صيدليًا أو كان بائعًا أو مشتريًا ﴿إِلَّا﴾ يستغل ظروف الناس فيرفع عليهم الأسعار وما إلى ذلك، أن نتثبت في الأخبار وأن نتقي الله ربنا اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق ملتبسًا علينا فنضلَّ اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم ارفع عنا البلاء والوباء اللهم ارفع عنا البلاء والوباء.

اللهم إنا نعوذ بك من البرص والجنون والجذام وسيء الأسقام يا ذا الجلال والإكرام. اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وسائل اللهم جعل مصر واحة للأمن وأمان والسلم والسلام وسائر بلاد المسلمين اللهم تب علينا اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا اللهم لا تحرمنا فضلك بسوء ما عندنا اللهم لا تحرمنا فضلك بسوء ما عندنا اللهم لا تحرمنا إحسانك بذنوبنا يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  3. آية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 31 ↩
  4. آية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 49 ↩
  5. آية: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 80 ↩
  6. آية: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ — البقرة: 216 ↩
  7. آية: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 46 ↩
  8. آية: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 17 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (45 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة