مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

ســـاعـــة و ســاعـــة

خطب · الدرس 171 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. حديث حنظلة وخوف الصحابة من النفاق الأصغر
  2. حنظلة كاتب الوحي وخوف عمر من النفاق
  3. مصارحة أبي بكر وحنظلة ومعافسة الأزواج
  4. مصافحة الملائكة وضابط ساعة وساعة
  5. محاسبة النفس وتفنيد تأويل ساعة وساعة
  6. تفقد حضور القلب ورحمة التيسير
التفريغ النصي الكامل للدرس

حديث حنظلة وخوف الصحابة من النفاق الأصغر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج مسلم في صحيحه من حديث حنظلة الأُسَيِّدي رضي الله عنه، وكان كاتبًا لرسول الله ﷺ، قال: لقيني أبو بكر رضي الله تعالى عنه.

فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة. فقال أبو بكر رضي الله عنه سبحان الله ما تقول قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ، يُذكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنَّا رأيُ عينٍ فإذا خرجنا ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ، عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعات، فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا قال: فانطلقتُ أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله نافق حنظلة قال ﷺ: «وما ذاك قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنَّا رأيُ عينٍ فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعات، نسينا كثيرًا فقال ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً أن لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ» لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ صلوات الله وتسليماته عليه.

يا أيها الإخوة الكرام، نعيش مع هذا الحديث الجليل الشريف الذي يُبيِّن لنا قدر الصحابة الكرام، وما في قلوبهم من خيرٍ وإخباتٍ لرب الأرض والسماوات وما أحوجنا إلى أن نتعلَّم هديهم، وأن نعرف دَلَّهم حتى نعرف لِمَ كانوا أصحابًا لرسول الله ﷺ ولِمَ صيَّرهم الله قادةً للشعوب والأمم بعد أن كانوا رعاة للغنم لِمَ جعلهم الله أعزَّةً مهابين؟ أعزَّهم بعد ذُلٍّ، وقوَّاهم بعد ضعفٍ واليومَ المسلمون يشكون حالَهم.

نسأل الله أن يعفو عنا، وأن يجبر كسرنا

حنظلة كاتب الوحي وخوف عمر من النفاق

حنظلة هو حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدي رضي الله عنه كان أحد كُتَّاب الوحي لرسول الله ﷺ وما أجمل هذا العمل الذي كان يعمله، إذ كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ وما من شكٍّ أن الرسول ﷺ إذا اختار أحدًا لهذه المهمة الشريفة فإنه يعلم صدقه وأمانته ولو كان في قلبه دَغَلٌ أو خللٌ، ما استأمنه الرسول ﷺ على كتابة الوحي ولو كان خائنًا أو منافقًا لدل الله رسوله ﷺ على حال حنظلة رضي الله عنه حتى يتقيه.

لكن الرسول ﷺ جعله أحد كتاب الوحي. فهذا يدل ابتداءً على صدق حنظلة، وعلى أنه من الصحابة الكرام الأخيار رضي الله عنهم، يقول: لقيني أبو بكر رضي الله عنه وأبو بكر الصديق رضي الله عنه لا يخفى عنكم حاله، ولا فضله، ولا مكانته فهو أفضل الأصحاب على الإطلاق، أعني أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، جاء في رواية الترمذي أن حنظلة مرَّ بأبي بكر رضي الله عنه وهو يبكي.

وهذا يجعلك تعرف السبب الذي من أجله سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه حنظلة. فقال له: كيف أنت يا حنظلة؟ إن حنظلة لم يتحمَّل حينما تذكَّر حاله عند رسول الله ﷺ حين يذكرهم بالنار والجنة فإذا بهم كأنهم يرونهما رأي العين كأنما رأوا النار وزفيرها وسعيرها، ورأوا الجنة وما فيها من سعادةٍ وخيرٍ وبركات ثم التفت إلى نفسه حينما يلاعب أولاده ويلاعب زوجته لا شك أن.

الأمر يختلف تذهب الدموع ويذهب الحضور، فبكى حنظلة حتى خرج من بيته وهو يبكي. تأمَّل هذا التأثُّر الكبير! إذ إن حنظلة لم يقل: نافق حنظلة، فحسب وإنما قالها بلسانه، وخشي ذلك في قلبه، وظهر ذلك في عينيه حين بكى فرآه أبو بكر رضي الله عنه ولما كان الأصحاب رضي الله عنهم متآخين متحابِّين، يحب بعضُهم بعضًا ويسأل بعضهم عن بعض، ويتفقد بعضهم أحوال بعض لم يتركه أبو بكر وشأنه، وإنما سأله سؤال الصديق الصاحب الرفيق المحب.

فقال له: كيف أنت يا حنظلة؟ فنطق حنظلة وقال: نافق حنظلة حنظلة رضي الله عنه، أحد كُتَّاب الوحي الذين يكتبون القرآن لرسول الله ﷺ، يحكم على نفسه فيقول: نافق حنظلة اللهَ اللهَ يا عباد الله في حذر أولئك الأصحاب من النفاق! فإنَّ ابن أبي مليكة، وهو أحد التابعين، قال كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له قال أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل أن يخاف على نفسه أسأل الله السلامة والثبات، وكان عمر رضي الله عنه يخشى على نفسه من النفاق، وكان يُكرِّر السؤال على حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، لأن حذيفة كان صاحب سر رسول الله ﷺ، وقد أخبره الرسول ﷺ بأسماء المنافقين فكان عمر رضي الله عنه يسأله: أسمَّاني رسول الله ﷺ في المنافقين؟ حتى رد عليه حذيفة

فقال له لا ولا أزكي أحدًا بعدك لن أتكلم في هذا الأمر لأحد بشيء أنه عمر الفاروق الذي إذًا سلك فجا سلك الشيطان غير فجه رضي الله تعالى عنه قال: نافق حنظلة. كلمةٌ عظيمةٌ، كلمةٌ صعبةٌ على النفس لكنها المصارحة، إنها المصارحة، أن يصارح الإنسان نفسه، ومن لم يصارح نفسه، فمن يصارح؟ إذا لم تصدق مع نفسك، فمع من تصدق؟ إذا ادعيت لنفسك شرفًا وفضلًا، مع أنَّ فيها خللًا فكيف عساك أن تترك هذا الخلل؟ أعظم الصراحة أن تصارح نفسك إنهم أنصفوا أنفسهم من أنفسهم حتى خرج حظ نفسهم أو أنفسهم من أنفسهم لأنهم علموا أن الآخرة أعظم وأبقى.

مصارحة أبي بكر وحنظلة ومعافسة الأزواج

نسأل الله أن يحيي قلوبنا بالإيمان. وقد قال الله تعالى: ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾5 (القيامة: 14-15) فلما قال له: نافق حنظلة، فهذا حكمٌ صعبٌ أن يحكم الإنسان على نفسه بالنفاق. فقال أبو بكر رضي الله عنه: سبحان الله! ما تقول؟ «سبحان الله»، هذه الكلمة تُستعمل في باب التعجُّب، كما تُستعمل في باب تنزيه الله سبحانه وتعالى، عن كل نقص يتعجب أبو بكر: يا حنظلة، ما علمناك إلا خيرًا، وما علمناك إلا مباركًا الآن تحكم على نفسك بالنفاق؟ ماذا صنعت؟ وماذا أجرمت؟.

فقال له: سبحان الله! ما تقول؟ فقال له حنظلة: نكون عند رسول الله ﷺ، يُذكِّرنا بالنار والجنة، حتى كأنَّا رأيُ عينٍ ويصح فيها الضبطان: «رأيُ عينٍ» بالرفع على الخبرية، و«رأيَ عينٍ» بالنصب على المصدرية أي: نراها رأيَ عينٍ حينما يُذكِّرهم الرسول الأكرم صلوات ربي وتسليماته عليه بالنار والجنة كأنهم يرون النار والجنة حينما يحدثهم عن النار وعذابها وعن الجنة ونعيمها فكأنهم يرون الجنة والنار وتأمَّل! الذي يرى الجنة ماذا يصنع؟ يكون في شوقٍ، وفي تلهُّفٍ، وفي أملٍ، وفي رغبةٍ يريدها، ويريد ألَّا يُحرم منها

والذي يرى النار وينظر إليها وإلى عذابها، يخاف منها، ويريد الهرب منها والفرار منها قال فإذا خرجنا ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ عدنا إلى الدنيا إلى أمور الدنيا المباحة عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات عافسنا الأزواج، قالوا: ما معنى عافسنا؟، يعني: عالجنا، ولاعبناهم فالمعنى أنه يلاعب زوجه، ويلاعب أولاده، ويمارس حياته.

والمراد بالضَّيْعات معاش الدنيا، من مباشرة الأموال كالتجارة والصناعة وما إلى ذلك من أعمالنا في الدنيا يقول إذا خرجنا ﴿مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾ ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات وجاء في الرواية الأخرى أنه قال: «فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ» ففسَّر معنى قوله: عافسنا الأزواج والمعنى إنهم يلاعبون أطفالهم يلعبون معهم ويضاحكون نساءهم ويمارسون حياتهم وما من شكٍّ أن حال الإنسان سيتغيَّر لن تكون كما كنت في المسجد، ولن تكون كما كنت حين تسمع القرآن وتبكي وتتأثَّر إلى غير ذلك مما يحضر الإنسان حينما يعلو إيمانه ويزداد.

نسأل الله أن يزيد الإيمان في قلوبنا. فقال له أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنَّا لنلقى مثل هذا إنها المصارحة الثانية، إنه الصدق لم يُخفِ أبو بكر رضي الله عنه حاله أحدنا إذا شكا إلى غيره، لم يُصرِّح له الآخر بأنه مصابٌ بما أُصيب به مَن شكا إليه. لكن أبا بكر رضي الله عنه قالها بصراحة والله أنا لنلقى مثل هذا أنا مثلك، ألقى الذي تلقى، وأجد الذي وفي الرواية الأخرى قال: انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ نعم، إنه الذهاب إلى المداوي، إلى مَن أعطاه الله العلم والفضل كما قال الله تعالى: ﴿فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ما المخرج؟ أن يلجؤوا إلى رسول الله محمد ﷺ ليسألوه عن حالهم ليشكوَ كلُّ واحدٍ منهم ما يجد في قلبه انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ أحدنا تنزل به النازلة، وتقع له الأزمة، وتكون هناك المعضلة، وفيها الحلال والشُّبَه والحرام وإذا به لا يذهب إلى عالمٍ ليسأله، ولا إلى شيخٍ ليستفسر منه ولربما إذا لقيه في الطريق مرةً قال له: عندي استفسار، أو عندي استشارة صار الدين هيِّنًا عند كثير من الناس إلا من رحم الله رب الناس مَن مِنَّا اليوم يبحث عن مرضه، ويبحث عن خلله؟ يأتي ليشكو حاله، ليشكو قسوة قلبه، ليشكو جفاف عينه، ليشكو ما يتعلق بنفسه من تقصيرٍ وتفريطٍ في جنب الله عز وجل فلما دخلوا على رسول الله ﷺ، قال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله وفي الرواية الأخرى أن الرسول ﷺ لما رآه قال: ما لك يا حنظلة؟ والرواية الأخرى تفيد أن وجه حنظلة لم يتغيَّر أن وجه حنظلة لم يتغير وأن البكاء الذي وقع له لم يُغيِّر حاله حاله صعبة، لا يجد دواءً ولا علاجًا ولا جوابًا عن سؤاله فلما دخل على الرسول ﷺ، بادره الرسول في الرواية الأخرى.

فقال: ما لك يا حنظلة؟ فقال حنظلة: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال ﷺ: «وما ذاك؟» وفي روايةٍ أخرى قال: «مَهْ» ما هذا الكلام الذي تقوله؟ هذه كلمةٌ لا تقلها ولا تنطق بها؛ فكلمة النفاق كلمة خطيرة فأجاب حنظلة وقال: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضَّيْعات، نسينا كثيرًا تأمَّل قوله: «نسينا كثيرًا»!.

مصافحة الملائكة وضابط ساعة وساعة

فقال ﷺ: «إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ»، هكذا بالعطف يعني: تكونون عندي في المجلس مع رسول الله ﷺ، وفي الذكر، أي: وقت أن تذكروا الله سبحانه وتعالى «لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً» تأمَّل قول النبي ﷺ: «إِنْ لَوْ تَدُومُونَ»، يعني أن «إِنْ» هنا هي المخففة من الثقيلة أي: إنكم لو تداومون على ما تكونون عليه عندي، ولو تحافظون على الحالة التي وصلتم إليها وقت أن كنتم جالسين مع رسول الله ﷺ وفي الذكر، أي: في حالة الذكر.

وهذا معناه أن الإنسان حينما يقرأ القرآن، وحينما يذكر الرحمن، يَرِقُّ فؤاده ويعلو إيمانه، ويزداد يقينه، ويشعر بسعادةٍ غامرةٍ ولذةٍ عجيبة قال: «لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ»، وأنتم على الفُرُش تأتي الملائكة تُسلِّم عليكم، وفي طرقكم تلقاكم الملائكة فتُسلِّم عليكم لماذا؟ لأن الملائكة هم الذين يُسبِّحون الله بالليل والنهار لا يفترون مَن الذي لا يفتر عن الطاعة؟ مَن الذي لا يستحسر؟ مَن الذي لا ينقطع؟ إنهم الملائكة فإذا وصلتم إلى تلك الحالة، فأنتم حقيقون بأن تُسلِّم عليكم الملائكة ولكن الله رحمكم وغفر لكم؛ لأن الله ركَّب فيكم شهواتٍ ليست في ملائكة الرحمن.

فقال: «وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً»، وكرَّرها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال بعضهم أي: ولكن يا حنظلة أقبل الساعة وآله الساعة يا حنظلة أقبل يا حنظلة، راقب الله ساعةً ويا حنظلة، عافِسْ زوجك وأولادك، واشتغلْ بالضَّيْعات ساعةً تضبط أيضًا الساعة والساعة أي: الساعة لربك والساعة للترويح عن نفسك هكذا علَّمنا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد أرشد حنظلة وأعلمه أنه، بفضل الله، ليس بمنافق.

لكن الحالة التي هو عليها هي حال الناس جميعًا «إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ» لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم ولكن يا حنظلة الساعة والساعة والمعنى: لا تعصِ الله عز وجل، ولكن لا مانع من أن تعيش في بعض أوقاتك في المباح، وفي الحلال، من ملاعبة الأزواج والأولاد والاشتغال بالضَّيْعات وأن تكون في الساعة الأخرى في طاعة الله جل وعلا الخالصة.

محاسبة النفس وتفنيد تأويل ساعة وساعة

نسأل الله أن يعمر أوقاتنا بطاعته عز وجل ولنا مع هذا الحديث وقفاتٌ بعد هذا الشرح الموجز الذي استمعتم إليه، يا أيها الإخوة الكرام، إن حنظلة رضي الله عنه ﴿أَنَّمَا﴾ يشكو أنه في بعض الساعات يضعف عمَّا كان عليه وهو عند رسول الله ﷺ إذًا معناه أن حنظلة رضي الله عنه كان وقت جلوسه مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووقت سماعه للقرآن، ووقت ذكره لله في حالةٍ عظيمةٍ جليلة، حتى إنه يستحضر الجنة والنار وأنا أسألك هل مرت بك الساعة كأنَّك ترى الجنة

والنار لسنا نسأل عن الساعة التي نغفل فيها لكننا نسأل عن الساعة التي يشعر فيها الإنسان، وهو يقرأ القرآن، بأنه يرى الجنة والنار إننا اليوم ندخل المساجد ونصلي لله رب العالمين، ومنا من له وردٌ يوميٌّ يقرؤه من القرآن، أو يذكر الله فأنا أسألك: ما حالك وقت الذكر؟ لا أقول: ما حالك مع امرأتك؟ ولا أقول: ما حالك مع عملك؟ ولا أقول: ما حالك مع أولادك؟ ولكن ما حالك مع ذكر ربك سبحانه وتعالى؟، إننا في وقت الذكر نجد الغفلة إننا في وقت الذكر نجد الانصراف عن طاعة ﴿ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ الله رب الناس، فأحدنا يفتح المصحف وهو في وادٍ، وما يقرؤه في وادٍ فإذا أغلقه ثم فتحه، لم يدرِ أين وقف ولا إلى أيِّ موضعٍ وصل يذكر الله فإذا توقف

ثم عاد لم يدرِ ماذا كان يقول؛ أكان مُسبِّحًا، أم كان حامدًا، أم كان مُكبِّرًا؟ إلى غير ذلك، مما نسأل الله أن يرحمنا ويعفو عنا بسببه ما أحوجك إلى أن تتأمَّل! الأحاديث كثيرٌ من الناس يستدلون بحديث «ساعة وساعة»، ويقولون: ساعةٌ لربك وساعةٌ لقلبك وأنا أسألك: وأين الساعة لربك؟ أين هي؟ أين هي؟ في كل يومٍ وليلةٍ أربعٌ وعشرون ساعةً، فما الساعة التي تجعلها خالصةً لربك؟ بحيث إنك لا تشتغل بشيءٍ آخر سوى ذكر الرحمن فيزداد بذلك الإيمان، ويرقُّ القلب، وتدمع العين، وتستكين النفس، ويذلُّ الفؤاد لربه سبحانه وتعالى، هذا أمر ثم.

الأمر الثاني: أن حنظلة رضي الله تعالى عنه حينما جاء إلى الرسول الأكرم ﷺ، أجابه الرسول. فقال: «إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ» لأن أحدًا من الناس قد يقول: هذا خاصٌّ بمجلس رسول الله ﷺ وأقول لك: لا، لا شكَّ أن لمجلس رسول الله شرفًا وأن للجلوس بين يدي الرسول كرامةً ومكانةً عظيمة.

تفقد حضور القلب ورحمة التيسير

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُقِرَّ أعيننا برؤية رسوله في الجنة وأن يُمَتِّعنا ربنا بالنظر إلى وجهه الكريم. لكن الأمر أعمُّ؛ لأن الرسول قال «لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ» أي: وقت الذكر، يعني: وأنت تقرأ القرآن، وأنت تُسبِّح الله، وأنت تذكر الله. ولذلك قالوا: تفقَّد قلبك في أحوالٍ تفقَّد قلبك وقت قراءة القرآن، وتفقَّد قلبك وقت الصلاة، وتفقَّد قلبك وقت الذكر، وتفقَّد قلبك وقت الجنائز.

فإنَّ لم تجد قلبك، فاعلم أن القلب قد غاب ومات. نسأل الله السلامة. تفقَّد حلاوة الإيمان في قلبك وأنت تُصلِّي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت تذكر الله أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، قال الرسول الأكرم ﷺ: «وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً» من رحمة الله جل وعلا بنا أنه خفَّف عن...

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌ ۝ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: القيامة 14-15 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة