مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

رمضان موسم الطاعات

خطب · الدرس 170 من 342 · 34 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. سرعة انقضاء العمر وموعظة كيوم صمته
  2. فضائل الجود وغرف الجنة وإطفاء الخطايا
  3. أجر تفطير الصائمين وجبر الخلل
  4. مدارسة القرآن والإفطار ومذهب الزهري
  5. التنافس في كنز حسنات القرآن
  6. قيام رمضان والتوبة ورد المظالم
التفريغ النصي الكامل للدرس

سرعة انقضاء العمر وموعظة كيوم صمته

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102).

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، هذا هو اليوم الثالث من شهر رمضان. وفقنا الله وإياكم فيه لطاعته وتقبل الله عز وجل منا ومنكم صال هذا هو اليوم الثالث من شهر رمضان، وفي الجمعة السابقة كنا نستقبل هذا الشهر ونقول إنه قادم علينا ونسأل الله جل وعلا أن نسلمه لنا وأن نسلمه إلى ربنا سبحانه متقبلًا أقول.

وقد مضى هذا الأسبوع. بل إن شئت فقل مضت سنة كاملة ومضى رمضان سابق وكأني بها ما هي إلا 12 ساعة تمضي هذه الأوقات سريعًا سريعًا وهكذا العمر يمضي سريعًا سريعًا يربح فيه من يربح ويخسر فيه من يخسر. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الرابحين وأن لا يجعلنا من الخاسرين من الناس من يربح، ومن الناس من يخسر، ولا يكون موفَّقًا مسددا في هذا الشهر.

نسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد إن العمر سريع التقضي أبي التأتي سريع الآنقضاء ويأبى أن يرجع هذا الوقت فما مضى لا يعود أبدًا وأنت مخاطب ومسؤول عن هذا الوقت الذي قد مضى منه إذ قد يسأل. بل يسأل العبد يوم القيامة عن عمره فيما أفناه. نسأل الله - تبارك وتعالى من فضله وتوفيقه، يا أيها الإخوة الكرام، الأيام تمضي سريعًا والفرصة تمضي وربما لم تعوض وربما لا يعيش أحدنا إلى آخر رمضان وربما لا يدرك رمضان آخر فليتخذ من هذا الوقت له الاستعدادات الكافية وليستعد للقاء الله سبحانه وتعالى، أَنْتَ فِي دَارِ شَتَاتٍ، فَتَأَهَّبْ لِشَتَاتِكَ «واجعل الدنيا كيوم صمته عن شهواتك واجعل فطرك عند الله يوم وفاتك» فعمرك كله بمثابة يوم إذا صمت عن تلك الشهوات أفطرت على ما يرضي رب الأرض والسموات وسعدت وصرت في زمرة الس فإذا ما جاء وقت الإفطار طعم وشرب بفضل الله و«ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» وانقض.

الأمر وثبت أجره كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». ففي النهار ربما نشعر بألم من جوع وعطش وتعب وإرهاق لا سيما مع الحرارة لكننا مع الجهاد نصبر إلى أن يأتي وقت الفطر وهكذا أنت في الدنيا كن صابرا عن شهواتك وكن صائمًا عما يغضب ربك سبحانه حتى تفطر على الخير حتى تفطر في جنات عدنه فتطعم ما تشاء وتشرب ما تشاء ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ﴾5 (الزخرف: 71).

نسأل الله جل وعلا من فضله، يا أيها الإخوة الكرام، حدَّثتكم في الجمعة الماضية عن الصيام وأسراره وأحكامه وحكمة أو بعض من ذلك واليوم. إن شاء الله تعالى أحدثكم عن بعض الأمور وتلك الطاعات التي على المسلم، أن يحافظ عليها في رمضان، وفي غيره وأن لا يغفل عنها

فضائل الجود وغرف الجنة وإطفاء الخطايا

طاعة الجود طاعة السخاء طاعة الكرم إطعام الطعام وإكرام الناس وإعطاؤهم مما أعطاك الله جل وعلا هذه عبادة عظيمة لها قدرها ولها مكانتها وهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالصوم بفضل الله سبحانه وتعالى، إذ قد بين النبي محمد صلوات الله وتسليماته عليه أن من أسباب دخول الجنة الجمع بين الصيام وإطعام الطعام فمن تابع الصيام وأطعم الطعام نال بذلك جنة الرحمن قال النبي عليه الصلاة والسلام، «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا». قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ». إطعام الطعام أن نطعم وأن نجود على الناس بالخيرات وأن نفطر الصائمين وأن نطعم المسلمين. فهذا أمر مرغوب فيه لا سيما مع الصيام بفضل الله جل وعلا كذلك أخبر النبي محمد صلوات الله وتسليماته عليه أن إطعام الطعام سبب في تكفير الخطايا وأن الصدقة سبب في زوال السيئات قال النبي عليه الصلاة والسلام، «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار».

وقال «وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» أي: هي كذلك كفارة له. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ» فالصيام وقاية من النار وإطعام الطعام وإكرام الناس كذلك جنة من النار فاجمع بين الأمرين بين الصيام والإطعام والصدقات. نسأل الله جل وعلا من فضله. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند الترمذي وغيره وصححه الألباني من حديث سعد رضي الله عنه.

«إن الله جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم» أنك حينما تجود على الناس وحينما تطعم الناس فأنت تتقرب إلى الله بقربة والجزاء من جنس العمل فمن جاد على الناس جاد الله عليه والله يجود على عباده في شهر رمضان بالمغفرة والرحمة والعتق من النيران ودخول الجنان فجد ليجود الله عليه فجد على الناس ليجود الله عليه وأطعم الناس ليعطيك الله من فضله ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ كذلك.

يا أيها الإخوة الكرام، صيامنا قد لا يخلو من قصور، ومن نقص وخلل فنحتاج إلى ما نجبر به كسرنا وإلى ما نزيل به خللنا فالإطعام يضم إلى الصيام فيتقوى الصيام ويكون بذلك محققًا لرضى الله سبحانه وتعالى، وكذلك فالذي يفطر الصائمين له أجر عظيم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند أحمد وغيره «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». من.

أجر تفطير الصائمين وجبر الخلل

غير أن ينقص من أجره شيء وكما أنَّ «من جهز غازيا فقد غزا» فالذي يجهز غازيا في سبيل الله كمن غزا في سبيل الله، وكذلك من خلفه في أهله بخير فقد غزا وكذلك من فطر صائمًا فكأنَّما صام أو نال مثل أجر الصائم. وهذا من فضل الله - تبارك وتعالى ورحمته، وكذلك فأنت في الصوم ففي الوقت الذي امتنعت فيه عن الطعام والشراب إذًا بك تقدم هذا الطعام.

وذلك الشراب لغيرك فبذلك تنال ذلك الأجر العظيم من الرب الكريم سبحانه وتعالى، فأطعموا الطعام وأكرموا الناس وجودوا بالخيرات على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات فمن فرج كربة فرج الله عنه كربة يوم القيامة. نسأل الله جل وعلا أن يفرج كرباتنا لذلك فنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ما عرف به صلوات ربي وتسليماته عليه من الجود والإغداق والإطعام والإحسان إلا ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ في شهر رمضان يزداد خيره ويزداد عطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما، كما في الصحيحين كان ﷺ أجود الناس كان أكرم الناس ﷺ «وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة هذه الريح المطلقة التي يعم نفعها والتي يكثر هبوبها ﷺ كان أجود منها بأبي هو وأمه صلوات الله وتسليماته عليه صلى الله عليه وآله وسلم فلنتعلم الجود في شهر رمضان لا نكون من البخلاء وإنَّما علينا أن نكون من الكرماء وأن نجود على الناس بالخيرات والبركات.

فهذا شهر الخيرات وشهر البركات فأطعموا الفقراء والمساكين، ولا تبخلوا على أنفسكم، ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآ6ءُ﴾ (محمد: 38) ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾ (محمد: 38). أطعم مما فتح الله لك وما يسر الله لك وجود على الناس في شهر الجود كذلك، يا أيها الإخوة الكرام، من العبادات الجليلة التي تظهر بوضوح وجلاء في شهر رمضان مدارسة القرآن وتلاوته نعم فﷺ كما سمعتم آنفًا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، كان يلقاه جبريل كل ليلة فيدارسه القرآن، وكان يعرض عليه القرآن ويتدارسانه في رمضان فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً وفي العام الذي توفي فيه النبي محمد ﷺ عارضه القرآن مرتين صلوات الله وتسليماته عليه.

وقد قال الله في شهر رمضان ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾7 (البقرة: 185) فأقبلوا على القرآن. يا عباد الله، أقبلوا على تلاوة القرآن، وعلى مدارسة القرآن، وعلى تدبر القرآن اقرؤوا القرآن وأكثروا من قراءته. فهذا شهر الخيرات وشهر الحسنات وشهر الأجور العظام بفضل الملك العلام سبحانه جل وعلا أقبلوا على الله بقراءة القرآن وتلاوته ومدارسته ولتعلموا أن قراءة القرآن في نهار رمضان طيبة ومستحبة وحسنة وهي في ليل رمضان أشدّ استحبابًا وأكثر فضلًا ومكانا فجبريل كان يلقى النبي محمدًا ﷺ في ليل رمضان، وكان يدارسه القرآن في الليل فالليل ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾8 (المزمل: 6).

مدارسة القرآن والإفطار ومذهب الزهري

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (المزمل: 6) القراءة في الليل تستقر في القلب بفضل الله سبحانه وتعالى، فبعض الناس يظن، أن شهر رمضان ما هو إلا الصيام وما هو إلا النهار فالنهار لله والليل يصنع فيه ما يشاء. وهذا مفهوم خاطئ ليس كذلك فالنهار والليل لله والتعبد بقراءة القرآن في الليل أفضل منها في النهار هذا يدل على أن وقت رمضان كله ينبغي أن يعمر بطاعة الله وأن يشتغل فيه بما يرضي الله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم، أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾9 ليلة وهي تبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر و﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3) كما بين رب العباد سبحانه وتعالى، فعمروا نهاركم بالطاعة وعمِّروا ليلكم بالطاعة وبعض الناس إذًا أذن مؤذن المغرب إذًا به يمسك بالسيجارة مثلًا فيفتتح الليل بالمعصية لا يفتتحها بطاعة الله وإنَّما يفتتحها بمعصية الله ﴿إِلَّا﴾ تعلم أخي الكريم أنك حينما تأتي لتفطر وتأتي لتأكل وتشرب يُستحب لك أن تبدأ بالرُّطَب.

فإنَّ لم يكن فعلى تمرات. فإنَّ لم يكن فجرعات من الماء بأن تشرب ماء طيبًا مباركًا بفضل الله سبحانه ﴿إِلَّا﴾ تعلم أنك وأنت تشرب أو أنت تطعم تأخذ الأجر على ذلك تنال حسنات بذلك لأنك أفطرت امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى، أنت في النهار جائع تريد أن تأكل أنت في النهار ضمآن عطشان تريد أن تشرب فإذا بك حينما ترتوي وحينما تأكل تأخذ الثواب من الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، فحتى الفطر تنال فيه الأجر وبه الثواب بفضل الله سبحانه وتعالى، فعمِّروا نهاركم وعمِّروا ليلكم بتلاوة القرآن، جِدُّوا واجتهدوا.

وقد كان كثير من أهل العلم يتابعون قراءة القرآن ويكثرون من قراءته حتى إن كثيرًا من أهل العلم كانوا يتركون الأحاديث ويتركون مجالس العلم والقراءة في الكتب من أجل التفرغ تفرغا كاملًا لقراءة القرآن الكريم ومدارسته وكما قال الزهري رحمه الله، إذا جاء رمضان اسمع ماذا يقول الزهري «إذا جاء رمضان فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام» وتلاوة القرآن إطعام الطعام وتلاوة القرآن أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله،

التنافس في كنز حسنات القرآن

أرأيتم لو أنَّه وضع في المسجد مال كثير ومال لك، أن تأخذ منه ما شئت وضع في المسجد ملايين من النقود ﴿وَقِيلَ﴾ لك خذ ما شئت خذ ما شئت ودع ما شئت فقمت والمال أمامك والنقود بين يديك بالله عليك منى إذا أخذ من المال سيأخذ شيئًا ويترك شيئًا غالب الناس إذا أخذوا فإنَّهم سيأخذون ما يتمكنون من أخذه ولربما لا يتركوا من المال إلا ما يعجزون عن حمله أليس كذلك

إذا كان في يده كيس سيملأ كيسه إذا كان في يده ثوب سيخفي هذا المال في ثوبه وسيدعو ولده وأولاده وأقاربه ليحملوا المال معه أليس كذلك أقول لك: لماذا لا تأخذ إلا ما يكفيك تقول سبحان الله هذا خير لماذا أحرم نفسي من الخير هذا مال ميسور وسهل الحصول عليه وليس فيه حرمة فما المانع أن آخذ منه قدر استطاعتي

أقول لك: أترك لغيرك شيئًا تقول ليقم وليجتهد حتى يصل إلى ما يشاء من المال كما أصل إليه سبحان الله هذه نظرة جمهور الناس إلى الدنيا فكيف نظرتنا إلى الآخرة ﴿إِلَّا﴾ تعلمون. يا عباد الله، أن «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». كما جاء في حديث ابن مسعود وله حكم الرفع، ولا أقول ألف لام ميم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ومن المعلوم، أن الله يضاعف المثوبة لمن يشاء الحسنة أقل ما يؤخذ عليها عشرة أضعاف.

وقد يزيد. الأمر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لفضل الله. وهذا في الزمن كله فكيف في شهر رمضان وكيف في هذا الشهر المبارك فلماذا نرضى لأنفسنا بالقليل يأتي الواحد منا يقرأ خمس صفحات أو يقرأ جزءًا أو يقرأ سورة أو يقرأ سورتين ثم يغلق المصحف ليتكلم مع أصحابه وأصدقائه فيما لا فائدة منه فتقول له اجتهد واقرأ القرآن فيجيبك قائلًا قد قرأته والحمد لله لماذا تكتفي هنا

لم تكتفِ بأخذ شيء من المال أردت أن تحصل على أكثر ما يمكن فلماذا لا تكون كذلك في أمر الآخرة بدلًا من أن تحصل على ألف حسنة احصل على مليون من الحسنات على ملايين من الحسنات عطاء الله لا ينفد ما يدريك إذا وقفت يوم القيامة وأنت تحتاج إلى حسنة تحتاج إلى أن يثقل ميزانك بحسنة حينما تستوي الحسنات والسيئات تقول: ﴿يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾10 (الفجر: 24) أريد حسنة واحدة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾11 (عبس: 34-37) يغنيه فلا تزهد في الخير كلما أردت أن تغلق المصحف وليس وراءك عمل ضروري.

بل تستغني عنه أو تستطيع تأخيره ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لن أغلق لعل الآية التي أقرؤها تكون سببًا في دخول جنة الله سبحانه سببًا في دخول الجنة سببًا في هذه الجنة التي ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾12 (آل عمران: 133) قيام الليل من العبادات العظيمة التي خص شهر رمضان بأن تكون تلك العبادة في جماعة ولو بالتواعد ولو بالاتفاق المسبق ففي غير شهر رمضان هناك قيام لليل ولكن لا يصلي في غير رمضان جماعة باتفاق سابق.

قيام رمضان والتوبة ورد المظالم

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، «أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقمت الصلاة وأقمت الصلاةوات الخمسة وأديت الزكاة وصلت رمضان» وقمت زاد القيام وصلت رمضان وقمت ممن أنا مع من ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: درجات أكون قال أنت مع الصديقين والشهداء أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، تبلغ مرتبة الصديقية ومرتبة الشهادة بإتيانك هذه العبادات.

ومنها قيام رمضان صلاة التراويح لا تستغرق كثيرًا من أوقاتنا والواحد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ربما وقف مع صاحبه يحدث أحدهما الآخر في أمر غير مهم يحدثه لساعة أو لأكثر وصلاة القيام عندنا صلاة التراويح لا تستغرق ذلك. ومع ذلك تنال بها الأجر العظيم فلا تحرم نفسك يا عبد الله من الخير، وأيضًا من العبادات العظيمة التي علينا أن نراعيها وأن نحافظ عليها في شهر رمضان عبادة الدعاء قال الله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾13 (البقرة: 186) فليستجيبوا والله سميع الدعاء.

يا أيها الإخوة الكرام، وأخيرًا لا بد من التوبة النصوح إلى الرب الغفور لا بد من التوبة، من التوبة الصادقة يجيء رمضان، ولا تتوب يجيء رمضان وما زلت ظالما لنفسك أو ظالما لغيرك تب إلى ربك جل وعلا قد ذكرت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ قولة الرجل للرجل الآخر حينما قال له: يا هذا أترضى حالتك هذه للموت ترضى أن تموت على تلك الحالة قال لا قال فهل قدمت قبل الموت توبة من غير تفريط

قال لا قال فهل تعلم دارًا غير هذه الدار تعمل فيها هل هناك دار غير دار الدنيا هل تعرف وقته قال لا قال فما أقام على ما أنت عليه عاقلٌ العاقل لا يرضى بذلك التوبة بابها مفتوح والشياطين مسلسلة فتوبوا إلى ربكم لنتب إلى ربنا، ولنرجع عن غينا أو عن فساد وقع منا. نسأل الله السلامة والعافية يا من ظلمت الناس رد المظالم إلى أهلها يا من اغتبت الناس ارجع عن غيبتك يا من أكلت أموال الناس بالباطل ارجع عن ذلك تب إلى ربك يا من كنت تقصر في الصلاة عاهد الله على المواظبة على الصلاة عباد الله كم تأخذ الصلاة منا والله كم أفرح وكم أسعد حينما أدخل المسجد فأرى المسجد ممتلئًا وأقول لو كان في غير رمضان أيضًا الذي أعانك على الصلاة في رمضان جدير بك، أن تسأله، أن يعينك على الصلاة في غير رمضان وإنني لأعجب في غير رمضان تأكل وتشرب وأنت قوي.

ومع ذلك بعض الناس يترك الصلاة، وفي رمضان هو صائم وجائع. ومع ذلك يدخل ليصلي لله سبحانه لأنَّ الصلاة راحة قال النبي لبلال «أرحنا بها يا بلال» اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى أسألك موجبات ونسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بِرٍّ، والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 71 ↩
  6. آية: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 38 ↩
  7. آية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: المزمل 6 ↩
  9. آية: ﴿لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 3 ↩
  10. آية: ﴿يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 24 ↩
  11. آية: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 34-37 ↩
  12. آية: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 133 ↩
  13. آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

فوائد من هذا الدرس

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة