مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

رمضان مزرعة بين الصبر والشكر والنصر

خطب · الدرس 169 من 342 · 26 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب والقرب
  2. حقيقة الصيام التعبدية وحركة القلب
  3. قهر الشهوة بقول إني صائم وكف الأذى
  4. غاية الصيام التقوى والصبر لا المنافع البدنية
  5. من الصبر إلى الشكر والاعتذار عن التقصير
  6. رمضان شهر الفتوح واغتنام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
التفريغ النصي الكامل للدرس

رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب والقرب

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة أعاذنا الله من البدعة والضلال ونسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، مزرعة رمضان من الصبر إلى النصر، ومنه إلى الشكر.

نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين، إن الله جل وعلا قد امتن علينا بمجيء هذا الشهر المبارك الذي جعله الله عز وجل مزرعة لفعل الخيرات وترك المنكرات تفتح فيه الجنان وتغلق النيران وتصفد الشياطين كل ذلك ليتيسر للعبد القرب من الرب. جعلنا الله من المقربين منه بمنه وكرمه أتى رمضان مزرعة العباد أتى رمضانُ مزرعةَ العبادِ ... لِتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنَ الْفَسَادِ فَأَدِّ حُقُوقَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا ... وَزَادَكَ فَاتَّخِذْهُ لِلْمَعَادِ فَمَنْ زَرَعَ الْحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا ... تَأَوَّهَ نَادِماً يَوْمَ الْحَصَادِ.

حقيقة الصيام التعبدية وحركة القلب

يا أيها الإخوة الكرام، إن الله عز وجل قد أكرمنا بهذا الشهر وجعل فيه خصائص جليلة، ومناقب عظيمة، ومن بينها فرضية الصوم فللإنسان أن يصوم في غير رمضان باستثناء الأيام المحرمة بيد أن صوم رمضان يختلف عن غيره إذ جعله الله عز وجل ركنًا من أركان الإسلام وفريضة من فرائضه العظام وجعل له غايات جسامًا وثمرات جليلة لا ينبغي للمسلم، أن يفرط فيها وأن كثيرًا من الناس لا يدرك حقيقة الصوم وإن صام لا يدرك حقيقته، وإن صام أعوامًا بعد أعوام أن الصيام ليس كما يتوهم أو يظن الناس من أنه مجرد الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات لا شك، أن هذا ركن عظيم في الصيام بيد أن علماء الشريعة والفقه حين ذكروا هذا التعريف للصوم قيَّدوه بقيد، ونعم القيد، ﴿إِلَّا﴾ وهو، أن يكون هذا تعبدًا لله عز وجل.

فقالوا التعبد لله بالإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس أو قال بعضهم الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات بنية فكلمة نية المراد بها: هنا التعبد لله عز وجل بذلك. وهذه قضية مهمة، أن تعلم، أن الصوم ليس مجرد امتناع ﴿أَنَّمَا﴾ هو تعبد لله عز وجل أنك فعلت هذا الفعل تبتغي مرضاة ربك تريد وجه الله تريد أن يرضى عنك الله عز وجل تقول: يا ربي ها أنا ذا أتغلَّب على شهوتي وأتغلَّب على غضبي.

بل أؤثر شرعك على هواي كله وهكذا أريد أن أكون في حياتي كلها فحينئذ تكون من الموفقين المسددين بفضل الله عز وجل أن الصوم ليس امتناعًا فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ هو حركة أنت قد تقول أن الحركة نجدها في الصلاة فالإنسان في الصلاة يقوم ويركع ويسجد، وكذلك في الحج، وكذلك في عامة العبادات. لكن ما الحركة الموجودة في الصوم تدرون ما الحركة التي توجد في الصوم إنها حركة القلب حركة القلب والفؤاد هذا القلب الذي تحرك تجاه ربه يبتغي وجه الله عز وجل هذا هو المقصود الأعظم من الصوم، أن العبد قد استطاع أن يستغني لا عن فضول طعامه وشرابه وإنما عن ضرورياته وأساسياته فأنت في الصوم لا تستغني عن بعض الأطعمة دون بعض أو عن شيء زائد يفضل عن حاجتك أو مواضع شبعك وإنَّما تستغني عن الضروري اللازم وما ذلك إلا لأنك تريد بذلك وجه الله.

وهذا ما قرره الرسول الكريم ﷺ حين قال «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» إيمانًا واحتسابًا هو مؤمن بأنها فريضة فلا يفرط في الفريضة وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مع كل واجب أو فريضة ويحتسب الأجر والثواب من الكريم الوهاب فلان مُنع من طعام شهي ومن شراب شهي أو هنيء فإنَّه ينتظر الأجر الكبير من الرب العلي سبحانه عز وجل الصوم في الحقيقة انبعاث القلب، حركة في القلب تجاه طاعة الرب سبحانه وتعالى، إن الله عز وجل قد أكرمنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون الكرام بالعقل وأعطانا شهوة وأعطانا قوة غضب الإنسان منا فيه هذه الأمور الثلاثة فيه عقل وفيه شهوة، وفيه قوة غضب ولو أنَّك حرمت من الشهوة امتنعت عن الطعام والشراب والزواج وفسد حالك.

قهر الشهوة بقول إني صائم وكف الأذى

لكن الله ركَّب فينا الشهوة حتى نطعم ونشرب حتى نتناسل، حتى نتكاثر حتى تبقى الدنيا بفضل الله عز وجل حتى نعمر الأرض ونذكر الله فيها سبحانه عز وجل وأعطانا قوة غضب بها تصير شجاعًا بها تمتنع بها تذود عن نفسك تذود عن عرضك تذود عن بلدك تحافظ على نفسك تحافظ على كل المقدرات التي عليك، أن تحافظ عليها لكنك في الصوم استطعت أن تتغلب على قوة الغضب واستطعت أن تتغلَّب على الشهوة وما ذلك إلا لأنك جعلت العقل حَكَمًا عليهما ثم جعلت الشرع فوق العقل.

وهذا ما ينبغي للعبد أن يكون فيه في حياته ﴿إِلَّا﴾ ترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أن الرسول الكريم ﷺ قال «وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ». «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ» وفي لفظ شاتمه أحد أو قاتله «فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» ما معنى هذا أنت بقدرتك أن ترد عليه، بقدرتك أن تحمي نفسك وأن تدافع عن نفسك وأن تدفع هذا الضر.

وهذا الأذى لكنك قلت: أني صائم أنك ارتقيت من أن تكف عن الناس الأذى إلى أن تحتمل منهم الأذى وشتان بين الأمرين «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» هذه مرتبة عظيمة، أن يسلم المسلم من لسانك ويدك. لكن الأعلى قدرًا لا أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك وإنَّما أن تتحمل أنت ما يقع من ألسنتهم وايديهم فتكف الأذى وتحتمله.

وهذا يرقيك به الصوم لتصل إلى تلك المرتبة العالية في التحكم في غضبك، وفي قوتك. وقد أثنى الله على ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾5 (آل عمران: 134). فقال ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ﴾6 (آل عمران: 134) ثم كذلك لما جاء باب الشهوات استطعت أن تمتنع عن الطعام وعن الشراب لا ما يفضل وإنما أصله وإنَّما تضطر إليه أو تحتاج إليه لكنك استغنيت عنه مدة زمنية طول اليوم ابتغاء مرضات الله وليس هذا فحسب فالإنسان منا قد يمتنع عن بعض شهواته.

لكن الأجمل والأكبر أن تمتنع أنت ثم تقدم ما امتنعت به إلى غيرك لأنَّ الصوم لا يعلمك الامتناع فقط وإنَّما يعلمك البذل والسخاء أن النبي ﷺ كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، المتفق عليه كان أجود الناس، «وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» فيدارسه القرآن، وكان يلقاه كل ليلة فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة هذا معنى نفيس أنت تترك الطعام ثم تأخذ مثل هذا الطعام لتقدمه إلى غيرك إيثار وأي إيثار إيثار وأي إيثار تضحية وأي تضحية تقديم وأي تقديم.

انظروا رحمكم الله هذا هو الصيام الصيام في حقيقة الأمر مزرعة عظيمة يحصد فيها من يحصد ويحرم منها من يحرم. نسأل الله عز وجل ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا خير هذا الشهر وفضله وكرمه فإنَّه أكرم الأكرمين سبحانه جل وعلا إذا كان في العام فصل ينتظره المزارعون وهو فصل الربيع يسهل عليهم فيه الزرع ثم الحصاد فينمو الزرع ويكبر فكذلك أقول أن في السنة شهرًا هو موضع لهذا الزرع وهو شهر رمضان تبذر فيه ليبقى معك إلى ما بعد رمضان فتتقدم من عام إلى عام.

نسأل الله أن يثبتنا على طاعته شهر رمضان يعلمنا الصبر وهكذا الصوم الصوم شهر الصبر

غاية الصيام التقوى والصبر لا المنافع البدنية

إن كثيرًا من الناس حين يتكلمون عن الصوم لا يدركون حقائقه العظيمة، كثير من الناس يقولون: إن الصوم من أجل أن تصح أجسادنا وورد في هذا حديث: «صوموا تصحوا» وهو حديث ضعيف، ولا شك أن الصوم فيه صحة لقوم، ولكن فيه مضرة لقوم لذلك الذي لا يطيق الصوم لا يصوم والمريض الذي لا يقدر على الصوم لا يقال له: صم وستصير صحيحًا.

بل يقال له: أفطر، وعلى مذهب الجمهور يقال له: أَطْعِم، ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾7 (البقرة: 184) إذًا قضية الصحة قضية جزئية لكنها ليست الغاية ولا الحكمة، قد تأتي تبعًا الإنسان قد يصوم لقلة ما لديه من مال فيصوم ليدَّخر، يصوم ليقتصد. لكن ليس هذا هو المراد؛ وإلا فإنَّ الغني يصوم. كما أنَّ الفقير يصوم، إن رب العزة لما ذكر الصيام قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لم يقل لعلكم تقتصد لم يقل لعلكم تصحون لم يقل لعلكم تدخرون ﴿أَنَّمَا﴾ قال لعلكم تتقون.

ثم قال بعد ذلك في ختام الحديث عن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾ القرآن قال ﴿وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾8 (البقرة: 185) فالصوم من أجل أن تتقي الله الصوم من أجل أن تصبر الصوم من أجل أن تشكر صبر يؤدي إلى شكر قوامه هو تقوى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ هكذا ينبغي أن يفهم المسلم: ألَّا يخرج من شهر الصيام إلا وقد حصَّل تقوى الله عز وجل عمل بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله ترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله يريد ثواب الله يحتسب على الله فيما يعلم يعلم، أن الله عز وجل بيده.

الأمر كله وأن الله يأمر وينهى والعبد يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ حقيق بك، أن تعلم هذا أن تعود نفسك على الصبر «الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته، لكن عواقبه أحلى من العسل» وهل يؤتى أكثرنا فيما يقع منه من خلل إلا بقلة الصبر أو نفاده. إما أنه لا يصبر على الطاعة أو لا يصبر عن المعصية أو لا يصبر على المصيبة والبلية ولو حقق الصبر لحقق الخير الكثير أن الرسول ﷺ قال «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» إذا أُعطيت الصبر فقد أُعطيت عطاءً لا حصر له ولذا كان جزاؤه لا حصر له ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾9 (الزمر: 10) تحتاج إلى ثبات إلى صبر على الطاعة بعد رمضان تحافظ على الفجر أيضًا تحافظ على الفرائض على ترك المحرمات على ما كنت تعمله في رمضان قدر استطاعتك لا تفرط في جنب الله لا تفرط في رسالات الله إليك في هذا القرآن العظيم الذي فيه شفاؤك، وفيه وعظك، وفيه هداك، وفيه خيرك، وفيه بركتك.

من الصبر إلى الشكر والاعتذار عن التقصير

لكن كثيرًا من الناس يغفل إلا من رحم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ صبر ثم مع الصبر شكر شكر أنت حينما تركت الطعام والشراب تذكرت أن الذي ينعم عليك به هو الله جل وعلا وتذكرت أن الله قد أنعم عليك ولربما حرم غيرك من الطعام والشراب قهرا لا اختيارًا أنت تمتنع عن الطعام والشراب اختيارًا ترى أمامك الطعام وهو قريب من يديك وترى الشراب وهو قريب من عينيك لكنك امتنعت اختيارًا ابتغاء مرضاة ربك وغيرك قد يحرم منه في رمضان، وفي غير رمضان فحري بك، أن تكون من الشاكرين وقاعدة الشكر العظيمة واسمعها يا رعاك الله، أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرًا، وأن كل ما يأتي من الله يوجب شكرًا ﴿إِلَّا﴾ ترى لك من الوفاء بدًّا.

تأمل هذه العبارة التي يقررها المحررون المحققون في هذا الأمر. ما قاعدة الشكر التي ينبغي أن تعيش بها في حياتك ليزيدك الله؟ لأنَّ الله وعد. فقال ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾10 (إبراهيم: 7) أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرًا أو اعتذارًا كلما يأتي منك ما معنى هذا مهما صليت ومهما صمت ومهما تصدَّقت ينبغي لك، أن تعتذر إلى الله لأنَّ التفريط يلحقك في كل أحوالك في الطاعة كما يلحقك في المعصية أنك إذا صليت قلت: عقب صلاتك استغفر الله استغفر الله استغفر الله، إن من يقوم الليل يقول في السحر كما علمنا الله ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾11 (الذاريات: 18)، أن تعلم، أن كل ما يأتي منك يوجب اعتذارًا أنت تقول: يا رب هذا صومي، هذا صومي لا يخلو من تقصير هذه صدقتي لا تخلو من خلل يا ربي اقبلها مني ولست أهلًا لأن تقبلني لكنك أهل للمكارم لكنك أهل للمغفرة أهل للإحسان، أهل للجود سبحانه جل وعلا أن تعلم أن كل ما يأتي منك يوجب عذرًا أو اعتذارًا تعتذر إلى الله منه وأن تعلم، أن كل ما يأتي من الله يوجب شكرًا كلما أعطاك الله إياه يوجب عليك، أن تشكر الله عز وجل عليه قليل منك يكفيني، ولكن قليلك لا يقال له: قليل كم لله علينا من نعمة لا نستحضرها فضلًا عن، أن نشكر الله عز وجل عليها فاشكر ربك سرًّا وجهارًا ليلًا ونهارًا وسله، أن يزيدك وأن يجعلك من عباده الشاكرين؛ وإلا ترى له من الوفاء بدأ ﴿إِلَّا﴾ ترى أنك في يوم من الأيام ستوفي مهما فعلت أنت لا تستطيع الوفاء لأنك عبد وشأن العبد النقص والله عز وجل هو الرب الموصوف بالكمال ونعوت الجلال.

فأنَّى للناقص أن يقدم للمتصف بالكمال ما يكون كاملًا؟، ومن ثم لا ترى لك من الوفاء بدًّا إذا شعرت بذلك وأحسست به كنت من الشاكرين فانتقلت من صبر إلى شكر ووجدت المحنة عطاء ووجدت البلاء نعمة من الله عز وجل فالله أمرك بالصوم لينقذك مما أنت فيه من مراتع الشهوات والوقوع في المعاصي والمخالفات لترتقي لينقذك الله وليغفر الله لك فأنت تحمد الله أن وفَّقك لإدراك هذا الشهر لإدراك هذه الشعيرة شعيرة الصوم.

جعلنا الله من المهتدين بمنه وكرمه أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

رمضان شهر الفتوح واغتنام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾

فيا عباد الله، إن تقوى الله عز وجل تحقق للعبد الشكر ولذا لما ذكر الله بدرا قال. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾12 (آل عمران: 123) فمن اتقى الله شكر الله عز وجل ومن صبر. فإنَّ الصبر يترقى بالعبد ليرى البلاء نعمة فيصير من صبره شاكرًا لله عز وجل وبين هذا وذاك يأتي النصر والتمكين ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الله قال ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾.

فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ. وقال ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا﴾13 (آل عمران: 120). وقال ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾14 (آل عمران: 125) ﴿وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ولذا فلا غرو، أن كان شهر رمضان شهر الانتصارات هذا ليس بعجيب لأنَّ المسلمين انتصروا على أنفسهم حين أطاعوا ربهم فنصرهم الله فغزوة بدر كانت في رمضان وفتح مكة الفتح المبين كان في رمضان وانتصار المسلمين في مشاهد عظيمة وكثيرة ومتتابعة ومتتالية كانت في شهر رمضان لأن شهر رمضان ليس شهر كسل، ليس شهر دعة ولعب ﴿أَنَّمَا﴾ شهر عزيمة وقوة شهر تضحية وبذل، شهر تقوى وصبر فمن فعل ذلك نصره الله على نفسه وإذا انتصرت على نفسك عساك، أن تنتصر على عدوك وإذا كان رب العزة قد أكرمنا فقُيِّدت الشياطين وسُلسلت مردة الجن في شهر رمضان كل ذلك من عطاء الله عز وجل لنا وبقيت نفسك التي بين جنبيك فهل أنت ممن سينتصر عليها لتتنقل من نفس أمارة بالسوء إلى لوَّامة إلى مطمئنة ترضى وتُرضي وتسعد وتُسعد ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى وَٱدْخُلِى جَنَّتِى﴾15 (الفجر: 27-30) أن الصوم.

يا أيها الإخوة الكرام، جذعُه الأكبر الصبر. لكن له أغصانًا أخرى تكتنف هذا الجذع، منها غصن الشكر وغصن الذكر والفكر وقراءة القرآن. وقد جعل الله أول تنزُّل القرآن في شهر رمضان ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾ القرآن، وكان في هذا معنى والعلم عند الله، أن غذاء القلب وأن الحصول على الخيرات مرده إلى التدبر في هذا الكتاب العزيز مصدر البركات، ومنبع الخيرات ﴿إِلَّا﴾ فتمسكوا به لتحصدوا، ولتثبتوا وتسعدوا، ولتخلصوا وتسلموا من كل ردى.

يا أيها الإخوة الكرام، شهر رمضان مزرعة لا تضيعها راجع نفسك واعلم أنَّ ما تستقبل خير مما تستدبر. فقال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾16 (القدر: 2-4) ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾17 (القدر: 5) فجد واجتهد وأول ما ينبغي لك، أن تصنعه، أن تتوب توبة نصوحًا إلى الله عز وجل وأن تستغفر الله من كل ذنب وخطيئة ليصفو القلب ويلين القلب فتستقر الحسنة وتستقر الطاعة، ومن بركتها حسنات تتتابع إلى أن تلقى الله ثابتًا عليها يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102).

«اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا اللَّهُمَّ بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» اللهم انصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 134 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 134 ↩
  7. آية: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 184 ↩
  8. آية: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
  10. آية: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 7 ↩
  11. آية: ﴿وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 18 ↩
  12. آية: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 123 ↩
  13. آية: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 120 ↩
  14. آية: ﴿بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 125 ↩
  15. آية: ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى وَٱدْخُلِى جَنَّتِى﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 27-30 ↩
  16. آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 2-4 ↩
  17. آية: ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ — كما ورد في الدرس: القدر 5 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة