مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

خشية الله طريق النجاة

خطب · الدرس 154 من 342 · 39 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1). ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾3 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والجنة. أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، خشية الله طريق النجاة، هذا هو عنوان لقائنا بإذن الله جل وعلا في هذه الخطبة، التي أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا فيها ممن ﴿يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ﴾ خشية الله في السر والعلن طريق نجاة العبد وسعادته في الدنيا والآخرة. إن هذه الأخلاق السقيمة. وهذه الأدناس والأمور المريبة ﴿أَنَّمَا﴾ ترجع في غالب.

الأمر إلى ضعف خشية الله سبحانه وتعالى. ما أحوج العباد، يا عباد الله، إلى أن يخشوه ويخافوا منه وأن يقدروه حقَّ قدره سبحانه عز وجل سبحانه! من إلهٍ عظيمٍ كريمٍ قويٍّ قادرٍ مقتدر سبحانه وبحمده خشية الله عز وجل أمرنا الله بها، وحثَّنا عليها نبينا محمد ﷺ، وحقَّقها ﷺ فكان أخشى الناس لله، وكان أعلم الناس بالله صلوات الله وتسليماته عليه والخشية أعلى درجة من الخوف.

فإنَّ الخشية، كما ذكر بعض أهل العلم، خوفٌ مقرونٌ بتعظيمٍ وإجلال خوفٌ نابعٌ من عظمة مَن يُخاف منه. فهذا أجلُّ من الخوف. وذلك أنَّ الواحد فينا، يا أيها الإخوة، ربما كان لضعفه يخاف من شيء لا يستحق أن يُخاف منه. وأما الخشية فلا تكون إلا ممن يستحق التعظيم والإجلال والله جل وعلا حقيقٌ بأن يُعظَّم فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، سبحانه وبحمده لذلك قال الله ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى﴾4 (البقرة: 150).

وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى﴾ (البقرة: ١٥٠) فالله جل وعلا نهى العباد عن أن يخشوا الناس وأمرهم بخشيته عز وجل، وخشيته أن تخاف منه سبحانه مع الاعتراف بعظيم جلاله وقدره فهو سبحانه الموصوف بنعوت الجلال والجمال سبحانه وبحمده نخشى الله، أي: نخافه مُعظِّمين له، مُجِلِّين له، نَهابه نعترف له بصفات الجلال ونعوت الجمال. ولذلك كان أهل العلم أحقَّ الناس بهذه الصفة قال عز من قائل ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾5 (فاطر: 28) العلماء يخشون الله جل وعلا؛ لأنهم علموا صفاته وعرفوا أسماءه، وكذلك يتذكَّرون نِعَمَه وآلاءه عرفوا أنفسهم وعرفوا خالقهم، فاحتقروا أنفسهم وازدروها في جنب الله سبحانه لأنهم علموا أن نفوسهم لا تسلم من التفريط ولا من التقصير، وكذلك علموا صفات الله جل وعلا فعلموا أن لله كل كمال وأنه مُنزَّهٌ عن كل نقصٍ وخلل، سبحانه وبحمده علموا وعده ووعيده، فرغبوا فيما عنده من ثواب، وخافوا مما عنده من عقاب طلبوا ما لديه، وخافوا ما عنده من عذاب فخافوا الآخرة وخافوا عذاب الله عز وجل إنها خشية الله سبحانه خشية الله تُحرِّك القلوب، وتدفعها إلى الأمام تدفع النفوس إلى طاعة الله، وتزجرها عن معصية الله.

وقد جاء عند الترمذي وغيره من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: «قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ» حتى يدعو بهذه الكلمات: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ»، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا «وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا» «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» «وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا»، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» كان ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقوم من مجالسه يُكثر من هذا الدعاء ويُردِّده فيقول:، وكان قلَّما يقوم من مجلسٍ حتى يقول هذا الدعاء اللهم أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك فما الذي يحول بينك وبين المعصية

ما الذي يجعلك تترك المعصية ما الذي يجعلك تُقبل على طاعة الله؟ إنها خشية الله سبحانه وتعالى. وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ»، ولما ذكر المنجيات قال: «خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ» خشية الله في السر والعلن تُنجِّي العبد بفضل الله، وكان من دعائه ﷺ أيضًا: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي» «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ» وأسألك خشيتك. خشية الله سبحانه وتعالى، ووعدهم بالوعد العظيم، والأجر الجسيم، من فضل الرب الكريم سبحانه.

فقال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾6 (الملك: 12) قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ﴾ فيه قولان؛ القول الأول: أنهم مع أنهم لا يرون الله إلا أنهم يخشون الله ويخافون منه قال الله. ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾7 (البروج: 12) فهم يخشون ربهم، ويتذكَّرون قول الله تعالى:. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾8 (الفجر: 14) يتذكرون قول الله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾9 (آل عمران: 28) والمعنى الثاني: أنهم يخشون الله جل وعلا حين لا يراهم الناس فهم ليسوا ممن يطيعون الله أمام الناس فحسب ولو لم يكن على الأرض إلا هذا الذي يخشى الله، فإنه يعمل لله، لا لأحدٍ سواه ليس ممن ينتهك حُرُمات الله، كما حذَّر النبي ﷺ ولا يخفى عليكم قوله عليه الصلاة والسلام، فيما رواه ابن ماجه وغيره من حديث ثوبان رضي الله عنه: أنه ﷺ قال «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا» قال ثوبان: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَلَّا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ». قال: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» قال الله سبحانه ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا10 قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ (المائدة: 27) ما الذي حجبه عن أن يمدَّ يده، وعن أن يمدَّ السيف نحو أخيه؟ إنه الخوف من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إنها خشية الله عز وجل، سوطٌ يسوق الله به عباده إلى مرضاته، ويحجزهم به عن سخطه وغضبه ومقته.

نسأل الله السلامة والعافية. خشية الله طريق النجاة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فالذي يخشى الله يعتبر ويتَّعظ يتذكَّر آيات الله فيعمل بها، ويتأثَّر بالقرآن الكريم، ويتأثَّر بأحاديث النبي ﷺ لذلك قال الله. ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ﴾11 (هود: 103) مَن الذي يعتبر؟ ومَن الذي يتَّعظ؟ مَن الذي يقرأ القرآن فيتذكَّر؟ مَن الذي يقرأ القرآن فتفيض عيناه من خشية الله؟ مَن الذي يتَّعظ حينما يرى آيات الله الكونية؟

إنهم الذين يخافون عذاب الآخرة. وقال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ (الذاريات: ٣٧)، ﴿لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾. وقال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾12 (ق: 45). وقال سبحانه ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا﴾13 (النازعات: 45). وقال ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾14 (فاطر: 18) خشية الله تجعلك تُقبل على القرآن، فتفتح كتاب ربك، فتسمع آياته وتقرؤها، فتتأثَّر بها، إذا وجدت أمرًا ائتمرت، وإذا وجدت نهيًا انتهيت، إذا قرأت قول الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ﴾15 (النور: 30) فغضضت بصرك وحفظت فرجك إذا قرأت آيات القرآن الكريم، وفيها التحذير من المنكرات، امتنعت إذا قرأت آيات القرآن الكريم وهي تأمرك بالصلاة وتأمرك بصلة الأرحام وتنهاك عن قطعها، فإنك تمتثل أمر الله سبحانه وتعالى، خشية الله، بها يتذكَّر العبد، وبها يُقبل على ربه وبها يطيع الله عز وجل قال سبحانه، ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾16 (النور: 52) نعم، خشية الله حرَّكتهم، فأطاعوا الله وأطاعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

ولذلك فالعبد حينما يغفل عن خشية الله يغفل عن عمل الصالحات نعم، حينما يغفل العبد عن أن الله يراه، وأن الله سامعه، وأن الله ناظرٌ إليه فإنَّه يغفل ويتكاسل فربما تعامل في معاملةٍ تجاريةٍ فخالف فيها الشرع، ووقع في محرَّم لِمَ؟ لأن وازع خشية الله عز وجل قد ضعف في قلبه ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ (العلق: ١٤) لو علم وأيقن أن الله عز وجل مُطَّلِعٌ عليه، وأن الله يراه، لخشي الله عز وجل ولو خشيه لكان، بفضل الله، ممتثلًا لأمره، مجتنبًا لنهيه عباد الله، خشية الله عز وجل تُورثنا الأخلاق الكريمة فالذي يخشى الله لا يختال، والذي يخشى الله لا يَنِمُّ، والذي يخشى الله لا يكفر الذي يخشى الله لا يشهد شهادة الزور، والذي يخشى الله لا يخادع الذي يخشى الله يُطيع الله سبحانه في معاملاته كلها ما أحوجنا إلى ذلك! ما أحوجنا في المعاملات إلى تاجرٍ صدوقٍ أمين قال فيه وفي أمثاله النبي الكريم ﷺ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» هذا الذي يخشى الله عز وجل يعامل ربَّه، لا يعامل الناس لا يُطفِّف في المكاييل والموازين لا يُفرِّق بين عمرو وزيدٍ من أجل أن لعمرو خبرةً، ولغيره كزيدٍ ليست له خبرة إذا علم أن فلانًا يَخبُر البضاعة، فإنه يُراعيه. وأما الآخر فإنه يمكر به ويخادعه، فأين خشية الله؟ ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾17 (المطففين: 1-6) الذي يخشى الله يتقي الله في زوجه فلا يكون في الخارج بحالٍ، وفي بيته بحالٍ أخرى إذا دخل على زوجه كأنه ذئبٌ أو أسدٌ يشتم ويُسيء، ويشتم الأولاد، ويفعل ما يفعل وهو في الخارج الطيِّبُ الأمينُ الرفيقُ الحليمُ اللطيف لا، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» فالتفت أبو مسعود البدري.

فقال: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ» فقال: يا رسول الله، هو حُرٌّ لوجه الله. فقال ﷺ: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ» نسأل الله السلامة والعافية. يخشى الله في نفسه، ويخشى الله في أهله، ويخشى الله عز وجل فيمن جعله تحت يده فإذا كان على مصلحةٍ من المصالح، أو أمرٍ من الأمور فإنه يخشى الله في عباد الله ولا يظلمهم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُۥ﴾ (البينة: 7-8) ذلك لمن خشي ربه.

نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه. وقال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾18 (ق: 33) وجاء بقلب منيب عباد الله. إن كثيرًا من الناس ربما يعتني بظاهر عبادته لله ربنا، ولا شكَّ أن هذا مطلوب وأن على العبد أن يُصلح ظاهره كما عليه أن يُصلح باطنه.

وعليه أن يُصلِّي يتعجَّب الناس من عبد الله بن المبارك رحمه الله: كيف جعل الله له هذا القبول في الأرض؟ وإذا ذُكر ذُكر الله عز وجل وعُرف بالفضل في الأبواب كلها، بفضل الله عز وجل فكان بعض أقرانه يقولون: نعجب من ابن المبارك، كيف بلغ هذا المبلغ؟ إن كان يقوم الليل، فنحن نقوم وإن كان يجاهد فنحن نجاهد، وإن كان يتصدَّق فنحن نتصدَّق إن كان يفعل، فنحن نفعل فاجتمعوا في ليلةٍ من الليالي، وجاء وقت الظلام، وكانت لديهم مصابيح، فأُطفئت تلك المصابيح ثم قام كل واحدٍ منهم يُسامر أخاه إلى أن أتوا بالمصابيح ليستضيئوا بها فلما أُضيء المصباح، نظر هذا الشخص إلى ابن المبارك رحمه الله، فوجد عينيه تفيضان من خشية الله سبحانه وتعالى.

فقال: بذلك فُضِّل علينا ابن المبارك كلٌّ منا تذكَّر شيئًا، وتذكَّر ابن المبارك ربَّه سبحانه تذكَّر يوم القيامة فخشي الله، فنال بذلك الأجر والمثوبة من الله ألم يقل النبي ﷺ في حديث «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»؟. نسأل الله أن نكون منهم بمنه وكرمه. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» كما عند الترمذي وغيره من حديث ابن عباس وجاء عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» كم من أعينٍ بكت على أمورٍ دنيوية، على فقد حبيب، أو فقد مال، أو مصيبةٍ من المصائب!.

وهذا ليس بممنوع؛ فالعين تدمع، كما قال ﷺ عند موت ابنه إبراهيم «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» ولكن أين العين الباكية من خشية الله؟ أين القلب الذي يخشى الله؟ أين الذي يخاف من الله سبحانه وتعالى؟ ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾19 (الأنفال: 2) عباد الله. إن الذي في قلبه خشية الله لا يحتاج إلى أحدٍ يُؤنِّبه أو يُعاقبه أو يزجره لأن لديه من خشية الله سبحانه وتعالى ما يمنعه من ارتكاب المعصية وإذا وقع فيها، فسرعان ما يعود ويرجع إلى الله سبحانه لأنه صار يخاف من الله سبحانه وتعالى، خشية الله سبحانه تتأتَّى للعبد من أمرين: من معرفته بربه، ومن معرفته بنفسه، أن يعرف العبد ربه، وأن يعرف نفسه، أن يعرف العبد نفسه نفسك التي بين جنبيك هي التي تدعوك إلى الشهوات لأنك لا تدري كيف تقابل الله بقلبك، وكيف تقابل الله بهذه النفس التي أنت عليها.

قال الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى وَٱدْخُلِى جَنَّتِى﴾ (الفجر: 27-30) جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. كذلك قال الخليل إبراهيم عليه السلام:، ﴿وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾20 (الشعراء: 87) ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾21 (الشعراء: 88-89). نسأل الله أن يرزقنا القلوب السليمة. معرفتك بنفسك، وتقصيرك، وظلمك لنفسك نبيٌّ كريمٌ، يونس عليه السلام، دعا الناس إلى الله فلم يستجب الناس له، فرأى أنهم لا يستحقون البقاء معهم ثم دعا ربه: ﴿لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾22 (الأنبياء: 87) فهل ما ظلم واحدٌ منا نفسه؟ هل ما ظلمنا أنفسنا؟.

وقال آدم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾23 (الأعراف: 23) وأمر النبي ﷺ أبا بكر رضي الله عنه أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» لا يكن عقلك فارغًا، ولا تكن نفسك فارغةً، وإنما اشتغل بهمِّك، وبتقصيرك، وبتفريطك في جنب ربك، حتى وإن أقبلت عليه بالطاعات، فاستغفر الله دومًا، قائلًا: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمد، «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، يُعينك على تحقيق خشية الله أن تتعرَّف على نفسك وأن تعرف تقصيرك وتفريطك في جنب الله ويكفيك أن تعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعو ربه «رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي» فكان ﷺ يستغفر ربه من ذلك كله وهو الذي غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر صلوات الله وتسليماته عليه كما يُعينك، أخي الكريم، على تحقيق خشية الله عز وجل أن تتعرَّف على خالقك على ربك ومولاك، سبحانه وبحمده، جلَّت عظمته سبحانه وبحمده تقدَّست أسماؤه، تعرَّف على ربك ربك الذي خلقك ورزقك وأعطاك وأنعم عليك، أعطاك صحةً، وأعطاك عافيةً، وأعطاك مالًا، وأعطاك أولادًا، أعطاك ما تريد وفوق ما تريد، ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿إِلَّا﴾ تستحي من ربك

أن يراك على ما يكره وهو غنيٌّ عنك وعن عبادتك، لكنه أمرك لتنتفع أنت، ولتنتفع بذكره، وليحيا قلبك. أما يستحيي العبد من غفلاته؟ أما يستحيي من جرأته على ربه وهو يراه؟ أيستحيي العبد من ربه؟ ويتبغَّضون إليه بالمعاصي قال النبي ﷺ: «أطت السماء وحق لها أن تلط يسمع لها صوت ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله عز وجل فهو غنيٌّ عنا وعن عبادتنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ إن ملائكة الرحمن، لعلمهم به، يخشونه ولذلك أثنى الله عليهم فقال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ لعلمهم بعظمته سبحانه وتعالى تعرَّف على ربك، فالذي أنعم على هذا العبد فالذي يُنعَم عليه من قِبَل شخصٍ، وهو ليس إلا سببًا من الأسباب إذا لم يَرُدَّ الجميل أو إذا أنكره، فإنه يُلام ويُذَمُّ فكيف بالعباد والنِّعَم التي تصل إليهم، وهي كلها من الله على وجه الحقيقة؟ ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾ كذلك تخشى الله؛ لأن بطش ربك شديد تخاف منه، إن ربك لبالمرصاد قويٌّ قادرٌ مقتدرٌ، لا يعجزه شيء، سبحانه وبحمده إلى هؤلاء العصاة، وما هم بمُعجِزين، لا يفوتون الله ولا يسبقونه سبحانه وبحمده فليتذكَّروا وعيده، وليتذكَّروا قدرته قال الله ﴿وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾24 (النجم: 50-55) إلهٌ عظيمٌ قادر. عادٌ حينما مُنعت من الأمطار ثم رأت الريح، فاستبشرت بها، ورجت الأمطار، فنزل بها العذاب ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌ25 مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ﴾ (الأحقاف: 24-25) كان النبي ﷺ إذا رأى الريح أو الغيم، عُرف ذلك في وجهه، وكان يخاف ويقول ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ما يؤمنني أن يكون في هذا عذاب». نسأل الله السلامة والعافية. ألم يتذكروا قول الله

﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ما يُؤمِّنك أن تسلم من عذاب الله؟ رحم الله الحسن البصري، حينما كان يُكثر من البكاء من خشية الله فكان يُقال له: أنت، وأنت تفعل الطاعات، تخاف من ذنوبك؟. فقال لهم: إن ذنوبي أهون عليَّ من هذا، ولكني أخاف أن ينظر الله إليَّ وقد عصيته في شيء. فيقول الله عز وجل: اذهب، فقد مَقَتُّك. ما يدريك؟ لعل الله يمقتك.

نسأل الله أن يرضى عنا وأن لا يسخط علينا ولذلك كان من دعاء النبي ﷺ في وِرْده ودعائه في سجوده «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» اخشَ الله وخف منه، واعلم أن ذنوبك مهما كثرت، إذا تُبت إلى الله وخفت منه.

فإنَّ الله يغفرها لك. ولا يخفى عليكم قصة الرجل الذي أوصى أولاده قال: إذا أنا مِتُّ فأحرقوني، ثم ذَرُّوني، واجعلوا نصفي في البر ونصفي في البحر. وذلك لكثرة ذنوبه، قال: فوالله لئن قدر الله عليَّ ليُعذِّبني فجمعه الله، فجمع نصفه الذي في البر ونصفه الذي في البحر، كما جاء في الصحيحين. فقال الله له: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قال: «مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ»، فغفر الله له الذي حمله على ذلك خوفُه من ربه سبحانه وتعالى.

وهذا الذي أراد أن يواقع ابنة عمه فلما ذكَّرته بالله، قالت: «اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ»، فقام عنها وهي أحب الناس إليه كان ذلك سببًا في انفراج الصخرة عنه وعن صاحبيه بفضل الله سبحانه وتعالى، فبخشية الله ترتفع الدرجات، وتُكفَّر السيئات، ويدخل العباد الجنان وبفضل الله سبحانه وتعالى يُنجِّيهم من النيران بخشية الله تقترب من ربك، وبخشية الله تطيع الله بخشية الله تترك معصية الله، وبخشية الله يجعل الله لك القبول في الأرض الذي يخشى الله تجد له المهابة في قلوب الخلق لأنه يهاب الله ويخاف منه لذلك قال الله ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾26 (آل عمران: 175)

إن كنتم مؤمنين. لا تشتغل بالخوف من الخلق وإنما اشتغل بالخوف من الخالق والله يكفيك الخلق، ويكفيك همومهم وشرورهم ويُغنيك عن خلقه بفضله، وهو ذو الفضل والإنعام والمَنِّ والإكرام والجود والإحسان سبحانه وبحمده «اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه» ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ «اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليقين ما تُهوِّن به علينا مصيبات الدنيا ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغَ علمنا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسِّلم والسلام، يا ذا الجلال والإكرام اللهم احفظ المسلمين، اللهم احفظ المسلمين، وفرِّج كربهم يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  3. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  4. آية: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 150 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا۟﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 28 ↩
  6. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 12 ↩
  7. آية: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البروج 12 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 14 ↩
  9. آية: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 28 ↩
  10. آية: ﴿۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 27 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: هود 103 ↩
  12. آية: ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 45 ↩
  13. آية: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: النازعات 45 ↩
  14. آية: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 18 ↩
  15. آية: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 30 ↩
  16. آية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 52 ↩
  17. آية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۝ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ۝ أَلَا يَظُنُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ۝ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۝ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المطففين 1-6 ↩
  18. آية: ﴿مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 33 ↩
  19. آية: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 2 ↩
  20. آية: ﴿وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 87 ↩
  21. آية: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشعراء 88-89 ↩
  22. آية: ﴿لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 87 ↩
  23. آية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 23 ↩
  24. آية: ﴿وَأَنَّهُۥٓ أَهْلَكَ عَادًا ٱلْأُولَىٰ ۝ وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ ۝ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ۝ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ۝ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ۝ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 50-55 ↩
  25. آية: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحقاف 24-25 ↩
  26. آية: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 175 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 27-30

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة