مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

ثمرات أغلى من الذهب

خطب · الدرس 132 من 342 · 25 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. ثمرة الصيام الكبرى تقوى الله عز وجل
  2. رمضان محطة التزود وضرورة الثبات والمحافظة على الفوز
  3. حقيقة التقوى والتوازن بين السعي في الأرض وذكر الله
  4. مراتب التقوى الثلاث وتجلياتها في النزاهة والبيوع
  5. الخوف من مقام الرب ولزوم الفرائض والرواتب بعد رمضان
  6. وصايا الاستدامة في النوافل وصيانة الأفراح والأعراس من المنكرات
التفريغ النصي الكامل للدرس

ثمرة الصيام الكبرى تقوى الله عز وجل

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾2 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار ورزقنا الإخلاص والهداية والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إذا كان شهر رمضان قد اختصه الله عز وجل بأنه الشهر الذي افترض فيه الصوم.

فإنَّ رب العزة سبحانه قد ذكر لنا الحكمة من وراء الصوم. فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾3 (البقرة: 183) وبناءً عليه فالمفترض في المسلم الذي صام شهر رمضان صومًا صحيحًا مقبولًا أن يحصل على تقوى الله عز وجل وهي ثمرةٌ، وربِّ الكعبة، أغلى من الذهب بلا شكٍّ ولا مرية.

رمضان محطة التزود وضرورة الثبات والمحافظة على الفوز

ولِمَ لا، وهي غايةٌ لما افترض الله عز وجل من العبادات؟ وشرع من التشريعات لذا جعلها الله وصيَّته للأوَّلين والآخرين. ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾4 (النساء: 131) فهل اتقينا الله؟ هذا هو المراد من صومنا. وهذا هو المراد من شهرنا شهر رمضان، يا أيها الإخوة الكرام، إن شهر رمضان مثلُه مثلُ محطةٍ من المحطات ينزل بها المسافر ليتزوَّد منها.

ومنها، ثم عمَّا قريبٍ سيرحل عن تلك المحطة، ولن يقيم بها أبدًا وأعني لن يقيم بها في هذا الوقت. وقد يعود إليها بعد حين كما يعود المسلمون إلى شهر رمضان. لَعَمْرُ الله. نسأل الله أن يعيد علينا رمضان غير مُبدِّلين ولا مُغيِّرين ثم ينتقل بهذا الزاد ليصل إلى مقصوده ويُحقِّق بُغيته أرأيتم لو أنه أخذ الزاد الذي تزوَّد به من تلك المحطة، ثم تركه ونسيه؟ أو رماه وألقاه ماذا نقول في شأن

هذا الإنسان الذي أتعب نفسه في سفره ووقف في تلك المحطة ثم لم يستفد منها كذلكم شهر الصيام، وكذلكم حال الإنسان الذي صام رمضان وقامه ثم بعد ذلك خلَّفه وراءه، ولم يستفد منه شيئًا، يا أيها الإخوة الكرام، إن الرب سبحانه وبحمده شكورٌ، يجزي على الحسنة حسنات ويعطي على القليل من العمل كثيرًا من الثواب لأنه الشكور الكريم سبحانه جل وعلا ومن شكر الله لعبده أن يرزقه حلاوة الإيمان وأن يُحبِّب إليه الطاعة، وأن يُزيِّن الإيمان في قلبه فنسأل الله أن يُحبِّب إلينا الإيمان، وأن يُزيِّنه في قلوبنا وأن يُكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان وأن يجعلنا من الراشدين.

يا أيها الإخوة الكرام، إن شهر رمضان هو ذلك الزاد الذي يمنحنا الله عز وجل إياه حتى نغنم غنائم كثيرة، وحتى نجني ثمرات كثيرة فمَنَّ الله عز وجل عليه بذلك، فهو من الفائزين وكل فائزٍ إذا لم يحافظ على فوزه، فإنَّ فوزه ينقلب إلى خسران وما الفائدة من فوزٍ لم يحافظ عليه صاحبه؟ وما الفائدة من قبولٍ سعى الإنسان إلى رفضه، وسعى إلى عدم الحفاظ عليه؟ أيتقبَّلك الله ويُعينك، ثم بعد ذلك تنتكس وتترك طاعة الله عز وجل؟.

حقيقة التقوى والتوازن بين السعي في الأرض وذكر الله

يا أيها الإخوة الكرام، إن التقوى مفهومها عامٌّ، وهي شاملةٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه بأن تمتثل أمر الله، وتجتنب معصية الله، وتقف عند حدوده لذا قيل في تعريفها: أن يُطاع الله فلا يُعصى وأن يُذكَر الله فلا يُنسى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر أن يطاع الله فلا يعصى. فإنَّ بدرت معصيةٌ، بادر صاحبها بالتوبة والأَوْبة كما قال الله.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾5 (الأعراف: 201) وأن يذكر الله فلا ينسى أن يذكر الله فلا ينساه، ولا يغفل عنه عز وجل. إن الله سبحانه وبحمده حينما أمرنا أن نسعى إلى سماع خطبة الجمعة وأداء صلاة الجمعة قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾6 (الجمعة: 9)

إن كنتم تعلمون ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ نعم، إذا انقضى شهر رمضان وكنا في العشر الأواخر نُحيي الليل. فإنَّ الإنسان لن يتمكَّن من إحياء الليل كله كلَّ ليلة وإنما بحسبه أن يكون له قسطٌ من الطاعة وأن يترك معصية الله فيكون هذا زادًا يُعينه في نهاره ﴿إِلَّا﴾ ترون أن الله جلَّ ذكره قد قال:: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ﴾ ﴿وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ لن يطيق الناس ﴿فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ﴾ ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾ ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ يسعون على أرزاقهم يتاجرون يزارعون يعملون ﴿وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فاسمع، يا رعاك الله، كيف أن الله عز وجل قرن بين مَن يجاهد في سبيل الله، وبين مَن يضرب في الأرض سعيًا على الرزق، وعلى الكسب الحلال نعم لأنَّ الذي يكسب الحلال وهو يتقي الله فيه هو على خير عظيم.

﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ﴾ ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾7 (النور: 37) يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ فربنا قال: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ لم يقل: رجالٌ لا يتاجرون، ولم يقل: رجالٌ لا يبيعون ﴿أَنَّمَا﴾ هم رجال يبيعون ويتاجرون ويعملون.

مراتب التقوى الثلاث وتجلياتها في النزاهة والبيوع

لكن هذا لا يلهيهم عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ما أحوجنا إلى أن نحصد ونحصل على تلك الثمرة اليانعة العظيمة وهي تقوى الله. نسأل الله أن يجعلنا ممن اتقاه وممن يتقيه وممن يموت على تقواه ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾8 (مريم: 63). وقد ذكر أهل العلم أن التقوى على مراتب فأولى تلك المراتب اتقاء الشرك والكفر أن يُوحِّد المسلم ربَّه، وألَّا يصرف العبادة لغيره.

فهذا أعظم ما يتقيه الإنسان: أن يترك الشرك وأن يخلص لله رب العالمين في عمله. وهذا هو المقصود من الأعمال ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾9 (الحج: 37) فسرها كثير من أهل العلم بالإخلاص أن يُخلِص عمله وعبادته لله وأن لا يشرك بالله شيئًا، ولا شكَّ أن مَن اتقى الشرك فله نصيبٌ من التقوى والهداية ألم يقل الله في شأن تلك النفس المتحسرة يوم القيامة وقتَ ألَّا ينفع الندم، ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ﴾10 (الزمر: 56) أو تقول.

تأمَّل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾11 (الزمر: 57). وهذا معناه أنك إذا اتقيت الله فأنت من المهتدين فالذي يتقي الله هو من المهتدين وكلما قويت تقواك لله وازدادت تقواك لله كنت أكثر هداية. نسأل الله أن يجعلنا من المهتدين والدرجة الثانية من التقوى: اتقاء المعاصي والذنوب فيدخل فيها اتقاء الكبائر والصغائر بأن تتقي المعصية لأنَّ المعصية يكرهها الله لأنَّ المعصية نهاك الله عنها فأنت تتقيها، وتكرهها، وتُبغضها إذا اقتربت منها بادرت بالابتعاد عنها والتوبة إلى الله جل وعلا والمرتبة الثالثة أن تترك ما لا بأس به، خوفًا من الوقوع فيما به بأس ألَّا تترك الحرام فحسب، وإنما تترك الشبهة أيضًا لماذا «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith/sharh/36803?utm_source=chatgpt.com))  فهو يتقي كلَّ ما يجرُّ إلى الحرام ويجعل بينه وبين الحرام ووسائله سدًّا «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» اتق الله في حركاتك وسكناتك في جَلَواتك وخَلَواتك في ظاهرك وباطنك في بيتك، وفي خارج بيتك في عملك في وظيفتك في صلاتك في صيامك في أمورك كلها أن تشعر بأن شعارك هو: اتقِ الله وأسأل الله، أن يجعلنا من المتقين اتقِ الله في المعاملات مع الناس ما أحوج الناس إلى ذلك ما أحوج الناس إلى أن يتقوا الله في معاملاتهم، وألَّا يغشَّ بعضهم بعضًا، ولا يغرَّنَّك أن الناس يُوكَلون إلى أنفسهم لأنَّ الذي يسألك هو ربك سبحانه، ولا يُغنيك نظر الناس إليك وإنما الذي يُغنيك أن تُطيع الله ربك.

ولذلك علَّمنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، كما عند ابن ماجه: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»، «وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ» ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith/sharh/78215?utm_source=chatgpt.com)) . تأمَّل! ولا يحل لمسلمٍ باع من أخيه شيئًا فيه عيبٌ إلا أن يُبيِّنه له أنت تعلم أن في السلعة عيبًا وأن في هذا الشيء خللًا فتقول له: سلْ مَن شئت، واعرض السلعة على مَن شئت وعلى أهل الاختصاص مثلًا هذا لا يكفي إذا كنت تعلم أن في الشيء عيبًا، وجب عليك أن تُبيِّنه لأنَّ هذا من مقتضى التقوى، ومن مقتضى الأخوة الإسلامية التي علمنا إياها ربنا سبحانه وبحمده وعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام حينما مر كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا.

فقال: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟». فقال: «أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ». فقال الرسول «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith/sharh/62008?utm_source=chatgpt.com))  من غش فليس مني إنها التقوى في كل الأحوال تقوى الرجل مع زوجه أن لا يظلمها وأن لا يقهرها وأن يحسن إليها تقوى الله في معاملته لأولاده، وفي معاملته لوالديه وفي معاملته للأقارب والأجانب كلُّ ذلك علينا أن نحصِّله من التقوى التي علمنا الله إياها لعلكم تتقون أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

الخوف من مقام الرب ولزوم الفرائض والرواتب بعد رمضان

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، من معاني التقوى الخوف من الله عز وجل، أن تُعلنها مُدوِّيةً واضحةً جليَّةً يا ربِّ، إني أخاف منك ﴿إِلَّا﴾ ترون أن أحد ابنَي آدم، الذي امتنع عن قتل أخيه، ومن المبادرة بقتله مَنْ الذي منعه ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾12 (المائدة: 28) ألم يأمر الله الرسول الكريم ﷺ أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ نعم نخاف الله وهل أهل الجنة إلا قومٌ خافوا في الدنيا فأمِنوا هناك؟ ألم يقل الله عز وجل في شأن الأبرار ذاكرًا قولهم إننا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ

ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا نعم. إن النبي ﷺ لما ذكر السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه. جعلنا الله منهم، قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ». فقال: «﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾» نعم ما أحوجنا في حياتنا إلى أن نتقي الله في كل شيء في معاملاتنا، وفي أقوالنا، وفي أفعالنا تقوى الله أن تخافه، وأن ترجو ما عنده أن تعلم أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ، وعلى كل شيءٍ شهيد، وبكل شيءٍ محيط، وعلى كل شيءٍ حفيظ فأنت تعمل وتنتظر الأجر منه، لا من غيره سبحانه وبحمده تقوى الله في أمورنا كلها وجاء في صحيح البخاري من وصية جندب بن عبد الله رضي الله عنه: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ» ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith/sharh/134785?utm_source=chatgpt.com))  فكُلْ حلالًا، وأطعمْ أهلك حلالًا، وليكن كسبك حلالًا وليكن سعيك حلالًا لأنك تتقي الله عز وجل.

يا أيها الإخوة الكرام، تقوى الله لزوم طاعته وترك معصيته والمسلم، وإن كانت تأتيه الفرص كفرصة رمضان، فيزداد طاعةً لله عز وجل. لكن له حدًّا لا يقلُّ عنه، يحافظ عليه إلى أن يلقى الله عز وجل من ذلك الحفاظ على الفرائض والواجبات. ومن ذلك المحافظة على ترك المحرمات اللهَ اللهَ في الواجبات، اللهَ اللهَ في الصلوات الخمس ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ إن الصلوات خمسٌ، ولكل صلاةٍ وقت لا يجوز لك، أن تتجاوز هذا الوقت.

فكما صلَّيت في رمضان، فصلِّ بعد رمضان. فرب رمضان رب الشهور كلها. فأقبل على الله، الصلاةَ الصلاةَ. اللهَ اللهَ في الصلاة. حافظ على الواجبات من صلاة، ومن غيرها. كلما أوجب الله عز وجل عليك حقًّا ومن ذلك أن يكون لك حظٌّ من السنن الرواتب وهي اثنتا عشرة ركعةً: ركعتان قبل الفجر، وأربعٌ قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith-category/cat/8a5fe948cb4d79df5e8c2a1b2a9d82ce?utm_source=chatgpt.com)) .

وصايا الاستدامة في النوافل وصيانة الأفراح والأعراس من المنكرات

ثم إن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد أوصى عددًا من الصحابة. فقال كلٌّ منهم: أوصاني خليلي بثلاث أوصاني خليلي بركعتَي الضحى، وفي لفظٍ: بصلاة الضحى فصلِّ صلاة الضحى فأنت إذا صلَّيتها، فكأنَّما تصدَّقت عن كل مفصلٍ من مفاصلك وهي تبلغ ثلاثمائةٍ وستين مفصلًا فإذا صلَّيت ركعتين من الضحى، فكأنَّما تصدَّقت وشكرت الله على أعضائك كلها ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith/sharh/23550?utm_source=chatgpt.com))  «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ» ([الدرر السنية](https://dorar.net/hadith/sharh/132361?utm_source=chatgpt.com))  يُسنُّ لنا أن نصوم ستًّا من شوال، إعلانًا منَّا أننا نشكر نعمة الله علينا وأننا نُتبِع الطاعةَ بالطاعة.

لكن بعد شوال هناك ثلاثة أيام من كل شهر وأن أوتر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ أنام، أي: أن يُصلِّي الإنسان الوتر ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ينام. وإذا أمن على نفسه أخَّر الوتر إلى آخر الليل. فهذا أفضل كما تدل عليه النصوص الشرعية. الشاهد من ذلك أن هناك أمورًا ثابتةً عليك أن تحافظ عليها. ليس مطلوبًا منك أن تكون في غير رمضان كما كنت في رمضان فأنت لا تُطيق ذلك ولا تستطيعُه.

لكن هذا أقلُّ القليل: لك حظٌّ من قيام الليل، ولك حظٌّ من صلاة الضحى، ولك حظٌّ من الصيام اللهَ اللهَ في الأذكار حصِّنوا أنفسكم، وحصِّنوا أولادكم بذكر الله والاستغفار لله اذكروا الله دُبُر الصلوات، وقبل النوم، وعند الخروج من المنزل، وفي الصباح، وفي المساء هذا حصنٌ، وهذه أمورٌ ثابتةٌ تبقى مع المسلم إلى أن يلقى الله عز وجل.

يا أيها الإخوة الكرام، اتقوا الحرام، وامتنعوا عنه، فمزمار الشيطان يظهر بعد رمضان هذه الأفراح تنقلب إلى معاصٍ ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ المسلمون أن يفرحوا وأن يفرح أولادهم فليتقوا الله في أفراحهم فلماذا هذا الصخب؟ ولماذا هذه المحرمات؟ ولماذا انتشار ما يُبغض الله عز وجل؟ ﴿إِلَّا﴾ يتمُّ الفرح إلا بذلك؟ اتقوا الله في أفراحكم.

فإنَّ الفرح الحقيقي فرحٌ بطاعة الله حتى يسلم الزوجان من كل منكر. فإنَّ الغرض من الزواج أن يُقام بيتٌ ينشأ على طاعة الله ويستمرُّ عليها لا أن يبدأ بمعصية الله، فإذا به يرتدُّ على عقبيه، ولا يكون بيتًا قائمًا على طاعة الله اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار.

اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك. اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ المسجد الأقصى وأهله سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 183 ↩
  4. آية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 131 ↩
  5. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 201 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 9 ↩
  7. آية: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 37 ↩
  8. آية: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 63 ↩
  9. آية: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 37 ↩
  10. آية: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَـٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّـٰخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 56 ↩
  11. آية: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 57 ↩
  12. آية: ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 28 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة