مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تَعِسَ عبدُ الدرهم

خطب · الدرس 131 من 342 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وفقه حديث: 'تعس عبد الدينار والدرهم'
  2. معنى التعس والشقاء والفرق بين المال الخادم والسيد
  3. عبودية المظاهر والثياب والفرق بين التجمل والمخيلة
  4. مذمة تعليق الرضا بالدنيا وشقاء الداعي: 'إذا شيك فلن تقش'
  5. طوبى للعبد الصالح: التجرد لله في الحراسة والساقة
  6. فضل الرباط وعينان لا تمسهما النار وبقاء أجر المرابط
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وفقه حديث: 'تعس عبد الدينار والدرهم'

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ونسأله سبحانه، أن يدخلنا الجنة وأن يرزقنا الإخلاص والقبول، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ قال تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة قال ﷺ «تعس عبد الديناري وعبد الدرهم وعبد الخميصة إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وإن لم يعطى سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلن تقش» «طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» «أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ» إن كان في الحراسة هذا حديث جليل من أحاديث النبي الكريم صلوات ربي وتسليماته عليه يفرق لنا فيه الرسول ﷺ بين صنفين من الناس صنف يعيش لدنياه وصنف يعيش لأخراه صنف صار أسير الشهوات وصنف صار عبدًا لله خالصًا له.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده المُخلِصين المُخلَصين، يا أيها الإخوة الكرام، نبيكم ﷺ ابتدأ هذا الحديث الشريف بقوله تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وجاء في بعض الروايات تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة، وفي لفظ تعس عبد الخميلة والقطيفة. نسأل الله السلامة والعافية.

معنى التعس والشقاء والفرق بين المال الخادم والسيد

وقوله: تَعِسَ يحتمل احتمالين. أما الاحتمال الأول فهو، أن الرسول الكريم صلوات الله وتسليماته عليه يخبر عن حاله، أي: أن هذا الذي صار عبدًا للمال حياته تعيسة يعيش حياة فيها التعاسة نعوذ بالله من الضلال، ومن الإضلال لذا استحق أن يدعو عليه الرسول الكريم ﷺ مع أنَّه الرحمة ﷺ كما قال الله عنه ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾5 (الأنبياء: 107) وقوله: تَعِسَ، والتعاسة ضد السعادة فمعنى قوله تَعِسَ أي: صار في شقاء وخالف السعادة فهو يعيش في كآبة وشقاء وغم.

نسأل الله أن يسعدنا في الدنيا والآخرة. وقال بعضهم: المراد بقوله تَعِسَ أي: إنه ضد الفرح فمعنى ذلك أنه أصيب بالحزن أو أن معنى تَعِسَ هَلَكَ فالرسول عليه الصلاة والسلام، يخبر عنه أنه من الهالكين أو يدعو عليه بالهلاك كما قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾6 (محمد: 8) فمعنى قوله فَتَعْسًا لَهُمْ أي: فهلاكًا لهم على قول عدد من المفسّرين تعس عبد الدينار وعبد الدرهم.

إن الله سبحانه وتعالى، قد منَّ على عباده بالأموال وجعل تلك الأموال نعمة لكنَّها قد تنقلب إلى نقمة والفرق بين إنسان معه مال وآخر معه مال أن من جعل المال خادمًا له صار المال طريقًا له إلى جنات النعيم، ومن جعل المال سيدًا عليه أودى به المال إلى دركات الجحيم. نسأل الله السلامة والعافية. لذلك القاعدة العريضة نعم المال الذي يكون خادمًا لك وبئس المال الذي يكون سيدًا عليك المال إما أن يكون خادمًا وإما أن يكون سيدًا، هذا المال الذي يكون خادمًا قد يتعب الإنسان في جمعه لكنه في جمعه يراقب ربه فهو يعلم، أن المال لا يبقى وأن المال يفنى فيجمع منه ما استطاع بالطرق المشروعة التي أحلها الله عز وجل ثم بعد ذلك يصير هذا المال الذي جعله الله في قبضته، وفي يده أو في جيبه يصير خادمًا له يخدمه يقضي به حاجاته الدنيوية ويقضي به كذلك أموره التي يتقرب بها إلى الله عز وجل فيكون كما قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ».

فهذا المال خادم له ليس بمسيطر عليه، ومن المعروف أن الإنسان إذا فقد خادمًا من خدامه قد يحزن عليه. لكن حزنه لا يستمر، ولا يستقر لأنه قد يبدل أو أن يأتي بخادم آخر وكذلك المال عند صاحبه التقي إذا فقده حزن في نفسه. فإنَّ هذا الأمر لا يستقر عنده لأنَّه يعلم أنَّ الذي أعطاه سيخلف عليه خيرًا منه وهو خير الرازقين سبحانه وتعالى، لذلك يكون هذا المال خادمًا عنده يستعمله في طاعة الله ويستثمره فيما يرضي الله عز وجل وأما المذموم فما ذكره الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في قوله تعس عبد الدينار وعبد الدرهم عبد صار عبدًا له صار أسيرًا للمال المال هو الذي يحركه وصاحبه تعيس لأنه يتعب تعبًا شديدًا في جمعه يجمعه من حل ومن حرام ويفكر هنا وهنا ليصل إلى المال وكلما وصل إلى مال ابتغى أكثر منه لأنه لن يملأ جوفه إلا التراب ويتوب الله على من تاب كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يبتغي مالًا فوق ماله ويريد دنانير فوق دنانيره ودراهم فوق دراهمه، وكذلك في جميع صنوف الأموال لا يرضى، ولا يقنع وإذا اضطربت الأحوال الاقتصادية ما كان منه إلا التعاسة والشقاء فهو دومًا في قلق سواء أجمع مليون أم أكثر في كل الأحوال هو عبد أسير لهذا المال.

عبودية المظاهر والثياب والفرق بين التجمل والمخيلة

ثم قال عليه الصلاة والسلام، تعس عبد الخميصة، وفي لفظ قال والقطيفة، وفي لفظ قال تعس عبد الخميلة وتجتمع هذه في أنها أكسية، وفي أنها ثياب يفرح بها أصحابها فهو يميل إلى القطيفة وإلى الخميصة وإلى الخميلة سواء أكان هذا مما يرتديه الإنسان ويلبسه على جسده أو كان هذا مما يفترشه الإنسان من متاع وأثاث في بيته فبعض الناس يشتغل بالمفروشات التي تفرش في البيت حتى تكون في أعلى الموضات، وكذلك في ملبسه يتعلق بكل لباس حديث وبكل لباس جديد حتى يصير عبدًا له.

وشتان بين عبد ﴿أَنَّمَا﴾ يلبس ذلك اللباس يتقرب به إلى الله عز وجل وينطلق من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، ولم ينكر على الرجل أن يكون ثوبه حسنًا وأن تكون نعله حسنة. فإنَّ هذا دأب المؤمن والله قال: ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾7 (الأعراف: 31) لذلك كُلْ ما شئت والبس ما شئت من غير إسراف ولا مخيلة.

أما هذا الشخص فإنَّه يختال في مشيته ويختال بملابسه ويتعلق بكل موضة سواء أكانت مما يحرم أم كانت مما يحل حتى إن الشيء الذي يتعلق به قد يكون باهظ الثمن. وقد يؤدي به إلى ترك بعض الحقوق حتى صارت الثياب سيدة له. نسأل الله السلامة والعافية. والواقع خير شاهد على أن كثيرًا من الناس قد يتعلقون بذلك وإن كان هذا في النساء أكثر.

نسأل الله السلامة ونسأل الله، أن يصلح نساءنا فقد تتعلق بثياب معينة وبشيء معين وتفعل من أجله كل شيء. وقد تخاصم، وقد تفعل ما يسخط الله عز وجل كل ذلك من أجل تحصيل تلك الأشياء الفانية التي لا تبقى. وهل رأيتم مثل تعلق الشباب مثلًا في هذه الأيام صغارًا وكبارًا أعني من الأطفال، ومن فوقهم بمثل تلك الثياب الممزعة والمقطعة والمشققة أي: خير فيها إنها منذ سنوات ليست بالبعيدة من كان يلبسها كان يقال له: أنت فقير أبوك ليس معه مال حتى يشتري لك ثوبًا غير مقطع واليوم يذهب الولد ويذهب أبوه وتذهب أمه من أجل أن يشتري مثل هذه الثياب ويدفع فيها الأموال لما

لأنَّها الموضة لأنَّها التي يريدها الناس اليوم.

مذمة تعليق الرضا بالدنيا وشقاء الداعي: 'إذا شيك فلن تقش'

وهذا من الخلل الكبير قال تعس عبد الخميصة وعبد الخميلة قال عليه الصلاة والسلام، «إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ» «وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» نعم. إن أعطي المال إن أعطي ما يشتهي فإنَّه يرضى «وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ» يحتمل أن المراد رضي عمن يعطيه وسخط على من يعطيه أو أن المعنى رضي عن الله وسخط على الله عز وجل نعم، أن الله يعطي المال لمن يحبه، ولمن يبغيه وأن الميزان الحقيقي عند الله جل وعلا هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾8 (الحجرات: 13).

إن الله عليم خبير. وقد قال الله جل ذكره ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾9 (المؤمنون: 55-56) وقال. ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ﴾10 (الفجر: 15) إذا أعطاه الله الأموال يقول ربي أكرمني ربي راضٍ عني. وأما إذا ابتلاه ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ﴾ ضيق عليه في الرزق فيقول: ربي أهانني.

فقال الله كلا ليس هذا بمقياس صحيح، ولا بمعيار صحيح عند رب العزة سبحانه فالله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب. وأما الآخرة فهي كما قال الله ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾11 (الزخرف: 35). وهذا بخلاف حال المؤمن الذي قال عنه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ».

«إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» فالمال معه يحمد الله عليه سُلِبَ منه المال يحمد الله لأنَّه يعلم أنَّ ما عند الله خير وأبقى. وقد يمنع الله عنك المال لأنه يريد بك الخير. جعلنا الله من الراضين. ثم قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ تعس وانتكس، تعس أي: شقي تعس شقي وهلك.

وقال بعضهم: تعس أي: انقلب على وجهه قال وانتكس أي: ينقلب مرة بعد أخرى. وقال آخرون: بل انتكس معناه انقلب على رأسه والمعنى أن الرسول يدعو على هذا الإنسان بأنه يعيش تعيسًا فيعيش في الدنيا لا يدري كيف يسير لأنه نسي الهدف الحقيقي الذي خلقه الله من أجله ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾12 (الذاريات: 56) فتعجب من حاله معه الأموال والثلاجة في البيت ممتلئة والأغذية عنده لم يعد لها مكان، وعنده راتب عال وعنده أولاد، وعنده بيت عظيم.

ومع ذلك هو في شقاء فتراه يخرج من بيته يريد أن يتجه إلى مكان فإذا به يتجه إلى مكان آخر فتسأله فيقول لا أدري لماذا خرجت، ولا إلى أي: شيء خرجت، ولا إلى أي: شيء يصل لأنَّ قلبه بعيد عن الله فتعلق بغير الله تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ أي: إذًا أصابته شوكة وهي أقل ما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان فلا انتقش أي: لم يجد من يزيلها عنه بالمنقاش أي: لم يجد له مساعد فالرسول عليه الصلاة والسلام، يخبر عنه أو يدعو عليه بأنه إذًا أصيب بأقل ضرر لا يجد من يسعفه لا يسعف نفسه لأنه منفرد ولا يسعفه غيره لأنَّ الناس يبغضونه لأنَّ من أسخط الله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

طوبى للعبد الصالح: التجرد لله في الحراسة والساقة

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، شتان شتان بين عبد ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ تقي يعبد الله في السراء والضراء وبين، أن يقول «الحمد لله على كل حال» شتان بين من هذه حاله وبين آخر يرضى ويسخط يرضى من أجل دنيا ويسخط من أجل دنيا وكأن هذا الشخص إذا حُرم من شيء رغب فيه مع أنَّه قليل. وقد أعطاه الله الكثير صارت الدنيا أمامه سوداء وترون كثيرًا ممن ينتحر لو جلست معه قبل انتحاره وقلت له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لي ما الذي أنعم الله به عليك كأني به لو صدق لعدَّد نعمًا كثيرة وآيات جليلة منحها الله له لكنَّه لمَّا كان معرضًا عن الله لم يجد أمامه إلا ما يسوءه ونسي تلك النعم التي أغدق الله بها عليه وصدق الله إذ قال ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾13 (إبراهيم: 34) هذا عن الصنف الأول والكلام عنه طويل وسامحوني على الإطالة. وأما الشق الثاني على عجل قال الرسول الكريم فيه عليه الصلاة والسلام، «طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند أحمد وهو حسن «طوبى شجرة في الجنة مسيرة مئة عام ثياب أهل الجنة» من أكمامها ثياب أهل الجنة من أكمامها تخرج من هذه الشجرة تعجبت من قول الرسول: عبد الخميصة وعبد الخميلة هو يبحث عن الكساء ويبحث عن الثياب، وفي الجنة ثياب من جهة أخرى إنها لهؤلاء طوبى والله عز وجل قال ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍ﴾14 (الرعد: 29)

وقال بعضهم: طوبى فُعْلَى من الطيب، أي: الفرح واللذة والسعادة والخير فمعنى طوبى أي: خير وسعادة ونعم وجنة طوبى لعبد، هناك عبد الدينار وعبد الدرهم وهنا عبد وهو عبد لله جل وعلا فتنكير العبد تعظيم له لأنَّ العبد ﴿أَنَّمَا﴾ يعتز بأنه عبد لله. ولذلك في مقامات التشريف للنبي عليه الصلاة والسلام، أطلق الله عز وجل عليه العبودية.

وقال ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾15 (الإسراء: 1) فنسأل الله، أن يشرفنا بالعبودية له سبحانه وبحمده طوبى لعبد آخذ بعنان فرس أي: بلجام فرس العنان بكسر العين لجام الفرس أخذه في سبيل الله فهو يتحرك لله ومن أجل الله جل وعلا حتى وهو يحافظ على وطنه يستحضر أنه في خدمة ربه لأنه بذلك يدافع عن بلد إسلامي قال: إن كان في الحراسة «وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ» قال عدد من الشراح إن كان في الحراسة أي: في المقدمة وإن كان في الساقة أي: في المؤخرة أي: إذا قيل له تقدَّم إلى الأمام لأنَّ عدوًّا سيأتينا من الجهة الأمامية فهو في الحراسة حتى يمنع الأعداء يؤمِّن جهته ويؤمِّن المسلمين معه ويؤمِّن الناس قال: «إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ» أي: قال سمعًا وطاعةً أنا أتقدم لأنَّ التقدم تحتاجون إلي فيه «وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ».

إن قيل له ارجع لا تكن أمام الناس، ولا يراك أحد فأنت جندي مجهول لا يعرفك الناس ولكن رب الناس يعلمك ورب الناس عالم بحالك. «إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ» «وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ» في كل الأحوال هو يعمل لله رب العالمين وإنني أطبق هذا على شؤون، وعلى أحوال الإنسان كلها إن كان في المسجد فهو في المسجد إن كان في البيت مع زوجه وأولاده فهو في البيت مع زوجه وأولاده.

إن كان في الوظيفة فهو في الوظيفة أي: في كل أحواله يطيع الله عز وجل ويسعى في إرضاء ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إذا كان في التجارة إذا كان في البيع والشراء لا ينسى أنه مؤمن تقي يتقي الله في بيعه في شرائه في معاملاته وكم من شخص مشهور وهو مغرور، وبعد ذلك يَصْلَى نار السعير. نسأل الله السلامة والعافية.

فالقضية ليست قضية شهرة وإنَّما القضية قضية هل ربي راض عني. فإنَّ رضي الله عنك. فهذا مرادك وصدق موسى عليه السلام حينما قال ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾16 (طه: 84)

فضل الرباط وعينان لا تمسهما النار وبقاء أجر المرابط

نعم إنه. إن كان في الحراسة فهو في الحراسة «وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ»، ولم لا وهو يتذكر الأحاديث النبوية في فضل الرباط في سبيل الله ألم يقل الرسول الكريم عليه الصلاة

والسلام، «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في مسلم «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ».

وهذا فضل كبير لأنَّ معنى قول الرسول الكريم جرى أو أجر الله عليه عمله الذي كان يعمله جاء تفسيره في حديث آخر «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يعني: كأنه يعمل وكأنه في حراسته ينال أجره كأنه يعيش إلى يوم القيامة وما ذلك إلا للفضل العظيم مع أنَّه ربما كان مجهولًا لا يدري الناس عنه شيئًا.

يا أيها الإخوة الكرام، إن هذا الحديث العظيم باختصار يعلمنا أن نكون عبادًا لله لا أن نكون عبادًا للشهوات وإذا كنا عبادًا لله فلا يضيرنا أَعَلِمَ الناس أم جهلوا المهم، أن يرضى عنا ربنا اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 107 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 8 ↩
  7. آية: ﴿۞ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 31 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 13 ↩
  9. آية: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 55-56 ↩
  10. آية: ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 15 ↩
  11. آية: ﴿وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزخرف 35 ↩
  12. آية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 56 ↩
  13. آية: ﴿وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 34 ↩
  14. آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الرعد 29 ↩
  15. آية: ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 1 ↩
  16. آية: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: طه 84 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة