الشهادة في سبيل الله
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- علو منزلة الشهادة في سبيل الله واصطفاء الله لأهلها
- تمني النبي للشهادة وتعداد خصال الشهيد الست عند الله
- ضوابط القتال وحرمة دماء المسلمين والمعاهدين وتفنيد فكر الخوارج
- شرط الإخلاص لإعلاء كلمة الله والدافع الإيماني في الدفاع
- الرد على الغلاة في تكفير الديار وضابط لا يقال
- اتساع مفهوم الشهادة في المبطون والغريق والاعتبار بالآيات الكونية
التفريغ النصي الكامل للدرس
علو منزلة الشهادة في سبيل الله واصطفاء الله لأهلها
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، في الإسلام منازل عظيمة ومراتب سامية عليَّة.
تمني النبي للشهادة وتعداد خصال الشهيد الست عند الله
لكن كثيرًا من الناس قد يفهمها خطأً، فيُخطئ وهو يظن أنه ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والصواب، ومن المراتب العُليا والمقامات السنيَّة مرتبة الشهادة في سبيل الله. نسأل الله أن يرزقنا الشهادة في سبيله، ويا للعجب، يا أيها الإخوة الكرام، إن الشهادة في سبيل الله مرتبة عالية ومنزلة سامقة، ولِمَ لا؟ والله جل وعلا إذا اتخذ عبدًا شهيدًا فقد اصطفاه ألم يقل الله جلَّ ذكره: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآ5ءَ﴾ (آل عمران: 140)
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ فإذا اتخذ الله عبدًا من عباده شهيدًا فهو مُصطفًى عنده. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ﴾6 (النساء: 69) ولذا فليس من عجب أن يقول الرسول الأكرم، بأبي هو وأمي صلوات الله وتسليماته عليه «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ» مَن الذي يتمنَّى ذلك؟
إنه رسول الله محمد ﷺ ويكفي الشهداء شرفًا قولُ الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ» «يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ». قال ﷺ «وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» «وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ» «وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» «وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ» «وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» فالشهيد لا ينتفع فحسب، وإنما ينفع أقاربه وينفع الناس من حوله وصدق الله إذ قال ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾7 (آل عمران: 169-170).
ضوابط القتال وحرمة دماء المسلمين والمعاهدين وتفنيد فكر الخوارج
لكن الأسئلة التي يجب علينا أن نطرحها على أنفسنا ونتعلَّم إجاباتها تتعلَّق بأمورٍ، منها: مَن هو الشهيد؟ مَن هذا الشهيد الذي يُثيبه الله ويأجره؟ ويعطيه تلك المنازل العالية والمراتب السامقة أو بطريقةٍ أخرى أسأل وأقول: كثيرٌ من الناس يدَّعون أنهم يُقاتلون من أجل الشهادة فأنت إذا سألتَ مَن يقتل أخاه المسلم يقول: ﴿أَنَّمَا﴾ أقتله ابتغاءَ الشهادة.
وقد رأينا مَن يُكبِّر الله عند ذبحه مسلمًا من المسلمين زاعمًا بذلك أنه ينال الشهادة وربما جرى تفجير وقتل وسفك للدماء في أول يومٍ من أيام شهر رمضان ليتقرَّب بالصيام وبقتل هؤلاء المسلمين أو بقتل هؤلاء المعصومين. الضابط الأول أن يعلم مَن يُقاتل في سبيل الله مَن الذي يجوز له قتاله فليس كلُّ الناس يجوز قتالهم، فضلًا عن قتلهم فالمسلم لا يجوز قتله بغير حق كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، قال ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن سفك الدماء لا يُستباح إلا بحقٍّ شرعي فذكر منها عليه الصلاة والسلام الثيِّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة، والنفس بالنفس. وأما غير المسلم فهو الكافر فغير المسلم لا يجوز قتله أيضًا بغير وجه حق لأن بعض الناس يظن أن الكفر يُبيح القتل وهذا خطأ فليس كلُّ كافرٍ يُقاتَل، فضلًا عن أن يُقتل لأن هناك من الكفار نفوسًا معصومة كما علمنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فهناك الذمِّي الذي يعيش معنا، وبيننا وبينه ذمَّة.
فهذا لا يجوز الاعتداء عليه ولا ظلمه فضلًا عن قتاله أو قتله، وكذلك هناك المُعاهَد، وهو غير مسلم، وعندنا المُستأمَن الذي أذِنَّا له بدخول بلادنا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ له: ادخل بلادنا لتجارةٍ أو صناعةٍ أو سياحة أو ما أشبه فقد أذِنَّا له بالدخول فلا يجوز الاعتداء عليه والرسول عليه الصلاة والسلام قال «مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا» إذًا مَنْ الذي يقاتل
الكافر الحربي هو كافر ويحارب إذًا هذا الذي يقاتل. أما غير هؤلاء فلا يُقاتَلون إلا بحقٍّ تدلُّ عليه النصوص الشرعية كما أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك لما قال ذو الخُوَيْصِرَة التميمي للرسول عليه الصلاة والسلام وهو من أصول الخوارج: اتقِ الله يا محمد ورد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
وقال ﷺ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا» أي: من أصل هذا الرجل أقوامٌ يقرؤون القرآن لذلك الضابط الأول: هذا الذي يُقاتِل، مَن يُقاتِل؟ أخاه المسلم لماذا يقاتله لماذا يُقاتِل جنديًّا مسلمًا؟ يحافظ على نفسه وعرضه وعلى بلده الإسلامي أهذا من الإسلام في شيء؟ لا شك، أن من يصنع ذلك فهو على ضلالٍ مبين. نسأل الله السلامة والعافية.
إذًا هذا ضابطٌ في مَن يُقال له: شهيد. إذًا القضية ليست في حمل السلاح ولا في إراقة الدماء ولكن مَن الذي أُريق دمه، ولأيِّ شيءٍ أُريق دمه؟ هذا ضابط.
شرط الإخلاص لإعلاء كلمة الله والدافع الإيماني في الدفاع
وأما الضابط الثاني: فلِمَن نقاتل؟ نقاتل لله، لإعلاء كلمة الله سُئل النبي محمد ﷺ، كما في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه، عن الرجل يُقاتل شجاعةً الرجل يُقاتل من أجل أن يُقال: إنه شجاع، إنه مغوار، إنه مِقدام سُئل عن الرجل يُقاتل شجاعةً، والرجل يُقاتل حميَّةً، والرجل يُقاتل رياءً، وفي لفظ: «لِيُرَى مَكَانُهُ» يريد أن ترى منزلته أيُّ ذلك في سبيل الله؟ ومَن الذي يكون قتاله في سبيل الله من هؤلاء؟ قال ﷺ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» إذًا هذا هو الضابط: لماذا نقاتل؟ لكي تكون كلمة الله هي العليا. ولذلك ينبغي أن يُبثَّ في جنودنا البواسل أنهم إذا قاتلوا أعداء الله فإنما يُقاتلون لإعلاء كلمة الحق من قاتل في سبيل الله «مَنْ قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» وقال النبي عليه الصلاة والسلام «مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ»، ومعنى «يُكْلَم»، أي: يُجرَح ويُصاب بجرح لا يكلم أحد في سبيل الله «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ».
ولذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» هنا قضية مهمة، وهي أن هؤلاء حينما يُقاتلون عليهم أن يُقاتلوا في سبيل الله لا من أجل غيره عز وجل وهنا ينبغي تصحيح مفهوم: إن الكفار في بلادهم يُقاتلون من أجل أوطانهم فكل شخصٍ في وطنه، إذا كان عاقلًا، سيدافع عن وطنه، ولا يُناقض ذلك إلا مَن اختلَّ عقله أو انتكست فطرته فما الفرق بين المؤمن بالله والكافر بالله؟
الفرق أننا إذ نقاتل من أجل الحفاظ على أوطاننا لأن أوطاننا أوطانٌ مسلمةٌ مؤمنةٌ بالله فنحن نعتزُّ بأرضنا، ونعتزُّ بوطننا وبلادنا لا من أجل أننا نرفع الوطنية فوق طاعة الله معاذ الله ولكن من أجل أن تبقى كلمة الله ظاهرةً في بلادنا من أجل أن تبقى المنابر، ومن أجل أن يبقى الأذان من أجل أن تبقى الصلوات، ومن أجل أن تبقى شعائر الإسلام لئلا يستولي على بلادنا أعداء ديننا.
نسأل الله السلامة أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الرد على الغلاة في تكفير الديار وضابط لا يقال
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، في هذه المسألة العظيمة يحصل خلطٌ من طائفتين. أما الطائفة الأولى فتنظر إلى بلاد الإسلام على أنها بلاد كفر أنت إذا نظرت إلى الطوائف المنحرفة الموجودة على الساحة في هذه الأيام، ومن قبلُ، كداعش وغيرها عمومًا وسألتهم لماذا تستبيحون قتل المسلمين في هذه البلاد المسلمة؟ يقولون: هي ليست بلادًا إسلامية أصلًا هي بلاد كفر وبلاد حرب فيستبيحون الدماء من أجل ذلك فنحن نردُّ عليهم ونقول.
بل هي بلاد إسلامية شعائر الإسلام في بلادنا موجودةٌ أم مُعطَّلة؟ موجودةٌ بفضل الله ومرفوعةٌ ومأذونٌ فيها والإسلام فيها قائمٌ، وأهل الإسلام فيها ظاهرون فكيف لا تكون بلادًا إسلامية حتى وإن وُجدت أخطاءٌ ووُجدت مخالفات فلا يُخرجها ذلك عن كونها بلادًا إسلامية ثم مَن أجاز لك أن تقتل المسلم في أيِّ دارٍ كان؟ ﴿أَنَّمَا﴾ يجوز ذلك بحقٍّ شرعي، لا بالهوى فهذه طائفة ضالة والطائفة الأخرى هي التي استباحت إطلاق وصف الشهادة فجعلته رخيصًا فأعطته لمن شاءت.
يا أيها الإخوة الكرام، الشهادة معناها أن فلانًا مشهودٌ له بأنه من أهل الجنة ما معنى الشهادة؟ الشهادة معناها أن فلانًا من أهل الجنة والرسول ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ». بل إن عيسى عليه السلام قال كما قال رب العزة. ﴿وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾8 (المائدة: 72) فلا يجوز أبدًا أن نُسبغ ثياب الشهادة على مَن ليس مسلمًا مؤمنًا بالله رب العالمين لذلك أعجب حينما يُقتل بعض الجنود غير المسلمين هم كافحوا من أجل الوطن، وعلى ولي.
الأمر أن يكفي أهلهم وأن يُعطيهم مستحقَّاتهم لا نختلف في ذلك. لكن كيف يُعامَل على أنه مسلم؟ أو كيف يُصلَّى عليه؟ أو كيف يُزعَم أنه من أهل الجنة؟ هذا لا يصحُّ بحالٍ من الأحوال. بل اسمع، إنه لا يجوز أن يُقطَع لأحدٍ بعينه بأنه شهيد إلا إذا جاء الجزم بذلك في الدليل لذلك بوَّب الإمام البخاري رحمه الله بابًا عظيمًا: «بَابُ لَا يَقُولُ فُلَانٌ شَهِيدٌ» ما ينفعش أقول: فلان شهيد. هل أخبرني الرسول ﷺ بذلك؟ «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ» مسألة الإخلاص مسألةٌ قلبية وإنما نقول: نرجو لهم الشهادة نقول: هؤلاء الجنود الأبطال نرجو لهم الشهادة لكننا لا نستطيع الجزم بذلك لأننا حينما نجزم فإننا نقطع بأنهم من أهل الجنة والذين يُقطَع بأنهم من أهل الجنة ﴿أَنَّمَا﴾ هم مَن ثبتت لهم البشارة الذين بشَّرهم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، لذلك في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لما كان هناك رجل يقاتل القوم «لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ» تعجَّب الصحابة وقالوا: «مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ» هو أشجعنا.
فقال الرسول ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» أما إنه من أهل النار وما كان من الرجل إلا أن استعجل الموت حينما أُصيب بجرحٍ شديدٍ، فوضع ذُباب سيفه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه والرسول ﷺ قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ». فهذا ضابطٌ مهمٌّ ينبغي لنا أن نفهمه في معنى الشهادة في سبيل الله فنقول في حق جنودنا نرجو لهم الشهادة ونسأل الله أن يرزقنا وإياهم الشهادة في سبيله وحتى لا أطيل عليكم أقول.
اتساع مفهوم الشهادة في المبطون والغريق والاعتبار بالآيات الكونية
يا أيها الإخوة الكرام، من رحمة الله بنا ... فقالوا: يا رسول الله «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». فقال «صلى الله عليه وسلم» إن شهداء أمتي إذن لقليل إذًا الشهداء قليلون قالوا: فمَن يا رسول الله؟ واسمع ما قال: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» «وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» وهذا بإمكاني وبإمكانك، أن تخرج من بيتك في سبيل الله فإذا خرجت إلى وظيفتك فصحِّح نيتك خرجت إلى صلاتك، صحِّح نيتك خرجت إلى عملك، صحِّح نيتك قال عليه الصلاة والسلام ومن مات. في سبيل الله فهو شهيد، «وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ»، أي: مَن مات بمرض البطن. وقال، «وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ». وقال ﷺ «وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ» فنسأل الله الكريم من فضله والفرق بين هؤلاء وبين شهداء المعركة أن شهيد المعركة لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه على تفصيلاتٍ معروفةٍ في الفقه وأما المبطون والغريق فإنهما يُغسَّلان ويُصلَّى عليهما كما هو معلوم يا أيها الإخوة الكرام. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في سبيله أي عباد الله، هذه الأعاصير التي تجتاح بلادًا من حولنا. أما لنا فيها آية؟ ... فلا نأخذ منها العظة إلا من رحم الله وإعصارٌ يُصيب بلادًا ويجتاحها.
أما لنا في ذلك عِظة؟ والله قال ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾9 (الروم: 41) اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد الإسلام من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا في رخاء يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم مَن أراد لإسلامنا وأمننا وبلادنا الخير فوفِّقه وسدِّده، ومَن أراد بها السوء فاجعل مكره وكيده في نحره واجعل تدبيره عليه يا ذا الجلال والإكرام اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 140 ↩
- آية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 69 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 169-170 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 72 ↩
- آية: ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الروم 41 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)