الحج
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- فرضية الحج ومكانته كمدرسة إيمانية جامعة
- تحقيق التوحيد في التلبية ومدرسة الصبر في أداء المناسك
- التقوى زاد الحج وتقديم أداء الواجبات على النوافل والمستحبات
- مخالفة هدي الجاهلية في خطبة الوداع والتميز العقدي في المناسك
- اغتنام الأوقات بالذكر والدعاء وهدي النبي في عرفة والمشعر
- وحدة الأمة وتماسكها في الحج وفضائل يوم عرفة وساعة
التفريغ النصي الكامل للدرس
فرضية الحج ومكانته كمدرسة إيمانية جامعة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
«أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» محمد رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾3 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، إن الله جل وعلا قد أقام الإسلام على أركان عظيمة ودعائم كريمة، هذه الأركان بيَّنها الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله كما عند الشيخين وغيرهما «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (يُراجع التسجيل لمعرفة هل ذكر بقية الحديث) فالحج.
يا أيها الإخوة الكرام، أحد هذه الأركان العظيمة والدعائم المتينة التي قام عليها هذا الدين العظيم دين الإسلام جديرٌ بالمسلمين ألَّا يغفلوا عن تلك الأركان. بل عليهم أن يتعلموا منها. فإنَّ العبد حينما يقوم بها ﴿أَنَّمَا﴾ يقوم بأمرٍ عظيمٍ يستوجب منه أن يأخذ منه الدروس الكثيرة والعظات الجليلة. وقد قال الله سبحانه ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾4 (آل عمران: 97) إذا كان ربنا سبحانه وبحمده قد فرض علينا الصلاة وهي من الأمور التي يقوم بها الإنسان عن طريق بدنه وجهده وفُرضت علينا الزكاة والإنسان يبذلها بماله. فإنَّ الحج قد جمع بين الأمرين فالإنسان يبذل فيه ماله، وكذلك يبذل فيه ما تيسر من جهده وإذا كنا أو إذا كان كثير منا قد حرم من الحج من قبله أو كنا قد حُرمنا من الحج في هذا العام فلا أقل من أن نجني الثمار والعظات البليغة التي يجنيها حجاج بيت الله الحرام.
فإنَّ الحج مدرسة عظيمة يتربى فيها المسلمون فيستفيدون الفوائد العظيمة التي يسيرون عليها في حياتهم بعد رجوعهم إلى بلادهم فلا يَحرِمَنَّ واحدٌ منا نفسه من هذه الفوائد الجليلة. نسأل الله من فضله، يا أيها الإخوة الكرام، الحج يعلمنا كثيرًا نعم الحج يعلم المسلمين الكثير والكثير. لكن كثيرًا من الناس في غفلة عن ذلك من هذه الأمور العظيمة الجليلة التي يتعلَّمها المسلمون في هذه الشعيرة العظيمة شعيرة الحج تحقيق الإخلاص لله وتحقيق توحيد الله جل وعلا نعم.
فإنَّ الإهلال بالحج إهلالٌ بالتوحيد. ولذلك جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ» وهي التلبية المعروفة الشهيرة المحفوظة للقاصي والداني والصغير والكبير «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
تحقيق التوحيد في التلبية ومدرسة الصبر في أداء المناسك
إن المشركين كانوا حينما يُلبُّون يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك فجعلوا لله عز وجل شريكًا لكنهم يُقِرُّون بأن الله مالكُه فسبحان الله العظيم كيف يُشرَك بالله أو يُجعَل معه شريكٌ؟ وكيف يتوجه الناس بالعبادة إلى مَن يملك، ولا يملك فهل هذا صحيح فكان ﷺ إذا سمعهم يقولون أو إذا سمع من يردد هذا قائلًا: لبيك لا شريك لك، يقول: «قَدْ قَدْ» أي: قفوا عند هذا لا تزيدوا، ولا تقولوا إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك إذا كان الله يملكه ويملك ما يملكه فكيف تُصرَف العبادة لغير الله؟ وحده لا شريك له
فالحج يُعلِّم الناس توحيد الله الخالص «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ». «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ» لا شريك لك الحمد والنعمة له لا لأحد سواه والملك له لا لأحد سواه. وهذا من توحيد الربوبية، فإذا أيقن العبد أن الله ربه وأن الله عز وجل هو المنعم وحده وهو مالك الملك جل وعلا فلا ينبغي أن تُصرَف العبادة لغير الله عز وجل.
وقد قام الحج كله على هذا الأُسِّ العظيم والركن الكبير فحينما وقف النبي ﷺ على جبل الصفا كان ﷺ يقول «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثم يدعو الله دعاء طويلًا ثم يردد هذا الذكر صلوات الله وتسليماته عليه، وكذلك إذا أتى المروة «قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ» ﷺ إلا حينما أتاها في الشوط الأخير، فإنه ينصرف حينئذ صلوات الله وتسليماته عليه يعلمنا الحج أن الرب واحد وأن مالك الملك هو الله سبحانه، ومن ثم فهو المستحق للعبادة جل وعلا فلا يطاف بغير بيته ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾56 (الحج: 29) لا ينذر إلا له ولا يستغاث إلا به ولا يتوكل إلا عليه سبحانه جل وعلا هذا نتعلَّمه من هذا النسك العظيم نسك الحج كذلك.
يا أيها الإخوة الكرام، نتعلَّم من شعيرة الحج كذلك الصبر في أعلى صوره نعم نتعلم الصبر في أعلى الصور فحجاج بيت الله الحرام يصبرون على طاعة الله؛ نعم، طاعاتٌ متعددةٌ وأعمالٌ فيها صبرٌ على طاعة الله سبحانه يُلبُّون لله ويكثرون من التلبية، ومن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أن ترتفع الأصوات بالتلبية فلا تنقطع حركاتهم، ولا تنقطع كلماتهم كل ذلك يمتثلون أمر ربهم جل وعلا وكذلك صبرٌ عمَّا حرَّم الله فإنهم منذ أن أحرموا حُرِّمت عليهم أمورٌ ينبغي لهم أن يتَّقوها مما يُسمَّى بمحظورات الإحرام فالواحد منهم يتحرى كل التحري في أن يكون حجُّه صحيحًا، وأن يكون مقبولًا فيلبس ما سنَّه الرسول عليه الصلاة والسلام، ويمتنع عمَّا مُنع منه ولا يرفث، ولا يفسق، ولا يتكلَّم بلغوٍ أو عبث كل ذلك يبتغي به العبد وجه الله عز وجل وصبرٌ على ذلك الألم الذي يُصاب به الحجاج نتيجة الزحام صبر على ذلك وإن كانوا كبارَ السن قد طعنوا في السن يصبرون ويجاهدون أنفسهم كل ذلك ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، فليتعلم المسلمون من حجاج بيت الله الحرام الصبر على الأمور وليعلموا أن الشجاعة صبر الساعة الشجاعة صبر الساعة، ومَن تعوَّد الصبر وُفِّق له ومَن وُفِّق للصبر فقد وُفِّق للخير وكما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأعظم من الصبر أو كما قال ﷺ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» يتعلم المسلمون الصبر وهم في مناسكهم إذا جاءوا ليطوفوا ببيت الله الحرام وقبل أن ينزلوا إلى الطواف ينظر الناظر من على بعد فيقول: الله أكبر أأتمكَّن من الطواف في هذا الزحام؟ هل أستطيع أن أطوف في هذا الزحام الشديد وهذه المواكب الكبيرة؟؟ إنني لا أجد موضع قدم ثم إذا به ينزل من أجل أن يطوف وإذا به يجعل الحجر الأسود عن يساره ويبدأ في الطواف في الشوط الأول فيرى أنه لا يتمكن من التقدم.
بل ربما وجد أن الناس هم الذين يُقدِّمونه ويُحرِّكونه ولربما اصطدم بمن أمامه. فقال له اتق الله قال لا ذنب لي ﴿أَنَّمَا﴾ حُرِّكتُ، ولم أتحرَّك من تلقاء نفسي من شدة الزحام يبدأ في الطواف وربما ظن أنه لم يكمله ولو بعد ساعات وما هي إلا أوقات مباركة قد دعا فيها ربه واستغفره وناجاه وذكر فيها الملك الجليل سبحانه فإذا بطوافه بعد ذلك ينقضي على خير بفضل الله سبحانه إنه صبر فنال ما قصده وأراده كذلك في كل المشاهد، وفي كل شعائر الحج يتعلم المسلم الصبر بفضل الله سبحانه وتعالى، فكونوا من الصابرين عباد الله.
وقد قال ﷺ «والصبر ضياء» فالصبر يضيء للعبد الطريق ينير له السبيل فيصل إلى ما يريد بفضل الله جل وعلا عباد الله نتعلم كذلك من الحج تقوى الله سبحانه فإنَّ تقوى الله خير زاد في الحج وغيره. وقد قال سبحانه ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا﴾7 ﴿رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ في الحج ﴿وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟﴾ ﴿فَإِنَّ خَيْرَ﴾». الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب والناظر، يا أيها الإخوة الكرام، في آيات الحج في القرآن الكريم، وفي سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة الحج (تُراجع أسماء السور في التسجيل) وغيرها مما ذكر الله تبارك وتعالى فيها أمر الحج يجد أن لتقوى الله فيها الحظَّ الأوفر ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾8 (البقرة: 196).
التقوى زاد الحج وتقديم أداء الواجبات على النوافل والمستحبات
وقال ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾9 (البقرة: 203) يتزود حجاج بيت الله الحرام في حجهم بتقوى الله سبحانه وتعالى، وهي لزوم طاعة الله على نورٍ من الله، رجاءَ ثواب الله، وترك معصية الله على نورٍ من الله، خوفَ عقاب الله عز وجل في الحج يتعلم المسلم التقوى فيتقي ما حرم الله سبحانه وتعالى.
بل إن المفتين يتعجبون في مناسك الحج من أسئلة بعض الناس مما لا إشكال فيه ومما لا حرج فيه على الحجاج. لكن الحاج يسأل عنه خشية، أن يكون قد ارتكب محظورًا أو أن يكون قد وقع فيما يستوجب فدية ونحوها فيسأل السائل مثلًا إذا اتَّسخ إزاري أو ردائي فاحتجت إلى غسله هل يتسنَّى لي ذلك؟ وهل هذا حلالٌ لي؟
ويسأل الآخر سؤالًا إذا فعلت كذا أو فعلت كذا ويكون الجواب في كثيرٍ من الحالات افعل ولا حرج، افعل ولا حرج اللهم إلا ما كان فيه مخالفة لسنة الرسول ﷺ لكن كل واحد منهم يحترز ويخاف خوفًا شديدًا من أن يرتكب محظورًا. بل بعض الناس الذين لا يستغنون عن بعض المحرمات من شرب ونحوه يستغني عنها في هذا الوقت لما يخاف على إحرامه.
بل ترى بعضهم، وللأسف الشديد، حينما يحلُّ من إحرامه بعد رمي جمرة العقبة يرتكب بعض المحرمات لأنه يظن أن المجال قد فُتح له الله أكبر ما الذي جعلك تتَّقي هذه المحرَّمات؟ وما الذي جعلك تمتنع عن هذه المحظورات؟ إنها تقوى الله سبحانه وتعالى تتَّقي سخطه، وتخاف من عقابه، فتقف عند حدوده جل وعلا هكذا كُن دومًا، ما أحوجنا إلى تقوى الله في أمورنا! لو أن كل عبدٍ اتَّقى الله عز وجل لرأينا العجب العُجاب من بركات وخيرات تحل بأهل البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾10 (الأعراف: 96) فجدير بنا عباد الله، أن نتقي الله سبحانه وتعالى، ورضي الله عن ابن عمر حينما سأله رجلٌ من أهل العراق كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له عن دم البعوضة يقتله المُحرِم (تُراجع العبارة صوتيًّا).
فقال سبحان الله تقتلون ابن رسول الله يقصد الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما، سبط رسول الله ﷺ تقتلون ابن بنت رسول الله ﷺ وتسألون عن دم البعوضة؟ ما أقبح حال عبدٍ يتجرَّأ على محارم الله سبحانه وتعالى!، في الوقت الذي يزعم أنه يأتي ببعض المستحبات. انظر إلى حال كثير من الناس ربما ترى كثيرًا من الناس لا سيما في القرى يحافظون على الأضاحي.
وهذه سنة رسول الله ﷺ بين، أن الأضحية على قول جمهور الفقهاء سنة مؤكدة أو سنة وليست بواجبة. وهذا قول الجمهور استدلالًا بقوله عليه الصلاة والسلام، «إذا دخل العشر وأراد أحدكم، أن يضحي فلا يأخذن شيئًا من شعره، ولا من أظفاره.» فقال: «وأراد أحدكم»، فجعل الإرادة والمشيئة إليه. وهذا ينافي الإلزام الذي هو الوجوب فتراه يضحي، ولا يترك الأضحية في عام من الأعوام.
بل ربما اقترض من أجل ذلك ونحن لا نقلل أبدًا من شأن الأضحية فهي قُربة إلى الله ونُسُكٌ يتقرَّب به العباد إلى ربهم جل وعلا لكنك لست مأمورًا بأن تقترض من أجل ذلك. لكن العجيب أن تراه قاطعًا لرحمه آكلا لمال اليتيم إذا بك تراه مضيعًا للزكاة مفرطًا في حق عباد الله وهو الذي يزعم أنه يتقرب بالسنن وبالمستحبات إلى الله سبحانه وتعالى، لا، اتق المحرمات وأد الواجبات.
فهذا هو عنوان الصلاح ابتداءً أن تُؤدِّي ما أوجب الله عليك، وأن تتَّقي ما حرَّم الله عز وجل عليك ثم بعد ذلك إذا فعلت المستحبات فالحمد لله وإذا تركت المكروهات فالحمد لله وما تقرب كما في الحديث القدسي عند البخاري وغيره «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» نتعلم من الحج تقوى الله عز وجل خف من ربك فالله مُطَّلِعٌ عليك، لا تخفى عليه خافية يعلم سرك وجهرك يعلم حركاتك وسكناتك.
بل يعلم السر وأخفى يعلم ما يُكِنُّه ضميرُك فاتق الله وخف منه سبحانه وبحمده عباد الله كذلك نتعلم من نسك الحج، ومن شعيرة الحج أمرًا عظيمًا وهو اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في كل شيء وكذلك نبذ ما كان عليه أهل الجاهلية أو أهل الجاهلية. فإنَّ الإسلام يعلمنا ذلك وكذلك الحج يعلمنا ذلك. ولذلك لما وقف النبي ﷺ في خطبة الوداع في خطبته العصماء قال عليه الصلاة والسلام، كما في مسلم.
مخالفة هدي الجاهلية في خطبة الوداع والتميز العقدي في المناسك
«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم كما في لفظ عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا في بلدكم هذا ﴿إِلَّا﴾ كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع» ﴿إِلَّا﴾ كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذين ورب الجاهلية موضوع كله وإن أول ربا أضع من ربانا ربا عمي العباس ابن عبد المطلب إن الإسلام متميِّزٌ بعقيدته، وإن المسلم متميِّزٌ بعقيدته، لا يحتاج المسلم إلى أن يقتدي بغير هدي الإسلام، الإسلام يكفيه، ألم ينزل على النبي عليه الصلاة
والسلام، في يوم عرفة قول الله ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ11 لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾12 (المائدة: 3). وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له وغيره لو أُنزلت علينا هذه الآية، معشرَ اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. فقال عمر رضي الله عنه قد عرفنا المكان الذي نزلت فيه والزمان الذي نزلت فيه نزلت على النبي ﷺ يوم الجمعة وهو واقفٌ بعرفة، في مثل هذا اليوم.
نسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا فضله فانظروا رحمكم الله ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ فليس بعد الكمال إلا النقصان لا نحتاج إلى أن نقتدي بغرب أو شرق ﴿أَنَّمَا﴾ عندنا ديننا ديننا يعصمنا ويحفظنا ويسددنا بفضل الله سبحانه وتعالى، جديرٌ بنا أن نستمسك بهذا الدين وألَّا نشذَّ عنه وألَّا نترك شيئًا منه، كبيرًا كان أم صغيرًا وكل ما في الدين عظيم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾13 (البقرة: 208).
وقد أثبت ﷺ ذلك عمليًا وقام به عمليًا حتى يتعلم الناس منه أن الاتباع في اتباع شرعه لا في اتِّباع ما كان عليه أهل الجاهلية فقد كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يَعُدُّون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور كانوا يرون أن مَن يعتمر في أشهر الحج، وهي من الأشهر الحرم قد ارتكب منكرًا عظيمًا لذلك أهلَّ أصحاب النبي ﷺ بالحج، ولم يهلوا بعمرة فأمرهم ﷺ أن يجعلوا حجَّهم عمرةً لمن لم يَسُق الهدي، وأن يتحلَّلوا ثم يُهِلُّوا بالحج، أي: أن يجمعوا بين النسكين بأن يعتمروا أولًا ثم بعد ذلك يهلون بالحج في اليوم الثامن يوم التروية.
فقالوا: يا رسول الله، كيف ذلك؟ أيُّ حلٍّ هو؟ أتريد منا أن نحلَّ، فنتمكَّن من نسائنا؟. وهذا كانوا يرونه من أفجر الفجور. فقال الرسول ﷺ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» أي: لكم، أن تفعلوا كل شيء حلال حتى النساء لا حرج عليكم ولا تثريب. وقد كانوا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يمتنعون عن ذلك.
لكن الرسول ﷺ أمرهم بذلك. وقال ﷺ: «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَحَلقتُ أو لتمتعت أو لجعلتها متعة» صلى الله عليه وآله وسلم كل ذلك ليخالف ما عليه أهل الشرك وليعلم المسلمون أنهم متميزون بعقيدتهم لا يحتاجون إلى أن يكونوا أتباعًا لغيرهم. بل هم المتبوعون ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾14 (آل عمران: 110)، وكذلك لما كان ﷺ بمزدلفة وصلى بها الفجر يوم العيد يوم الحج الأكبر في اليوم العاشر ثم وقف ﷺ ودعا الله عند المشعر الحرام حتى أسفر الصبح جدًّا ثم انصرف ﷺ ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تطلع الشمس.
وقد كان المشركون يمتنعون عن ذلك ولا ينفرون، ولا يتَّجهون إلى مِنًى إلا بعد طلوع الشمس. لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تحرك صلوات الله وتسليماته عليه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تطلع الشمس ردًّا على صنيع المشركين الذين كانوا يقولون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾: «أَشْرِقْ ثَبِيرُ، كَيْمَا نُغِيرُ» يقولون للجبل: أَشرِقْ حتى نتمكَّن من الانصراف فانصرف الرسول ﷺ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ﴾ ليتميَّز المسلمون عن غيرهم، وكذلك كانت قريشٌ ومَن نحوها من الحُمْس لا يقفون إلا في الحرم، عند المشعر الحرام فلا يتجاوزون مزدلفة إلى عرفة يرون أنهم أفضل من غيرهم فالناس يقفون في عرفة وعرفة من الحِلِّ. وأما قريش والحمس ﴿أَنَّمَا﴾ يقفون بمزدلفة فلما اتجه النبي ﷺ عليه وآله وسلم وبلغ مزدلفة في طريقه من مِنًى إلى عرفة ظن الناس أنه سيقف في مزدلفة ويُقيم بها لكنه تجاوزها إلى عرفة في مثل هذا اليوم.
وذلك ليخالف ما عليه أهل الشرك ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾15 (البقرة: 199) كل ذلك نتعلَّمه من هذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الحج فتمسكوا بدينكم قد حذرنا النبي ﷺ فقال «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَتَبِعْتُمُوهُمْ» قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فَمَنْ؟» فاتقوا الله ربكم واتبعوا سنة نبيكم محمد صلوات الله وتسليماته عليه عباد الله نتعلم من الحج كذلك تعمير الوقت بطاعة الله سبحانه وتعالى، كثيرٌ منا يُضيِّع وقته دون أن يشعر بقيمة الوقت تمر به الدقائق.
بل الساعات، بل الأيام، بل الأعوام. وقد قال عليه الصلاة والسلام، كما ورد في بعض طرق الحديث، وذكر البخاري روايةً أخرى له «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ في الشتاء كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» لكن الناس الذين تنسَّكوا وتعبَّدوا لله وقاموا بشعيرة الحج يستشعرون عظمة الوقت فكلُّ وقتٍ له قيمته عرفة لها وقتٌ تبدأ فيه ووقتٌ تنتهي فيه ومزدلفة لها وقتٌ تبدأ فيه ووقتٌ تنتهي فيه والمبيت بمِنًى له وقته كلُّ عملٍ من أعمال الحج، في الجملة، له وقته الخاص فعليكم أن تَعمُروا أوقاتكم بطاعة الله سبحانه وتعالى، فحينئذ تشعر بقيمة وقتك إذا طلع الفجر فلا تَغِبْ عنك صلاة الفجر إذا جاء الليل فلا يَغِبْ عنك قيام الليل إذا جاء النهار في بدايته فلا تَغِبْ عنك صلاة الضحى إذا جاء وقت الصلاة فلا يَغِبْ عنك أداء الصلاة وإذا علمتَ بمرض مريضٍ (تُراجع بداية العبارة في التسجيل) فأين عيادة المريض وأين صلة الأرحام؟ وأين ذكر الله؟ وأين الاستغفار؟ عَمِّرْ وقتك بطاعة الله.
اغتنام الأوقات بالذكر والدعاء وهدي النبي في عرفة والمشعر
نسأل الله الكريم من فضله أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، من هذه الدروس العظيمة التي نتعلَّمها من الحج معرفةُ قيمة الذكر والدعاء نعم كثير من الناس يغفلون عن هاتين العبادتين العظيمتين مع أنَّ لهما ثوابًا كبيرًا وأجرًا عظيمًا. وقد قال ﷺ كما عند أحمد وغيره «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ» وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا «بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ»، قال: «ذكر الله» عز وجل فالحجاج يُكثِرون من ذكر الله. وقد قال سبحانه ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ16 أَشَدَّ ذِكْرًا﴾17 (البقرة: 200) قد كانوا يفتخرون بمآثر الآباء والأجداد أبونا فعل، وجدُّنا فعل، وقبيلتنا فعلت لا ﴿أَنَّمَا﴾ نعتزُّ، وإنما يرتفع قدرنا إذا ذكرنا الله ربنا.
فإنَّ مَن ذكر الله ذكره الله وما أجلَّها من نعمة! وما أعظمَه من فضل! ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾18 (البقرة: 152) يتعلم المسلمون في هذا النسك العظيم كثرة ذكر الله سبحانه وتعالى. وقد علمنا الله الذكر حتى في الجهاد لأن ذكر الله مُثبِّتٌ للفؤاد لأن ذكر الله مُقَوٍّ للقلب، مُقَوٍّ للجسد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾19 (الأنفال: 45) فيذكر العبد ربه ويكثر من ذلك في كل وقتٍ وفي كل آن ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾.
نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه وكذلك الدعاء، والتضرُّع إلى الله به بعض الناس لا يتذكَّر الدعاء إلا إذا وقع في مصيبة. نسأل الله السلامة مع أنَّ الدعاء ذاته عبادة. بل قد قال عليه الصلاة والسلام: «الدُّعَاءُ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ الْعِبَادَةُ». وقال الله. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾20 (غافر: 60) وقف النبي ﷺ عند الصفا فدعا دعاءً طويلًا ووقف عند المروة فدعا دعاءً طويلًا، وبعدما رمى الجمرة الصغرى والوسطى كان يدعو دعاء طويلًا قدرَ قراءة سورة البقرة كما جاء في بعض الروايات كان ﷺ يُكثِر من الدعاء وفي يوم عرفة يجمع الحجاج صلاتَي الظهر ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾، حتى يتفرَّغوا للدعاء إلى أن يغيب قرص الشمس تمامًا ويظهر الليل كل ذلك يستغرقونه في الدعاء والتضرُّع إلى الله عز وجل ولما سقط زمام ناقة النبي ﷺ وهو رافع يديه يدعو ربه ظلَّ ﷺ رافعًا يده اليمنى وأخذ زمام ناقته بيده الأخرى (تُراجع اليد المذكورة في التسجيل) دون أن يضع يده صلى الله عليه وآله وسلم ليستمرَّ رافعًا يده في الدعاء إلى أن تغرب الشمس صلوات الله وتسليماته عليه بعض الناس إذا قام ليدعو الله أو جلس ليدعو الله سبحانه يدعو بدعوتين أو بثلاثة ثم ينقطع ثم تتقاصر همَّته مع أنَّ الدعاء عبادةٌ عظيمةٌ تُورِث العبد الانكسار لله سبحانه والافتقار إليه عز وجل.
وهذا باب عظيم يفتحه الله لمن شاء من عباده. تُراجع العبارة والحديث في التسجيل؛ فلفظه وإسناده غير محسومين من التفريغ فإذا أردت أن تجتهد في الدعاء، فأكثر من قول: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» كذلك عباد الله يتعلم المسلمون من الحج أنهم أمة واحدة.
﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾21 (الأنبياء: 92) يتعلمون قيمة التعاون وقيمة الاتحاد فالاتحاد قوة، ويعلم المسلمون حينئذٍ أن الذي وحَّدهم والذي جمع صفوفهم هو توحيد الله عز وجل فكلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة إذا أردنا للأمة أن تتَّحد وأن تتَّفق، فعليها أن تقتفي أثر النبي ﷺ وأن تتَّبع الصراط المستقيم، وأن تلزم دين الله القويم لذلك ذكَّر النبي الكريم ﷺ أمته في هذا المقام العظيم بالتمسُّك بكتاب الله تبارك وتعالى؛ فإنَّ تمسَّكوا به لن يضلُّوا أبدًا.
وحدة الأمة وتماسكها في الحج وفضائل يوم عرفة وساعة
إن تمسكوا به لن يضلوا أبدًا. نسأل الله أن يحفظنا بحبه فالأمة تكون متماسكةً وقويةً حينما يكون منهجها واحدًا تسير على منهج واحد في قولها، وفي عملها. أما في قولها فهم يُلبُّون قائلين «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» وعند رمي جمرة العقبة تنتهي هذه التلبية فينقطع الجميع عن ذلك فبدؤوا معًا وانتهوا معًا بفضل الله سبحانه وتعالى، كذلك يخرجون إلى عرفة في وقت واحد وينصرفون في وقت واحد فلا نُقلِّل من شأن الظاهر، كما لا نُقلِّل من شأن الباطن صحيح أنَّ صلاح البدن راجع إلى صلاح القلب «﴿إِلَّا﴾ وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» يوم العرض الأكبر نتذكر به مشاهد الآخرة والناس بهذه الأردية والأُزُر لا فرق بين كبيرٍ وصغير، وأميرٍ ومأمور لا فرق بين عربي وعجمي وأحمر وأسود الكل في ذلك سواء نتذكَّر بذلك المشهدَ الأعظم، مشهد يوم القيامة فلنتذكَّره دومًا، عباد الله، ولنعلم أننا موقوفون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وأن الله سائلُنا عن أعمالنا قال ﷺ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ» فتذكروا هذا الموقف المهيب بهذا المشهد العظيم الذي ترونه لحجاج بيت الله الحرام كذلك نتعلم من الحج أن الأكرم عند الله الأتقى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) فالكبير والصغير يُلبِّيان بتلبيةٍ واحدة والأحمر والأسود والعربي والعجمي يفعلان فعلًا واحدًا المقصود تقوى الله.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣). إن الله عليم خبير عباد الله الحج يُعلِّمنا كثيرًا، ويُعلِّمنا الكثير لا أريد أن أطيل عليكم. لكن علينا، يا أيها الإخوة الكرام، أن نغتنم هذه الغنيمة وأن نتعلم تلك الدروس وإن كنا قد حرمنا من الوقوف بعرفة في هذا اليوم فقد شرع لنا نبينا ﷺ الصوم فيه وكذلك، أن نجتهد في الدعاء.
وقد اجتمع خيران: خيرُ يوم الجمعة، وفيه ساعة إجابة، وخيرُ يوم عرفة وكله وقت إجابة. وقد قال النبي «صلى الله عليه وسلم»: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها، أنت خيرُ مَن زكَّاها «وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا» ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منَّا اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم حرِّم أجسادنا على النار اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة اللهم أصلح ولاة أمرنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 97 ↩
- آية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 29 ↩
- آية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا۟ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 29 ↩
- آية: ﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 197 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 196 ↩
- آية: ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 203 ↩
- آية: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 96 ↩
- آية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 3 ↩
- آية: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 3 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 208 ↩
- آية: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 110 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 199 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 200 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 200 ↩
- آية: ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 152 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 45 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 60 ↩
- آية: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 92 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)