الإتقان طريق الإحسان
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- الابتلاء بحسن العمل وحقيقة الإتقان في الدين والدنيا
- إتقان صنع الله ودلالة كتب الإحسان والمراقبة في حديث
- مظاهر الإتقان والإحسان في العبادات من الطهارة إلى الحج
- تربية الصحابة على الإتقان واعتبار السعي الحلال في سبيل
- أزمة ضعف الإتقان ومفاسد الغش وبركة الكسب الحلال القليل
- الإحسان في تجهيز الميت والحث على العمل وغرس الفسيلة
التفريغ النصي الكامل للدرس
الابتلاء بحسن العمل وحقيقة الإتقان في الدين والدنيا
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾4 (النساء: 1) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 70). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، الإتقان طريق الإحسان والإحسان سبيل. جعلنا الله من أهل الجنة بمنه وكرمه، إن رب العزة سبحانه وبحمده قد بيَّن لنا في محكم التنزيل أنه خلقنا لحكمة، وأن من مقاصد خلقنا ابتلاءَنا ليعلم أيُّنا أحسن عملًا.
فقال الله عز وجل ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾6 (الكهف: 7). وقال ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾7 (الملك: 2) وإن من حُسن العمل إتقانه فمن أتقنه فقد أحسنه، ومن لم يتقنه فقد أساء فيه سواء أكان هذا العمل عملًا دينيًّا يتعلق بدين العبد، أم كان عملًا دنيويًّا يتعلق بصلاح دنيا العبد ليتوصل بعمله في الدنيا إلى ثواب الآخرة.
إتقان صنع الله ودلالة كتب الإحسان والمراقبة في حديث
جعلنا الله من الموفقين المسددين، يا أيها الإخوة الكرام، إن ديننا هو دين الإتقان والإحسان في أعلى صوره ومراتبه وإن من تأمَّل القرآن والسنة وجد في ذلك الخير الكثير والفضل الكبير، ولِمَ لا ونحن صُنْعُ الله، والشرع شرعه؟ والله جل وعلا قد قال عن خلقه ﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ8 ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ (النمل: 88) ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ فتبارك الله جل وعلا، فخلقه وحُكمه مُتقَنان.
وهذا أحد معاني اسمه الحكيم. فإنَّ اسم الله الحكيم له معانٍ، ومن معانيه أنه المتقن في تقديره، وفي خلقه وفي شرعه سبحانه جل وعلا وكذلك فالله عز وجل هو المُحسن، فهو المتقن، ويُحسن إلى خلقه سبحانه عز وجل وأمر العباد بالإحسان ودعاهم إليه. وقال الرسول الكريم ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»
انظروا، رعاكم الله جل وعلا كيف ضرب النبي الكريم صلوات ربي وتسليماته عليه المثل للإحسان بالذبح والقتل مع أنهما مظنَّة لترك الإحسان والإتقان فإذا وقع الإحسان في قتل وذبح فكيف بغير ذلك وما ذلك إلا لأنَّ ديننا دين الإحسان، ولما علم الرسول ﷺ الأمة في حديث جبريل المشهور حينما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، بيَّن أن الإحسان أعلى مراتب الدين كما قال أكثر أهل العلم.
وقال الإحسان، «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». ولذلك قرر علماؤنا أن الإحسان معناه: الإتقان ومعناه: مراقبة الله جل وعلا ولا اختلاف، ولا تناقض. فإنَّ من راقب الله أحسن في عمله فحتى إن ضاع أجره عند الناس في الدنيا أو ظُلم، فإنه لن يُظلم في الآخرة لأنَّ الله قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾9 (الكهف: 30) وإذا قال الله ذلك فهو أصدق القائلين، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾10 (النساء: 122)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾11 (النساء: 87) لا أحد.
يا أيها الإخوة الكرام، نحن بحاجة إلى أن نعلِّم أبناءنا الإتقان في مذاكرتهم وتعلُّمهم، وفي أمور دينهم ودنياهم وهل يضيع الشباب، وهل يضيع جيل، وهل تضيع أمة إلا حينما يذهب الإتقان من أبنائها؟ وحين يكون الإتقان فاشيًا وسائدًا ومنتشرًا فإنها السعادة في الدنيا، ثم يكونون في الآخرة من السعداء بمنِّه وكرمه لذا قال الله جل وعلا: أمرًا ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾12 (البق
مظاهر الإتقان والإحسان في العبادات من الطهارة إلى الحج
رة: 195) ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟﴾، يأمرنا بالإحسان، ومن طرقه.
بل من أجلِّ طرقه الإتقان في الأمور كلها لذلك إذا صلَّينا أتقنَّا صلاتنا شُرع الأذان وشُرع الوضوء وما إلى ذلك وشُرع للمسلمين أن يأتوا مساجدهم وأن يصلوا في مساجدهم وأن يتسوَّكوا عند وضوئهم وقبل صلاتهم وأن يقفوا في صفوف متراصَّة مستقيمة كل ذلك ليستعدُّوا لهذا العمل الجليل والوقوف بين يدي الرب العظيم سبحانه وتعالى، كل ذلك لتكون الصلاة متقنة ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾13 (المؤمنون: 1-2) ولا يقتصر الإحسان على الصلاة فحسب وإنما يكون أيضًا في الوضوء الذي هو وسيلة إلى الصلاة بحيث إن الوضوء صار وسيلة وغاية فهو في نفسه غاية لأنه عبادة وهو وسيلة إلى عبادة أعظم وهي عبادة الصلاة وجاء عنه عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ» تأمَّل: من توضَّأ فأحسن وضوءه هذا هو الشاهد فأحسن وضوءه، أي: أتقن الوضوء خرجت الذنوب من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره وما ذلك إلا لأنه قد اتقن الوضوء كما علمنا الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وفي باب الصدقات وفي باب الإنفاق قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾14 (البقرة: 267) يعلِّمنا الله أننا إذا تصدَّقنا أحسنَّا وأتقنَّا في نفقاتنا وصدقاتنا، وكذلك إذا صمنا، فقد علَّمنا الرسول الكريم ﷺ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» لأنَّ الصيام الحقيقي يمنح العبد عبادة التقوى وما أجلَّها!.
جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه كذلك في الحج ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾15 (البقرة: 197). وقال ﷺ كما في الصحيحين: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» هكذا يعلِّمنا الرسول الكريم ﷺ الإتقان في العبادة والإحسان فيها إتقان في التقرب إلى الله حينما ندعو الله أمرنا الرسول ﷺ أن ندعو الله «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» لأنَّ هذا من إتقان الدعاء أن تُتقن دعاءك وأن تُخلص فيه وأنت تعلم أن الله ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ شيئًا ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82) إتقان في العبادة أيضًا إتقان في المعاملات «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». علَّمنا ذلك رسولنا ﷺ، وعلَّم الأمة أن تكون متقنة في تعلُّمها وأن تجيد العلم والعمل وأنزل الله على رسوله أول ما أنزل ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾16 ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ﴾ ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ علم الإنسان ما لم يعلم (العلق: 1-5) لذا لو أنَّ أحدنا أراد أن يتكلم عن جيل متقن من جيل الصحابة فلا يدري بمن يبدأ وبمن يختم اللهم إلا إذا قدم العشرة المبشرين مثلًا لفضلهم، ولما ورد في شأنهم وإلا.
تربية الصحابة على الإتقان واعتبار السعي الحلال في سبيل
فإنَّ المجال رحب ومفتوح بفضل الله جل وعلا ولو نظر أحدنا إلى الشباب فعن أي شاب يتحدث، وأي شاب يترك؟ أيتحدث عن معاذ بن جبل، أم يتحدث عن مصعب بن عمير، أم يتحدث عن أسامة بن زيد؟ أم يتحدث عن الأرقم بن أبي الأرقم؟ عمَّن يتحدث وعمَّن يترك؟ جيل فريد تربَّى على الإتقان علَّمهم إياه رسولنا عليه الصلاة والسلام، كلٌّ مسؤول عن مسؤولياته وتخصُّصه، كبيرًا كان أو صغيرًا والمطلوب منه أن يتقن المسؤولية التي جعله الله فيها وكلف بها فالطالب الصغير مسؤول عن مذاكرته فالمطلوب منه أن يتقن في مذاكرته فإذا وقع منه في تعلُّمه تقصير، وفي طلبه إهمال، فليس بمتقن حينئذ وربة المنزل مسؤولة عن بيتها وعن تلك الصنعة، فلا ينبغي أن تكون مفرِّطة في ذلك وكذلك الأب الذي يسعى لإعفاف نفسه وإعفاف أولاده بالكسب الحلال فإذا أتقن عمله فهو على خير كثير ونبيكم محمد صلوات ربي وتسليماته عليه في حديث كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه عند الطبراني وغيره حينما مرَّ رجل على الرسول الأكرم ﷺ، فرأى بعض الصحابة من جَلَده ونشاطه ما أعجبهم.
فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله!. وهذه الشجاعة لو كانت في سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «أن كان خرجا يسعى أن كان خرجا يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله وان خرج يسعى على ابوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله وانكه فهو في سبيل الله وان كان خرج مفاخره ورياء فهو في سبيل الشيطان فأتقِن، أكان الناتج قليلًا أم كثيرًا لأن ما يفوت الإنسان هنا لا يفوته ثوابه في الآخرة لأن الله لا يضيع أجر المحسنين أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
أزمة ضعف الإتقان ومفاسد الغش وبركة الكسب الحلال القليل
فيا عباد الله، ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أحدنا أن يتبيَّن أن جانبًا كبيرًا من أزمة أمتنا يتمثل في ضعف الإتقان. ومن ذلك ضعف مراقبتها لربها فلينظر إلى أي باب من الأبواب والدنيا مفتوحة ومجالات الأمة رحبة ومجالات عمل الناس كثيرة. انظر إلى أي: عمل أنت حينما تستدعي شخصًا ليعمل في بيتك، إذا أتقن عمله استمر أثر هذا العمل طويلًا وإذا لم يتقن احتجت إلى أن تُغيِّر ما وضعه وما ذلك إلا لضعف إتقانه وما ذلك إلا لقلة مراقبته لربه.
انظر إلى التاجر إذا غش في تجارته، ماذا تكون النتيجة؟ قد تنتشر الأوبئة والأمراض، إلى غير ذلك من الأضرار. انظروا إلى الزراعة وقلة إتقانها وإلى الصناعة وما إلى ذلك الشخص الذي يسعى من أجل أن يربح كثيرًا ولو كان على حساب أي أحد. فإنَّ هذا ينافي الإتقان كلًّا وجزءًا. وأما من راقب الله في نفسه فليعلم، أن الله يبارك له في القليل وكم من قليل كفى، وكم من كثير لم يكفِ كم من قليل صار العبد به غنيًّا وعفيفًا، فبورك له في صحته وبورك له في زوجه وبورك له في أولاده واستغنى عمَّن سواه عز وجل، وكان له الذكر الحسن إنه وللأسف الشديد صار كثير من الناس في هذه الأيام يتركون الحقائق إلى المظاهر حتى في التعليم فصار الحديث عن الجودة في كل مجال، وليس في التعليم فقط.
الإحسان في تجهيز الميت والحث على العمل وغرس الفسيلة
بل في كل المجالات والاسم طيب، لكن كثيرًا من الناس في الواقع يفرِّطون فيه ولا يفعلون ما أراده ربنا وما شرعه وبيَّنه نبينا ﷺ أن ﷺ قال كما في مسلم من حديث جابر «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» هذا في الكفن الذي سيأكله التراب. ومع ذلك يأمرنا بإحسان الكفن، ولما أمر ﷺ بإحسان الكفن والدفن، ونظر إليه الصحابة قال ﷺ كما عند البيهقي في شعب الإيمان أما أن هذا لا ينفع المَيِّت ولا يضره ولكن الله يحب من العامل إذا عمل عملًا أن يحسنا وجاء أيضًا في رواية عائشة وفيها بعض كلام ربما حسن بهذا الطريق أن الله يحب إذًا عمل أحدكم فعلًا أن يتقنه وقف كثيرة مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله يحب من العامل إذًا عم ينتفع به كن.
كذلك. ولذلك علمنا الرسول ﷺ «إن قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» فلمن يغرسها، ومَنْ الذي يحصدها، ومن الذي يأكلها لكنه تعليم الأمة الهمة وأنه بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى وأن من عمل أجر ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾17 (الزلزلة: 7-8) لما قال المعلم هذا جيل فاشل وجل ضعيف، ولن يستفيدوا وهم يعتمدون على الدروس لم يشرح إلا ستًّا ذ بدعوه إنهم في غنى عن ذلك ولما قال الطلاب لسنا في حاجة إلى المدرس فإنَّه لن يخلص في عمله ويريد أن يجبرنا على الدروس فإنَّهم لم يستمعوا إلى المعلم، ولما قال التاجر كذلك، ولما قال صانع كذلك والكل رمى على كل إلا من رحم الله جل وعلا عليك بنفسك والله سيحاسبه، ولن يحاسبك غيرك، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾18 (الإسراء: 15)، ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾19 (الإسراء: 14) فدعي المفرطين ود عم وكن متقنًا لترتشي لا تكن ربا لا تطلب محرَّمًا اخلص في عملك واتقنه وسلي الله المدد والعون والتوفيق اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى نسألك موجبات رحمتك وعزائنا مغفرتك والعزيمة على الرشد والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بِرٍّ، والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم اقينا الفتنة مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعلنا من المحسنين اللهم إنَّا نعوذ بك، أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 7 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 2 ↩
- آية: ﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 88 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الكهف 30 ↩
- آية: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 122 ↩
- آية: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 87 ↩
- آية: ﴿وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 195 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 1-2 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 267 ↩
- آية: ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 197 ↩
- آية: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ — كما ورد في الدرس: العلق 1-5 ↩
- آية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: الزلزلة 7-8 ↩
- آية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِۦ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 15 ↩
- آية: ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 14 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)