استجيبوا لربكم
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- السؤال الأكبر يوم القيامة عن إجابة الرسل وشعار سمعنا
- انقسام الناس بين أحياء مستجيبين وموتى معرضين وهول اليوم
- موانع الاستجابة في اتباع الهوى وأمراض القلوب وسوء الظن
- سرعة استجابة الصحابة: إنفاق أبي طلحة لبستان بيرحاء وإراقة
- استجابة أصحاب أحد في الخروج لحمراء الأسد برغم الجراح
- عتاب النبي لأبي سعيد بن المعلى بالصلاة وحياة القلوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
السؤال الأكبر يوم القيامة عن إجابة الرسل وشعار سمعنا
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة يا أيها الإخوة الكرام قال الله جل وعلا في محكم التنزيل: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾5 (الشورى: 47، البقرة: 186) ما أعظم الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى، ومن الاستجابة لامره الاستجابة لأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن استجاب لله ولرسوله ﷺ جعله الله من الراشدين فمن راما الرشد والهداية فعلية أن يكون أسرع استجابة قال الله سبحانه ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾6 (الشورى: 47، البقرة: 186) فمن استجاب لله وآمن بالله جعله الله عز وجل من الراشدين.
نسأل الله أن يجعلنا من الراشدين بمنه وكرمه، يا أيها الإخوة الكرام أن من أعظم الأسئلة وأجلِّها أعني من أعظم الأسئلة التي توجه للعباد يوم القيامة السؤال عن الاستجابة لرسل الله وانبيّائه، إن الله سبحانه قد قال ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾7 (القصص: 65، المائدة: 109) ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ هل أجبتم المرسلين واستمعتم لدعوتهم فآمنتم بالله ورسله واطعتم الله ورسله هكذا يأمرنا ويدعونا ربنا سبحانه وبحمده.
وقال الله جل وعلا: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم يجمع﴾ (القصص: 65، المائدة: 109) الله جل وعلا الرسل يوم القيامة فيسألهم ماذا أجبتم هل اج لكم قومكم هل أجابكم أقوامكم هل استجابوا لدعوتكم فما أجمل أن يكون العبد مستجيبًا لله في أموره كلها أن يعلن هذا الشعار العظيم الجليل «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.»
انقسام الناس بين أحياء مستجيبين وموتى معرضين وهول اليوم
يا أيها الإخوة الكرام أن الناس في الدنيا على قسمين: قسم مستجيب لله ولرسول الله ومصطفى ﷺ وقسم غير مستجيب والذي يستجيب على التحقيق هو الحي والذي لا يستجيب فهو في مواد وإن كان يعيش في الدنيا في متاع قال الله سبحانه ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (الأنعام: 36) فاسمع يا رعاك الله كيف أن الله جل ذكره قد قسم الناس إلى القسمين.
فقال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ فالذي يستجيب لدعاء الله، ولمناد الله ولدًاعي الله هم الذين يسمعون. والمراد بالسماع هنا سماع الاعتبار وسماع الانتفاع فهم يسمعون ويقبلون وينتفعون. ثم قال والموتى يبعثهم الله كان المتوقع أن تأتي الآية هكذا ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ والمعرضون. لكن الله لم يقل والمعرضون ﴿أَنَّمَا﴾ قال والموتى يبعثهم الله والمعنى أن من أعرض عن استجابة فهو مَيِّت فليصنع في الدنيا ما يشاء.
فإنَّ الله سيبعثه وسيقف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ليسأله ماذا أجبتم المرسلين. وهذا ما قرره الله في قوله في الآية التي استفتحت بها ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن﴾ ﴿يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم﴾ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّكِيرٍ إذا جاء هذا اليوم وهو يوم القيامة فلا مرد له من الله لا يستطيع أحد أن يرده لا يستطيع أحد أن يدفعه لا يستطيع أحد أن يؤخره لأنَّ الله قد قضى به سبحانه وبحمده ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ إلى أي: شيء ستلجا لن تجد في المال ملجأه، ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ في المنصب ملجأ، ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ في الدنيا كلها ملجا ﴿أَنَّمَا﴾ يلجأ كل عبد إلى عمله الصالح بعد الإيمان بالله فذاك هو الذي ينفعه والباقيات الصالحات ﴿عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مرده ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَـٰعَةٌ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ ملجا له من الله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ ليس هناك أحد يقدر على منع هذا اليوم أو دفع هذا اليوم أو لا تستطيعون تغيير ما قد فعلتم في الدنيا.
فإنَّ الصحائف قد سجلت وأن الأعمال قد دونت وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ ﴿فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ﴾ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة، ولا كبيرة إلا أحصاها وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وقال بعض المفسّرين، أن معنى قوله سبحانه وتعالى، ﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ أي: ليس هناك مجال أن تتنكروا من أفعالكم التي عملتموها في الدنيا فإذا طلب أحدكم العودة إلى الدنيا ليكون من المستجيبين فيقال له: قد فات الأوان.
وقد قال الله عز وجل ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ﴾: الذين ظلموا يقولون لماذا هذا ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ﴾ ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوٓا۟ أَقْسَمْتُم﴾ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَبْلُ مَا لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ زَوَالٍ ها أنت في الحياة بإمكانك، أن تجيب داعي الله عز وجل. ولذلك لما سمع الجن قراءة رسول الله محمد ﷺ للقران الكريم وعرفوا صدقه وأنه قرآن عجب وأنه لا يصدر من بشر وإنَّما هو كلام رب قومه يا ﴿يَـٰقَوْمَنَآ﴾ أجيبوا داعي الله ﴿يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾8 (إبراهيم: 44، الأحقاف: 31) ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾.
موانع الاستجابة في اتباع الهوى وأمراض القلوب وسوء الظن
يا أيها الإخوة الكرام أن الذي يترك الاستجابة لتعاليم الله وأوامره. فإنَّ الذي دعاه إلى ذلك ودفعة عدة أسباب منها ات باع فلديه هوى هذا الهوى هو الذي يحركه وليس الذي يحركه طاعة الله ورسوله الله عز وجل مقسمًا الناس أيضًا قال. ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ﴾ أهواء هم تجيب لك فإنَّما يتبعون أهواءهم إذًا.
أما الهوى نعوذ بالله من اتباع الهوى فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾، يا أيها الإخوة الكرام، أما أن يستتيه حرًا لأنه خرج عن الرق للمخلوقين وتوجه للتعب العالمين، ومن عبد الله حقًا فهو الحر صدقًا، ومن عبد الله حقًا فهو يحيي أنه تحرر، ومن الذلة والانكسار لغير الله. وذلك بافتقاره لله جل وعلا وكذلك، يا أيها الإخوة الكرام، فإنَّ للإعراض وترك الاستجابة أسبابًا بين الله جل وعلا طرفًا منها في قوله في سورة النور ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ﴾ ويعرضون وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إليهم مذعنين ﴿أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ﴾ ﴿ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ﴾.
بل أولئك هم الظالمون، وفي قلوبهم مرض فصاحب القلب المريض هو الذي يعرض عن الاستجابة لأمر الله أو هو الذي يتقاعس ويتكاسل وعمل يا ربي أجيبك لا اتردد في أجابته ﴿أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ﴾ يرتأبوا لديهم شك كل عبد في أن الله عز وجل عنده دار أخرى هي أعظم من الدنيا ايشك العبد في ثواب الله وفون، ﴿أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ﴾ لما لا يستجيب لتعاليم الشرع ايا.
وقال له أعطى الحقوق أو أن هذا حلال أو أن هذا حرام أو أن هذه المعاملة تحرم. وهذه المعاملة أو أظن، أن الشرع يجور عليه أو أنك هم الظالمون لذلك كان أصحاب النبي الأمين صلوات الله وتسليماته عليه ورضي الله عنهم أجمعين أسرع الناس استجابة إلى ما جاء في كتاب الله وإلى ما سمعوا من الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كانوا أسرع الناس في الاجتناب وإذا امروا بشيء أو دعوا إلى شيء كانوا أكثر الناس إسراعًا في الاستجابة وتنفيذ ما أمرهم الله جل وعلا به أن الله لما أنزل قوله ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وما تنفقوا من شيء.
فإنَّ الله به عليم كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال كان أبو طلحة رضي الله عنه أكثر الأنصار مالًا من النخيل، وكانت لديه حديقة يقال لها: بير حاء وكانت مستقبله المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب فيها من ماء طيب ﷺ فجاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ
سرعة استجابة الصحابة: إنفاق أبي طلحة لبستان بيرحاء وإراقة
فقال: يا رسول الله، أن الله يقول ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ﴿وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ﴾ به عليم وأن أحب أموالي إلى غيرا وأنها صدقه لله ارجو برها وذخرها عند الله فأجعلها حيث اراك الله. فقال الرسول «صلى الله عليه وسلم»، بخن «ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» ذلك مال رابح واني أبيّن الله عنه استجابة لدعاء الله جل وعلا ﴿لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وهو أيضًا اع ني اب رضي الله عنه لما أنزل الله جل وعلا قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وكانوا يشربون وقتها الخمر كما ذكر أنس رضي الله عنه قال كنت ساقي القوم، وكان سقاؤهم أو شرابهم يومئذ الفضيخ فلما نزلت الآية ونادى منادي رسول الله ﴿إِلَّا﴾ إن الخمر قد حُرِّمت.
فقال أبو طلحة لأنس رضي الله عنه قم وأخرجها وأهرقها قال فجعلت تجري في سكك المدينة، وفي رواية لمسلم أنه قال كانوا مستجيبين غير متقاعسين عن الأوامر الله وعمان نهى الله عز وجل عنه استجيبوا لربكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
استجابة أصحاب أحد في الخروج لحمراء الأسد برغم الجراح
فيا عباد الله، لما ابتلي المسلمون في غزوة أحد ووقع لهم ما وقع بعد أن كانوا في نصرة وتمكين بسبب ما وقع من بعض الرماة انقلب النصر إلى هزيمة وإلى قتل كما قال الله ﴿أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ﴾، أن هذا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هو من عند انفسكم، إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وبينما هؤلاء الأصحاب رضي الله عنهم في ذلك المصاب العظيم.
وقد فرج الله عز وجل عنهم ويسر لهم حينما علموا أن رسول الله محمدًا ﷺ لما لم يقتل. وقد أشيع بين الناس أنه قتل فلما عرفوا أنه لم يقتل هان عليهم كل شيء وبينما هم في الجراحات وبينما هم في الأم. وقد فقدوا الأحباب ما وقع ينتج مرة أخرى لحمراء الأسد حينما بلغهم، أن أبا سفيان يريد أن يعيد الكره عليهم وأن يست أصل شأفتهم، ولا يخرج مع رسول الله إلا من كان معه في أحد فخرجوا، ولم يتخلف منهم أحد وسجل الله عز وجل ذلك.
فقال ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ9 ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 172-173) ﴿فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ فعوضهم الله عز وجل خيرًا وأثلج صدورهم بسبب استجابتهم لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ وكذلك لما تحولت القبلة استجاب مطيعين، أن ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لنعلَّمه مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ.
تأمَّل! ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾، أي: الاستجابة لهذا الذي قرره الله من تحويل القبلة ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾
عتاب النبي لأبي سعيد بن المعلى بالصلاة وحياة القلوب
ما أحوج العبد إلى أن يكون مستجيبًا لله مست لرسول الله ﷺ وأن يعلم أنه إذًا استجاب فإنَّه يستجيب إلى ما فيه سعادته وإلى ما فيه حياته الحقيقية كما قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا» اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿ٱسْتَجِيبُوا۟ لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۚ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 47، البقرة: 186 ↩
- آية: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الشورى 47، البقرة: 186 ↩
- آية: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 65، المائدة: 109 ↩
- آية: ﴿يا قومنا اجيبوا داعي الله وامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم،﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 44، الأحقاف: 31 ↩
- آية: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما اصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا اجر عظيم الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً. وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 172-173 ↩
من سلسلة: خطب (342 درسًا)