مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

إنَّ هذا الدين يسر

خطب · الدرس 33 من 342 · 20 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وبشارة: 'إن هذا الدين يسر'
  2. مظاهر التيسير في العبادات وخطر الغلو والتنطع
  3. فقه السداد والمقاربة واستثمار أوقات النشاط
  4. حكمة تفريق الصلوات الخمس والنهي في أوقات الكراهة
  5. السماحة في المعاملات وإنظار المعسر وضوابط التيسير
  6. الرد على دعاوى التحلل باسم المقاصد والرضا بشرع الله
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وبشارة: 'إن هذا الدين يسر'

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ﷺ قال «إن هذا الدين يسر، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» هذا حديث جليل شريف من أحاديث الرسول الكريم محمد صلوات ربي وتسليماته عليه يبين لنا حقيقة هذا الدين وأنه دين اليسر والسماحة ثم مع ذلك فإنَّه يدعو إلى العبادة والطاعة ذلكم أن كثيرًا من الناس لا يفهمون حقيقة تيسير الدين فيظنون، أن يسر الدين يعني الانزلاق من تعاليم الدين وهيهات قال ﷺ في صدر هذا الحديث أن هذا الدين يسر إن هذا الدين يسر، أي ذو يسر أو عبر عنه بالمصدر على سبيل المبالغة فمهما بحثت في الدين وفي تعاليمه لم تجد إلا التيسير لأنَّ الذي شرعه هو الرب العليم الحكيم سبحانه وتعالى وصدق الله إذ قال ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾4 (الملك: 14). ولذلك فإنَّ النصوص جاءت متتابعة في الكتاب والسنة تدل على رفع الحرج عن الأمة وأن الله أراد بالأمة التيسير لا التعسير قال الله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾5 (البقرة: 286).

وقال ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾6 (الطلاق: 7) قال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾7 (الحج: 78). وقال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾8 (البقرة: 185) وقال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾9 (النساء: 28) آيات كثيرة تبين لنا أن هذا الدين قائم على التيسير والتخفيف وليس على المشقة والإعنات وحيثما وجدت المشقة كان يصحبها التخفيف بفضل الله عز وجل.

مظاهر التيسير في العبادات وخطر الغلو والتنطع

ولذلك إذا نظرت إلى الأحكام الشرعية كالصلاة قال ﷺ «صل قائمًا، فإنَّ لم تستطع فقاعدًا، فإنَّ لم تستطع فعلى جنب» وقال الله عز وجل في أمر الصيام ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾10 (البقرة: 184) ولما أوجب الله عز وجل الحج أوجبه على المستطيع ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾11 (آل عمران: 97) ومن عجز عن بعض أداء العبادات في الحج، كالرمي مثلًا، فإنه يمكنه أن ينيب غيره بل إن الإنسان قد يوكل غيره في الحج عند عجزه كما هو معلوم بضوابطه وشروطه هذا كله لأنَّ الإسلام دين الرحمة ودين التخفيف ودين التيسير. وقد قال ﷺ كما ثبت عنه وحسَّنه الحافظ وغيره «أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة» وقال «صلى الله عليه وسلم» أن خير دينكم أيسره أن خير دينكم ايصرف أن خير دينكم أيسر فنحمد الله على هذه الشريعة وعلى هذا الدين هكذا علمنا الرسول الكريم ﷺ أن هذا الدين يسر ولن يش ادد التكلف والمغالاة والذي يغالي في عبادة الله يوشك، أن ينقطع عن طاعة الله. وهذا معنى مشهور في قوله ﷺ «ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» أي: هذا الذي يشدد على نفسه فيكلف نفسه فوق الطاقة ويكلف نفسه ما لم يكلفه الله عز وجل به.

فإنَّ الدين يغلبه وإذا به ينقطع عن الجادة، ولا يستمر على طاعة الله. ولذلك نص عدد من شراح الحديث أن هذا الحديث من أعلام النبوة، ومن دلائل نبوته ﷺ وأنه ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أن تجد متنطعا في الدين إلا انقطع عن طاعة الله سبحانه وتعالى، يشدد على نفسه في بادئ الأمر ثم بعد ذلك يترك الطاعة جملة وتفصيلًا ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل وأما الإنسان الذي يقبل على طاعة الله يراعي الأحكام الشرعية المرعية فيتقي الله في طاعته كما قال الله ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾12 (التغابن: 16) فإنَّه يثبت على طاعة الله حتى يلقى الله وهو ثابت.

نسأل الله أن يثبتنا على دينه. ولذلك دعانا الرب الكريم إلى الاستقامة. فقال ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟﴾13 (هود: 112) فاستقم كما أُمرت، لا كما تشتهي، ولا كما تظن ولا كما تهوى وإنَّما فاستقم كما أُمرت أي: كما أمرك ربك عز وجل فهو الذي يبين لك المنهج المستقيم والطريق القويم الذي عليك، أن تسلكه لتصل إلى ربك الكريم سبحانه وتعالى فَٱسْتَقِمْ كَمَآ ﴿أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟﴾ لا تتجاوزوا الحد «كلا طرفي قصد الأمور ذميم» وأن العبد الصالح هو الذي يواظب على طاعة الله.

فقه السداد والمقاربة واستثمار أوقات النشاط

«كلا طرفي قصد الأمور ذميم». وأما من استقام على الطاعة فهو مستقيم على الجادة بفضل الله. ولذلك قال الرسول ﷺ أيضًا والقصد القصد. وقال عليكم هديا قاصدًا والقصد القصد. وقال عليكم هديا قاصدًا. وقد نهينا عن التكلف والتعسف والغلو والجفاء والمسلم متوسط بفضل الله وليس معنى ذلك أنه لا يبادر إلى فعل الخيرات أو لا يستبق إلى فعل الخيرات، وفيها فثمة فرق بين الانحراف وبين الاستباق في فعل الخيرات فالذي يستبق في فعل الخيرات يطبق شرع الله ويعمل بكتاب الله وبهدي رسول الله ﷺ وهو إن وجد مشقة فإنها مشقة مغتفرة ومحتملة وليست فوق طاقة الإنسان لأنَّ الله لم يكلفنا إلا بما نطيق أو بما نقدر عليه.

وقد قال النبي ﷺ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» لا شك أن التكاليف الشرعية سيكون فيها بعض مشقة فالذي يستيقظ لصلاة الفجر والذي يقدر على أن يقوم جزءًا من الليل سيجد شيئًا من المشقة لكنَّها مشقة محتملة ليست فوق الطاقة فالشرع إذًا كلفنا كلفنا بما نطيق إلا غلبة قال: فسددوا، والسداد معناه: إصابة السهم في موضعه معناه: اتبعوا الحق، ولا تحبي النواهي. فإنَّ عجزت فقارب «فسددوا وقاربوا» إن عجزت عن الوصول إلى المراد منه وأبشروا، يعني: إنكم إذا فعلتم ذلك فأبشروا. فإنَّ الله سيتقبل منكم أعمالكم لأنَّ الرب شكور حليم سبحانه وتعالى، يعطي العبد على القليل من العمل الكثير من الثواب لأنه الرب الكريم سبحانه وتعالى، «فسددوا وقاربوا» وأبشروا واستعينوا استعينوا ما الذي نستعين به نستعين بطاعة الله واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة أي: يستعينوا بالعبادة في الصباح.

وهذا معنى الغدوة في أول النهار وبالروحة. وذلك في آخر النهار أو في أول النصف الثاني منه وشيء من الدلجة أي: من الليل ينبغي له وهو يسلك طريقه، أن يستثمر أوقات النشاط، ومن أعظم أوقات النشاط ما يكون في البكور وما يكون في المنتصف الثاني من النهار وما يكون في الليل فإنَّه تطوى بالليل السير أو يطوى بالليل السير وتيسر كما جاء عن نبينا ﷺ

فإنَّ الأرض تطوى بالليل وثبت عنه هذا معناه: يا أيها الإخوة الكرام أن يكون العبد مطيعًا لله في أوقات نشاطه، وفي أوقات جده وأن يستثمر طاعة الله وأن يجعل الوقت معمورًا بطاعة الله سبحانه وتعالى، فلأول النهار حظ من الطاعة، ولآخر النهار حظ من الطاعة، وفي الليل حظ من الطاعة ﴿إِلَّا﴾ ترون، يا أيها الإخوة الكرام، إنَّ الله لما أوجب علينا الصلاة وجعل الصلاة كتابًا موقوتًا لم يجعلها في وقت واحد فلم نؤمر مثلًا بأن نصلي لله 30 ركعة في الليل بعد ما نفرغ من أعمالنا، وبعدما ننتهي من أشغالنا لها.

حكمة تفريق الصلوات الخمس والنهي في أوقات الكراهة

بل هناك صلاة الصبح أو الفجر وهناك صلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء وهناك قيام الليل لمن أحب، وصلاة الضحى لمن أحب ورغب كل ذلك لنعمّر أوقاتنا بطاعة الله عز وجل وننتقل من جد إلى جد ومن نشاط إلى نشاط ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الله جل وعلا قد أوجب الصلاة وهي من أعظم القربات إلى رب الأرض والسماوات.

ومع ذلك فقد جعل ديننا أوقاتًا منهيًّا عن الصلاة فيها ننهى عن الصلاة مع أنَّ الصلاة عظيمة. لكن يقال لك لا تصلي عند طلوع الشمس لا تصلي عند غروب الشمس إلى غير ذلك من الأوقات المنهيّة عنها وهي معروفة ما سبب ذلك يقال لك تفرق في هذا الوقت فليس هذا الوقت بوقت صلاة حتى تعود الصلاة وأنت راغب وأنت نشيط وأنت مقبل وأنت محب لطاعة الله.

نسأل الله أن يحبب إلينا الإيمان وأن يزينه في قلوبنا وأن يُكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

السماحة في المعاملات وإنظار المعسر وضوابط التيسير

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، هكذا يعلمنا الصادق رسول الله محمد ﷺ في هذه الكلمات النبوية الموجزة البليغة أن هذا الدين يسر «وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» فسددوا واذنا بالتيسير أيضًا فكما أن ديننا يسير فإننا نيسر على غيرنا. ولذلك مُدح التيسير في كل شيء ومُدحت السماحة في أمور ديننا رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى.

وقال ﷺ «من أنظر مُعسِرًا أو وضع عنه أظله الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله» فشرع لنا التيسير فنكون ميسرين «فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» علمنا ذلك رسولنا محمد ﷺ ثم إن هذا لا يعني الانفلات من طاعة الله جل وعلا فكثير من الناس في هذه الأيام يظنون أن التيسير معناه: دين أو ارتكاب ما. شئنا من المحرم لا، لا، إن الرب سبحانه هو أحكم الحاكمين وهو الحكيم الذي يشرع ما يشاء وما عليه أن نقول ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾14 (البقرة: 285) لا لذلك. فإنَّ الضابط في التيسير أن ننظر إلى تعاليم الدين فما كان من شرع الله فهو ميسَّر، وما كان من دين الله فهو مسهَّل وليس فيه الإعنات وليس فيه المشقة، وكذلك نظرة بعض الناس إلى بعض المتمسكين بالدين على أنهم متنطعون أو على أنهم متشددون على أي أساس يرمى هؤلاء بالتشدد أو على افي ذلك الله عز وجل فمن اتبع شرع الله، وكان عالمًا بطاعة الله أو يسأل أهل الذكر ويتقي الله قدر استطاعته فإنَّه يخطو خطى نبينا محمد ﷺ ويقتفي أثر الرسول ﷺ

أما من كان جاهلًا بدينه يتيه ويعبد الله لا على بصيرة وإنَّما يعبده بجهل. فإنَّ الدين براء من صنعه والخلل فيه لا في شرع الله، ولا في دين الله جل وعلا

الرد على دعاوى التحلل باسم المقاصد والرضا بشرع الله

يا أيها الإخوة الكرام، إن بعض الناس يتجهون اتجاهًا خاطئًا حينما ينادون بالمقاصد دون فهم لها فبعض الناس يقولون إن شرع الله وإن الأحكام الشرعية ﴿أَنَّمَا﴾ شُرعت من أجل مقاصد فمثلًا ربنا قال: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ فيأتي آتٍ ويقول إذًا انتهيت عن الفحشاء والمنكر فلا حاجة لي في الصلاة لأن الصلاة لغرض ولحكمة فإذا تحقق المقصد وإذا تحققت الحكمة فما الفائدة من الصلاة نقول هذا خطأ هذا فهم معكوس وليس صحيحًا إن الشريعة لها مقاصد عظيمة والفرائض نفسها مقاصد فالصلاة نفسها مقصد أن تخضع لله وأن تنكسر لله وأن تعلن تذللك وخضوعك وانكسارك لله هذا مقصد وأي مقصد فالشريعة نفسها والعجيب كما نص المحققون كالشاطبي وغيره، أن صريح الأمر ونص الأمر مقصد من المقاصد الشرعية التي لا ينبغي إغفالها كذلك إذا حرَّم الله شيئًا من المحرمات سيقول الإنسان هذا الحرام من أجل ماذا من أجل عدم الاستغلال فنحن لا نستغل نقول. لكن الربا حرام سواء وقع الاستغلال أم لم يقع لأنَّ الله قال: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾15 (البقرة: 275) وهكذا في تشريعات ديننا كل من شرح الله صدره وأنار قلبه وأقبل على الدين براحته وحينئذ يذوق طعم الإيمان ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا وسائر بلاد المسلمين من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ» أستغفرك وأتوب إليك. أقيموا الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: الملك 14 ↩
  5. آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 286 ↩
  6. آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 7 ↩
  7. آية: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 78 ↩
  8. آية: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  9. آية: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 28 ↩
  10. آية: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 184 ↩
  11. آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 97 ↩
  12. آية: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: التغابن 16 ↩
  13. آية: ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟﴾ — كما ورد في الدرس: هود 112 ↩
  14. آية: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 285 ↩
  15. آية: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 275 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة