مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

إغاثة الملهوف

خطب · الدرس 27 من 342 · 22 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. أزمات الأمة المعاصرة وضرورة التضامن والأخذ بأسباب النصر والتمكين
  2. أصل الأخوة الإيمانية وتجسيد مثل الجسد الواحد والبنيان المرصوص
  3. مغفرة الذنوب برحمة سقي الكلب ومقايسة حرمة المؤمن على الكعبة
  4. فضيلة السعي لإغاثة اللهفان وأولوية إعانة الجار والقريب والمنكوب
  5. قدوة الأنبياء في إغاثة الملهوف: تدبير يوسف لمجاعة مصر
  6. سنن الله الكونية في النصر ودرس هزيمة أحد وواجب
التفريغ النصي الكامل للدرس

أزمات الأمة المعاصرة وضرورة التضامن والأخذ بأسباب النصر والتمكين

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تسليمًا كثيرًا. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾1.﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾2.أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أعاذنا الله من البدعة والضلالة والنار ورزقنا الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام أن أمتنا الإسلامية تحيا في هذه الأيام فترة عصيبة تشتد بها الكربات من كل جانب فمرة بزلزال ومرة بإعصار ومرة بحروب مدمرة فما أحوج المسلمين إلى أن يتفقوا ويتحدوا وأن يسألوا الله سبحانه التوفيق والسداد وأن يعودوا إلى الهدى والرشاد.

فإنَّ الله جل وعلا قد وعد ووعده الحق ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾3 ﴿إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ فنسأل الله سبحانه وتعالى، أن ينصرنا على أعدائنا وأن ينصرنا على أنفسنا وأن يصلح أحوالنا وأن يوحّد صفوفنا، يا أيها الإخوة الكرام، إن أبواب الخير كثيرة. وقد أمرنا الله جل وعلا بفعلها بل والاستباق إليها والمسارعة فيها، ومن هذه الأبواب العظيمة إغاثة اللهفان أو إن شئت فقل إغاثة الملهوف إذ ورد هذا وذاك عن رسولنا الكريم ﷺ والمراد باللهفان أو الملهوف المكروب أن تغيث إذا استغاث بك. بل وأن تغيث وإن لم يستغث بك.

أصل الأخوة الإيمانية وتجسيد مثل الجسد الواحد والبنيان المرصوص

فإنَّ له حقًا عليك. وقد قال الله جل وعلا ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وكثير من الناس نسي هذه الحقيقة فظن أنه لا يعنيه إلا نفسه وأن امتد.

الأمر عنده فإنما يعنيه أهله فحسب دون أن يلتفت إلى شيء آخر مع أنَّ المؤمنين وإن نأت بهم الديار وإن اختلفت الأجناس. لكن الدين يجمعهم وهو دين الإسلام «أَبِي الْإِسْلَامُ لَا أَبَ لِي سِوَاهُ إِذَا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أَوْ تَمِيمِ» فما أحوج المسلمين إلى أن يعرفوا تلك الحقيقة العظيمة، تلك الأسس أو أن يعرفوا تلك المبادئ الجليلة التي أرساها الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ قال كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه المتفق عليه «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وشبك بين أصابعه ﷺ

وقال ﷺ كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» فكما أن جسدك إذا تألم عضو من أعضائك فإنَّ بقية الأعضاء تسهر ولا تستريح ولا تتمكن من الاستراحة بسبب وجع في ضرسك أو بسبب ألم في قدمك فضلًا عن عينك فكذلك ينبغي أن يكون المؤمن مع المؤمن والمسلم مع المسلم وإن اختلفت البلاد والبقاع، يا أيها الإخوة الكرام إن إغاثة اللهفان مطلب شرعي دعانا إليه الإسلام أن يقف بعضنا مع بعض في كربته. وقد علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وقال أيضًا «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»

مغفرة الذنوب برحمة سقي الكلب ومقايسة حرمة المؤمن على الكعبة

فنسأل الله، أن نكون من هؤلاء بمنه وكرمه، أن النبي ﷺ ضرب لنا مثلًا عظيمًا، بل حقيقة وقعت بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ الأصل أن هذا واقع وإخبار عن واقع فأخبرنا كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل في البئر فشرب منه ثم خرج فوجد كلبًا يلهث من شدة العطش.

فقال قد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي من العطش فأخذ خفه فملأه ماءً ثم سقى الكلب «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» وفي بعض الروايات أنه لما ملأ خفه إذا به يمسكه بفيه أراد أن يخرج من البئر فخرج ومعه هذا الخف وهو يمسكه بفيه فهو يريد أن يصعد ويريد أن يمسك بفمه هذا الخف ليسقي الكلب «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ» فغفر له وأنا أقول: هل الكلب استغاث؟ هل الكلب طلب منه؟ حاله كذلك دون أن يطلب الكلب من

هذا العبد، من هذا الإنسان، من هذا المؤمن شيئًا؟ شعر به فما كان منه إلا أن يصنع هذا ومع أنَّ الإنسان عزيز ومع أنَّ الإنسان شريف رضي لنفسه، أن يصعد وأن يمسك هذا الخف بفمه ليصعد به من أجل أن يسقي كلبًا الله أكبر! إنها الرحمة التي وضعت في قلوب المؤمنين وهل سيستفيد الإنسان من الكلب شيئًا هل ينتظر منه ردًّا؟ هل ينتظر منه عطاءً؟ ﴿أَنَّمَا﴾ فعل

ذلك ابتغاء مرضات الله «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ» فغفر له. بل الأعجب من ذلك ما جاء في الرواية الأخرى وهي هي رواية صحيحة. بل متفق على صحتها، أخرجها الشيخان أيضًا البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أيضًا غفر لامرأة مومسة في لفظ لبغي، وفي لفظ لامرأة مومسة ما معنى مومسة؟ مومسة أي: امرأة تجهر بالزنا تعلن بالزنا تعلن عن نفسها وغفر لها لماذا لأنَّها مرت على كلب عند رَكِيٍّ، عند بئر فوجدته أيضًا وهو يلهث من شدة العطش، وفي رواية مسلم: قد اندلع لسانه خرج لسانه واندلع من شدة العطش، وفي رواية في يوم حار فملأت خفها، وفي لفظ مُوقها ثم سقته أيضًا فغفر لها بذلك امرأة زانية ترتكب الفواحش.

لكن قلبها لهذا الكلب فسقته فغفر الله عز وجل لها فما أحوج المؤمن إلى أن يرق قلبه وإلى أن يعاود أمره إذا وجد في قلبه قسوة وإعراض عما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ المسلمين من إصابات، ومن نكبات، ومن أزمات الله الله في المسلمين، إن حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة كما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ قال في شأن الكعبة ما أعظمك! ما أعظمك! وإن المسلم أعظم حرمة منك أو كما جاء عنه.

وقد صح الخبر عنه عليه الصلاة والسلام، ما أحوج المسلمين إلى أن يتعاونوا على البر والتقوى إلى أن يغيث كل واحد منهم ما استطاع ممن يستطيع أن يغيثه من أولئك الذين قد أُصيبوا بتلك الإصابات في الداخل، وفي الخارج في بلادنا، وفي خارج بلادنا، إنهم لنا ومنا والله قال: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.

فضيلة السعي لإغاثة اللهفان وأولوية إعانة الجار والقريب والمنكوب

وقد علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يذكر أبواب الخير فذكر من أبواب الخير ﷺ وتسعى.

تأمَّل! وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث. تأمَّل! قوله ﷺ وتسعى وتسعى بشدة ساقيك، يعني: أنك لا تمشي بطيئًا ﴿أَنَّمَا﴾ تسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وتحمل بشدة ذراعيك إلى الضعيف فإنَّها صدقة تتصدق بها على نفسك كما جاء عند ابن حبان وغيره من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.

يا أيها الإخوة الكرام، ربما كان جار أحدنا في شدة ويبيت أحدنا شبعان وجاره إلى جواره جائع ربما كان أخوك أو قريبك فضلًا عن، أن يكون بعيدًا عنك فابدأ بقريبك وبجارك، فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام، علمنا كما في حديث ابن عمر «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» ثم تمتد بك الرقعة فإذا بك تغيث الملهوف فين في بلدك في حيك في قريتك في مدينتك ثم في أمتك وهكذا ينبغي أن يكون المسلمون دومًا حتى يعرف أعداؤهم أنهم على قلب واحد، ولِمَ لا وهم يوحدون الله الواحد سبحانه وتعالى، إذا كانت الرحمة بالكلاب تُغفر بها الخطايا للبغايا فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

أمَّا بعدُ:

قدوة الأنبياء في إغاثة الملهوف: تدبير يوسف لمجاعة مصر

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

فيا عباد الله، ذكر الله سبحانه وتعالى لنا في القرآن نماذج مشرفة وأمثلة مشرقة مما صنع الأنبياء والمرسلون لنقتدي بهم ونأتسي بأحوالهم، وقد قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾.فهذا يوسف الكريم عليه الصلاة والسلام، يوسف وهو في السجن. وقد مكث في السجن ما مكث ﴿فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام، وحينما وقع ما وقع للملك من رؤيا رآها، وكانت هذه الرؤيا عبارة عما سيحل بمصر من الأزمات، ومن الكربات والشدائد وعرض الأمر على الملأ حينئذ ﴿قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ﴾ وحينئذ تذكَّر هذا الرجل الذي كان صاحبًا ليوسف في السجن ما ليوسف عليه السلام من العلم بتعبير الرؤيا فأخبرهم عن يوسف عليه السلام وأنَّه يريد أن يذهب إليه ليعبر له الرؤيا فأرسلوه، فلما ذهب إلى يوسف واستفتاه في الرؤيا التي قد رآها الملك ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ﴾ ﴿لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ كان بإمكان يوسف أن يقول سأعبر الرؤيا ولكن ماذا تصنعون لي؟ أنا في السجن وأنا مظلوم وأنا مقهور ادفعوا لي أولًا، أخرجوني حتى أخبركم لم يلتفت إلى شيء من

ذلك أنه يغيث الملهوفين أراد أن يسدي لمصر خيرًا وبركة لذلك بعد ذلك ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ وإنَّما عبر الرؤيا مباشرةً قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ إلى آخر ما قال عليه الصلاة والسلام إنها إغاثة الملهوف دون انتظار عوض دون انتظار عطاء ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ موسى الكليم عليه الصلاة والسلام حينما خرج من مصر ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾، ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يَهْدِيَنِى سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾، ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قد ذكر عدد من المفسّرين وإن قيل أنها من الإسرائيليات بأنَّ الواقع يشهد بذلك أن موسى خرج من مصر لا يجد طعامًا لا يجد شرابًا قالوا كان يأكل ورق الشجر والتصق بطنه بظهره من شدة الجوع والعطش وما به من فقر وفاقة لكنه مع ذلك حينما رأى المرأتين لم يسكت وهو في كربته وهو في شدته وهو في محنته.

بل هو الذي عرض، وواحدنا إذا رأى امرأة عجوزًا تحتاج إلى أن يأخذها ليعبر بها الطريق لم يلتفت إليها وإذا وجد امرأة تشكو إلى الله ما تقاسيه من مر الحياة، ومن كربات متعددة لم يلتفت إليها وإذا استغاث به أحد الفقراء أو أحد الناس أو أحد المرضى لم يلتفت إليه وموسى عليه السلام دون أن تطلب منه دون أن يطلب منه أحد شيئًا ودون أن تطلب المراتان شيئًا إذا به يبتدئ، ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾، لم يرد منه أجرًا.

لكن الله عوضه. لكن الله أعطاه هكذا ينبغي أن يكون المسلم دومًا مع المؤمنين كلهم يدفع إليهم الخير ويقدمه وينتظر الأجر والثواب من الكريم الوهاب، يا أيها الإخوة الكرام، إن تلك الأزمات التي تصيب المسلمين بين الفينة والفينة لا تعني لا تعني أن المسلمين على الباطل. بل المسلمون ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ودينهم هو الحق.

سنن الله الكونية في النصر ودرس هزيمة أحد وواجب

لكن الله جل وعلا وضع أسبابًا وله سنن كونية فمن أخذ بها أنتجت تلك الأسباب النتائج بإذن الله فلله سنن في النصر والتمكين لله سنن في أن ينصر عباده الذين أخذوا بالأسباب فإذا أخذوا بها نصرهم الله جل وعلا. أما إذا اتكلوا على أنهم مسلمون، وعلى أنهم مؤمنون، وعلى أن الله ناصرهم وإن لم يفعلوا شيئًا.

فإنَّ هذا يخالف السنن وأن بعض الأصحاب حين خالفوا أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول بين ظهرانيهم في غزوة أحد تحولت المعركة من نصر إلى هزيمة، ومن قوة إلى ضعف مع أنَّ النصر كان حليفهم والرسول بين ظهرانيهم لكنهم لما عصوا. بل لما عصى بعضهم أمر الرسول ﷺ كانت الهزيمة إلا فاتقوا الله في أنفسكم وأطيعوا الله وأطيعوا رسولكم ﷺ

يا أيها الإخوة الكرام، إن في هذه النكبات، وفي هذه الابتلاءات ذكرى وعبرة للمعتبرين ليعاودوا الأمر ويتوبوا إلى الله سبحانه، إن الناس حينما أُصيبوا بهذا الفيروس الذي قيل له فيروس كورونا وقع من الناس ما وقع ووقع لهم ما وقع من الهلع والخوف والذعر وضعفت الأمم كلها والبلاد كلها شرقها وغربها وأعلنوا الضعف وأعلنوا الطوارئ وأنهم لا قدرة لهم على هذا الفيروس الضعيف ليعلم الناس أن القوة بيد الله وأن المؤمنين إذا استمسكوا بحبل الله ولو كانوا ضعفاء.

فإنَّ الله سيعينهم وإن الله سيقويهم فحقيق بالمسلمين، أن يتوبوا إلى الله وأن يمسكوا بحبل الله وأن يعلموا أن القوة ليست مع دول كافرة وليست مع يهود، وإنما اليهود أذلاء.وقد كتب الله عليهم الذلة بإذن الله سبحانه، ولا تزال مكتوبة وإن بدا بين الناس أنهم أصحاب قوة. فإنَّ الدليل والواقع يشهدان بأن.

الأمر على خلاف ذلك ﴿أَنَّمَا﴾ الأمر يحتاج إلى أن يتحد المسلمون وإلى أن يعملوا وأنهم لله خاضعون وحينئذ ينصرهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، يا أيها الإخوة الكرام، إن ما وقع للمسلمين بغزة حقيق بالناس أن ينتبهوا إليه وأن يسألوا الله لهم العون والمدد والتوفيق وإنني في مناسبات عديدة بينت بعض المخالفات الموجودة لبعض الحركات كحركة حماس فأنا أقول إنها حركة فيها ما فيها من الخلل، وعندها ما عندها من الخلل كتعلقهم بالشيعة وبعض الجماعات كالإخوة اللهم أيِّدهم بتأييدك وقوِّهم بقوتك وأعنهم بعونك وأمددهم بمدد من عندك اللهم فرج الكرب يا ذا الجلال والإكرام اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم اللهم وحد صفوف المسلمين اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم يا كريم اللهم أصلح أحوالنا اللهم احقن دماء المسلمين اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا واحةً للأمن والأمان والسلم والسلام، وسائر بلاد الإسلام اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى اللهم أصلح ولاة أمورنا، وخذ بنواصيهم للبِرِّ والتقوى ودلهم على الخير والصواب والهدى والرشاد يا ذا الجلال والإكرام اللهم اغفر لحينا ومَيِّتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  2. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: محمد 7 ↩

من سلسلة: خطب (342 درسًا)

دروس مشابهة