مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

تجنب شهادة الزور من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد

سلسلة صفات عباد الرحمن · الدرس 11 من 24 · 34 دقيقة · الآداب والأخلاق

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مدخل إلى التوبة في صفات عباد الرحمن وتجدد حاجة المؤمن إليها
  2. دوام التوبة من تقصير الطاعة وبشارة تبديل السيئات حسنات
  3. شروط التوبة النصوح: الإقلاع والندم والعزم ورد المظالم
  4. «لا يشهدون الزور»: اجتناب شهادة الباطل ومجالس المنكر
  5. عظم شهادة الزور وآثارها في ظلم النفس والحقوق
  6. المرور باللغو كراما ومفارقة مجالس المعصية
  7. الإعراض عن مجالس الباطل وقنوات الشبهات
التفريغ النصي الكامل للدرس

مدخل إلى التوبة في صفات عباد الرحمن وتجدد حاجة المؤمن إليها

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1 (الأحزاب: 70)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102). ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1). ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾4 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، لا يزال حديثنا موصولًا بفضل الله ومنَّته بهذه السلسلة التي نتحدث فيها عن صفات عباد الرحمن كما ذكر الله جل وعلا في ختام سورة الفرقان.

فقال عزَّ من قائلٍ: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾5 (الفرقان: 63-64) ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾6 (الفرقان: 65) ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾7 (الفرقان: 67) ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾8 (الفرقان: 68) ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا﴾، وكان الله غفورًا رحيمًا، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ إلى أن قال جل وعلا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰمًا خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.

وقد توقفنا يا أيها الإخوة الكرام في اللقاء السابق عند قول الله جل وعلا ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ وعرفنا أن عباد الرحمن يتوبون إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فمن صفات عباد الرحمن التوبة إلى الله جل وعلا وكثير من الناس يظن أن التوبة ﴿أَنَّمَا﴾ تكون شأنًا للمقصرين والمفرطين فحسب وإنَّما نقول إن التوبة شأن المؤمنين وشأن الصادقين وشأن العابدين لذلك قرن الله بين التائبين والعابدين.

دوام التوبة من تقصير الطاعة وبشارة تبديل السيئات حسنات

فقال عزَّ من قائلٍ: حينما وصف حال أولئك الذين اشتروا الآخرة وباعوا الدنيا ونالوا جنة عرضها السماوات والأرض قال: ﴿ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ﴾ فهم مع عبادتهم تائبون لله رب العالمين وعرفنا كذلك، يا أيها الإخوة الكرام أن الرسول صلوات الله وتسليماته عليه وهو إمام العابدين وإمام الأتقياء كان يعد له في المجلس الواحد كما في حديث ابن عمر عند أبي داود وغيره كان يُعَدُّ له في المجلس الواحد مئة مرة: «ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إنك أنت التواب الغفور»، وفي لفظ إنك أنت التواب الرحيم في المجلس الواحد يعد للرسول ﷺ «ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم» والله يقول: ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ويقول، ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾9 (الحجرات: 11) فالجميع مفتقر إلى التوبة ذلكم أننا حينما نتقرب إلى الله بالطاعة فطاعتنا لا تخلو من تقصير، ولا تخلو من تفريط إذ نحن في الأصل عباد فينا نقص وخلل والناقص لا يصدر عنه إلا نقص والله جل وعلا هو الموصوف بالجلال ونعوت الجلال وأوصاف الكمال سبحانه جل وعلا فمثلي ومثلك لا يمكن له أبدًا أن يعبد الله حق العبادة لذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يسأل ربه قائلًا ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».

لا نطيق الثناء على الله لا نقدر على أن نوفي الله حقًا لذلك قال عليه الصلاة والسلام، «استقيموا ولن تُحصوا»، أي: لن تطيقوا. وقال «سددوا وقاربوا» ﴿أَنَّمَا﴾ نحاول الاقتراب. نسأل الله أن يوفقنا لمرضاته. إذن من صفات عباد الرحمن التوبة وتجديد التوبة والله يقول ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾10 (البقرة: 222) فقول يحب التوابين كثير التوبة يحب من يكثر من التوبة والرجوع إلى الله جل وعلا إذا أذنبت فتُبْ، وإذا أطعت فتُبْ لأنَّ طاعتك لا تخلو من تقصير، ومن يسلم من كذا وكذا والرسول عليه الصلاة والسلام، يقول «إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» إنه ليُغان على قلبه، وهي طبقة رقيقة قال بعض أهل العلم بسبب اشتغال الرسول عليه الصلاة والسلام، بأمور الناس وقضاء حوائجهم.

وهذا رسول الله محمد ﷺ فكيف بغيره والله وعد أولئك التائبين فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ وعرفنا الحديث الوارد في أمر النجوة وكيف أن هذا الرجل يرغب في أن تتحول كبار ذنوبه إلى حسنات لما يرى من سعة فضل الله جل وعلا وإذا كان هذا قد وقع لمن خرج من النار وأدخل الجنة بسبب هذا العقاب.

فإنَّ التوبة أعظم قدرًا وأجل شأنًا كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى. ثم قال الله، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ﴾ هو تائب والله يقول، ومن تاب فإنَّه يتوب هذا فيه معانٍ، والله أعلم، وأسرار ولطائف، منها أن من تاب وصدق في توبته وعمل الأعمال الصالحة فإنَّه يوفق للاستمرار على التوبة إلى أن يلقى الله تائبًا ففرق كبير بين من يدعي التوبة بلسانه وهو غير صادق في أفعاله وبين من يصدق فيتوب حقًا ويترجم التوبة إلى عمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فالله يقول، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ هذا لا بد أن يستمر على التوبة سيثبت عليها بفضل الله إلى أن يلقى الله تائبًا لأنه تاب توبة نصوحًا، وفي الآية لطيفة أخرى في قوله، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: أنت حينما تتوب.

فإنَّ توبتك إلى الله إلى مَن إلى الله الكريم سبحانه وتعالى، ﴿فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ توبة عظيمة لأنَّها إلى الله، ومن هنا إذا تبت فكن مخلصًا في توبتك توبتك لله إذا كنت تشرب شيئًا من المحرم أو تطعم شيئًا من المحرمات. فقال لك الطبيب دعه لأنه يفسد صحتك اتركه لله وتب إلى الله من تناوله أولًا لتكون توبتك في الأصل، وفي الأساس لله جل وعلا لا تكن توبتك من أجل أن الناس صاروا يتكلمون في حقك وصاروا يقولون فيك كذا وكذا ﴿أَنَّمَا﴾ أنت تتوب لما

لترضي الله عز وجل ﴿فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ واللطيفة الثالثة في قوله ﴿فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: توبة عظيمة صادقة وهي التوبة النصوح التي قال الله فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾. نسأل الله أن يجعلنا من التائبين توبة نصوحًا ما أحوجنا يا أيها الإخوة الكرام إلى أن نعيد ونزيد في التعريف بالتوبة ومكانتها لحاجتنا إليها وعدم استغنائنا عنها وإذا كان شهر رمضان قد انتهى وصار كثير من الناس على غفلة من طاعة الله جل وعلا ما أحوجهم إلى التوبة.

شروط التوبة النصوح: الإقلاع والندم والعزم ورد المظالم

وقد أُطلقت الشياطين. وقد أطلقت الشياطين بعد أن كانت مصفدة مسلسلة فما أحوجنا إلى أن نتوب إلى الله بصدق حتى يثبتنا الله على طاعته. نسأل الله الثبات على الطاعة، ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ ومعروف يا أيها الإخوة الكرام أن التوبة تتحقق بالإقلاع عن المعصية إذ كيف تكون تائبًا وأنت ما زلت على المعصية التوبة أولًا أقلع عن المعصية لا تقل بلسانك أستغفر الله وأنت بفعلك ما زلت تفعل المعصية أقلع عن المعصية واندم على فعلها لأنك ﴿فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ جل وعلا.

وقد جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند أحمد وغيره «الندم توبة» فالندم ركن عظيم من أركان التوبة إلى الله جل وعلا أن تندم على هذا الفعل لماذا لأنَّ فعلك المعصية ولو كانت المعصية صغيرة لا يحسن بك، أن تنظر إلى صغرها «فلا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت» واعلم أنه بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله عز وجل.

وهذا معنى استشعارك لاسم الله العظيم الله جل وعلا هو العظيم فعظِّمه في قلبك وبفعلك وبقولك ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾11 (نوح: 13). ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾12 (نوح: 14) عظِّم الله جل وعلا، فلا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك جل وعلا ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًا﴾ ثم العزم الأكيد على عدم العودة إلى المعصية كن على عزم وعزيمة وصدق ﴿إِلَّا﴾ تعود إلى المعصية.

فإنَّ عدت وغالبتك شهوتك وإذا كان هناك حق يتعلق بالمخلوقين فيلزمك، أن ترد المظالم إلى أهلها حتى تكون توبتك توبة صادقة صحيحة بفضل الله جل وعلا يا أيها الإخوة الكرام الحديث عن التوبة طويل الذيول، لكنني أجتزئ منه ببعض هذا الكلام سائلًا الله جل وعلا أن يرزقنا التوبة النصوح وأن يعاود كل واحد منا نفسه الفينة بعد الفينة ليتفقد حاله ليتوب إلى الله توبة صادقة.

«لا يشهدون الزور»: اجتناب شهادة الباطل ومجالس المنكر

ثم إن الله جل ذكره ذكر من أوصاف عباد الرحمن. فقال ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾13 (الفرقان: 72) ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ من صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور قال بعض العلماء. بل جاء في ذلك أثر عن بعض الصحابة الكرام «عُدِلَتْ شهادة الزور بالإشراك بالله» جل وعلا لأنَّ الله لما ذكر المنهيات التي يجتنبها عباد الرحمن قال ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ﴾ وهنا قال ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾ وما معنى قوله ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾

قوله ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ فيها معنيان مشهوران. المعنى الأول أن معنى لا يشهدون أي: لا يخبرون، ولا يقولون بالزور، وعلى ذلك فتقدير الكلام ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ يشهدون قول الزور أو لا يشهدون بالزور. وعليه فالمعنى أن هؤلاء إذا تكلموا فلا يتكلمون إلا بصدق وإذا شهدوا على أحد فلا يشهدون إلا بحق وإذا دعوا ليحكموا بين الناس أو ليقولوا قولة رأوها أو سمعوها يقولون رأينا وسمعنا ﴿وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ فهم لا يشهدون شهادة الزور.

فهذا معنى قوله ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ أي: لا يشهدون بقول الزور، ولا يشهدون بشهادة الزور والمعنى الثاني أن قوله ﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ يشهدون معناه: لا يحضرون كقوله ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْ14هُ﴾ (البقرة: 185) ما معنى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ﴾ فليصم، يعني: من حضر منكم شهر رمضان فليصم فتقول مثلًا أنا شهدت هذا الشيء، يعني: أنا رأيته وتقول أنا شهدت هذا الشيء، يعني: حضرته فمعنى لا يشهدون الزور أي: لا يحضرون مواضع الزور فلا يحضرون في موضع فيه باطل فإذا رأوا أن هذا المكان فيه باطل لا يقعدون فيه ولا يشهدون لا يحضرون أماكن البغي، ولا يحضرون أماكن الباطل وإنَّما يحضرون مجالس الحق بفضل الله سبحانه وتعالى، وكل المعنيين صحيح فالله قال في صفات عباد الرحمن ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ فالزور معناه الميل، وسُمِّيت شهادة الزور زورًا لأنَّها ميل عن الحق، بُعدٌ عنه، أنت تعرف أن فلانًا ما أخذ كذا، وتقول فلان أخذ، تعرف أن فلانًا ما أعطى كذا، تقول فلان أعطى كذا، وفلان قال كذا، وأنا أشهد بالله أنه صنع كيت وكيت، وأنت في ذلك كاذب تكذب على الله جل وعلا.

نسأل الله السلامة والعافية. ﴿وَقِيلَ﴾ لها زور أيضًا لأنَّ الزور معناه: التحسين، أن تحسن الشيء القبيح شيء قبيح لا قيمة له ولا وزن فأنت تزوره، يعني: أنت تحسنه وتجمله وتضعه في صورة ليست هي له وليس مستحقًا لها فقيل لها شهادة الزور لأن صاحبها يصورها في صورة حقٍّ يدعي أنها الحقيقة ويدعي أنها صدق وليست بصدق وليست بحق.

عظم شهادة الزور وآثارها في ظلم النفس والحقوق

نسأل الله السلامة والعافية، يا أيها الإخوة الكرام، إن الناظر في واقع الناس يرى أن كثيرًا من الناس يتساهلون في الكذب فإذا حدَّثوا كذبوا وآية المنافق ثلاث منها «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ» فلا تكن من هؤلاء الكذابين، ولا من هؤلاء المنافقين ويزداد الأمر خطرًا حينما يكون هذا في موضع الشهادات، وفي موضع الحقوق فتقع شهادة الزور.

نسأل الله السلامة والعافية. وشاهد الزور يا أيها الإخوة الكرام ظلم أولًا نفسه لأنه ادعى كذبًا وزورًا أن كذا وقع ولم يقع فهو ظالم لنفسه لأنه يهلك نفسه ويوقع نفسه في نار جهنم. نسأل الله السلامة والعافية. وهو ظالم لمن شهد له هو ظالم لمن شهد له أنت إذًا شهدلم يعطهده في الدنيا لكنك في حقيقة

الأمر تضره وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، قد قال كما في الصحيحين إنكم تختصمون إليه بعض الناس يأتي ليختصم إلى رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام فيقول الرسول: «إنكم تختصمون إليَّ» ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من أخيه هناك رجل فصيح يقول أنا فعلت ويتكلم بكلام بطريقة منمقة بطريقة مزورة محسنة مجملة فيُظَنُّ أن معه الحق يقول الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنَّما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها الرسول ﷺ يحذر الناس يقول إنه لو قضى لأحد الناس على أحد نظرًا لما يسمع من الحجة مع أنَّ هذا الشخص يعلم أنه كاذب وأن الحق لغيره فهي قطعة من النار فلا يجوز له أن يقبلها.

ولذلك إذا علمت أنك ظالم لغيرك في هذه القضية وأن الحق لأخيك أو أن الحق لابن عمك أو أن الحق لأختك أو أن الحق لزوجتك أو ما إلى ذلك. لكن قلت: نحن نسير مع المحامين ولعل هذا المحام ينتصر على ذاك وأنت تعلم في قرارة نفسك أنك بذلك ظالم وأن الحق له ليس لك فلو حكم لك من حكم من قضاة الأرض بشيء.

فإنَّ ذلك لا يغيِّر من الحق شيئًا، والظلم ظلم والعدل عدل والرسول قال «الظلم ظلمات يوم القيامة»، ومن هنا أيضًا لا يجوز لمحام من المحامين إذا علم، أن تلك القضية ليست حقه وأنه سينتصر بباطل لا يجوز له أن يترافع عن تلك القضية هكذا يُعلِّمنا ديننا بفضل الله جل وعلا إن الرسول صلوات الله وتسليماته عليه كما في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثلاثًا. قالوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ». قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وكان متكئًا فجلس.

فقال: ﴿إِلَّا﴾ وقول الزور وشهادة الزور قال: فما زال يُكرِّرها حتى ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: ليته سكت وفي لفظ حتى ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: ليته سكت من كثرة تكراره لها عليه الصلاة والسلام، «﴿إِلَّا﴾ وقول الزور، ﴿إِلَّا﴾ وشهادة الزور» واسمع كان متكئا فجلس لماذا اهتمامًا بما يقول وأن الذي يحذر منه أمر خطير لما لأنَّ الشرك بالله تنفر منه الفطر السليمة وينفر منه العقل الرشيد وعقوق الوالدين يأباه كل ذي فطرة سليمة. وأما شهادة الزور فيتساهل فيها كثير من الناس وربما يظن أنه يرضي صاحبه بذلك لكنه يسخط الله جل وعلا شاهد الزور ظَلَمَ نفسه، وظَلَمَ من شهد له، وظَلَمَ من شهد عليه فكلهم خصماؤه وأولهم نفسه التي بين جنبيه.

نسأل الله السلامة والعافية. إياك ثم إياك، أن تبيع دينك بعرض من الدنيا اشهد شهادة الحق والله جل وعلا علمنا ذلك. وقال ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾15 (الحج: 30) فانظر رحمك الله كيف قارن الله بين الأمرين أو بين الشيئين الذين علينا أن نجتنبهما. فقال ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ﴾ عبادة ﴿ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾.

المرور باللغو كراما ومفارقة مجالس المعصية

نسأل الله أن يسلمنا من الزور كله ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ إياك ثم إياك لا تقل هو ابن عمي هو ابن خالي ابن خالتي ابن عمتي قريب زميلي في العمل صديق عمري أيما كان هذا لا ينفعك أمام الله جل وعلا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ حقًا واسكت عن باطل، ولا تتكلم به فالله سائلك عما تقول وعما يجري على لسانك ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ والمعنى الثاني لا يحضرون الباطل لا يحضرون مواضع الباطل قال بعض العلماء: الزور الشرك.

وقال بعضهم: الغناء والمعازف. وقال بعضهم: أعياد أهل الشرك إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة وكلها كما ذكر الإمام الطبري محتملة صحيحة فالآية عامة تشمل ذلك كله كل باطل لا تشهده، لا تحضر فيه والله قال وهو يصف عباده المؤمنين ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾16 (المؤمنون: 3). وقال ﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ﴾17 (القصص: 55). وقال. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ18 ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ (النساء: 140).

وقال ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ19 حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ﴾ (الأنعام: 68) إذا وقفت مع بعض الناس أو مع بعض أصحابك فبدأوا في الغيبة والنميمة إذا جلست وسكت فأنت تشهد الزور ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ هم يتكلمون في القيل والقال، وفي الكذب، وفي السب، وفي الغيبة، وفي النميمة لا تشهد هذا المشهد إذا وجدت موضعا من المواضع يذكر فيه الباطل، ولا يذكر فيه الحق فأعرض عنه ولا تقل أنا لم أتكلم أنت لم تتكلم لكنك رضيت واستمعت فإذا رضيت واستمعت فكأنَّما تكلم.

نسأل الله السلامة والعافية. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

الإعراض عن مجالس الباطل وقنوات الشبهات

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ لا يشهدون باطلًا لا يشهدون شركا لا يشهدون ضلاله أو بدعة لا يشهدون منكرًا إذا وجدت هذا المجلس وأنت لا تستطيع أن تُغير المنكر الذي فيه فزُلْ عنه، إذا لم تُزِلْهُ فزُلْ عنه، ولا تمكث فيه حتى لا تكون مشاركًا لهم في ذلك. نسأل الله السلامة والعافية. ومما يدخل في ذلك.

يا أيها الإخوة الكرام، ﴿إِلَّا﴾ تسمع إلى ما يشوش عليك فكرك وألَّا تنظر إلى ما يشوش عليك فكرك فأنت حينما تفتح وتنظر إلى قناة فضائية مثلًا هذه القناة مغرضة تدعو إلى الإلحاد أو إلى مذهب من مذاهب أهل الباطل والبدع والفساد وما إلى ذلك إذا استمعت إليها فأنت تشهد هذا الزور لأنك لا تأمن على نفسك هل أنت لديك من العلم، ومن القدرة

والتمحيص على تمييز الحق من الباطل إن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، قد قال واسمع هذا الحديث لتعلم خطر. الأمر يقول عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه من سمع بالدجال فلينأ عنه من سمع بالدجال المسيح الدجال يخرج وهو أعور والعين اليمنى كما هو معروف أعور ويدعي أنه رب هل يمكن أن يعقل

ذلك مسلم أو أن يقبل ذلك مسلم أعور. وهذا الإنسان يدعي أنه إله وأنه رب مَن يقتنع بهذا الكلام؟. لكن الرسول مع ذلك قال عليه الصلاة والسلام من سمع بالدجال فوالله. إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن يحسب نفسه قوي الإيمان فيتبعه لما يسمع أو لما معه من الشبهات أو كما قال عليه الصلاة والسلام، يأتيه أحد الناس يقول أنا مؤمن ثابت إيه الدجال هذا هو أنا سأختبر الدجال لن أستجيب له فيسمع من تشويش الدجال وتزويره وتحسين كلامه وتزييف كلامه ما يجعله يقبل تلك الشبهات وها نحن نرى كثيرًا من الشباب وقعوا في حبائل الشيطان، وفي براثن البدع واتبعوا كثيرًا من المنكرات بسبب ما يسمعون من البدع والضلالات فاتقوا الله في أنفسكم والله يقول ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾.

إن أيوب السختياني رحمة الله قال له رجل من أهل البدع «أريد أن أسمعك كلمة قال: ولا نصف كلمة»، ولا نصف كلمة. وقال رجلان لمحمد بن سيرين رحمه الله تعالى: نريد أن نقرأ عليك آية، فرفض نريد أن نقرأ عليك حديثًا، فرفض قال أخاف أن تُحرِّف شيئًا من القرآن أو السنة فيَقِرَّ ذلك في أذني وأنا لا أشعر أو كما قال رحمه الله تعالى والإمام مالك حينما جاءه رجل للخصومة قال أنا ثابت على ديني.

فإنَّ كنت قد شككت في دينك فابحث عنه حتى تجد. أما هو، أي: الإمام مالك فهو ثابت على دين الله جل وعلا يا أيها الإخوة الكرام لا تغتروا بترويج تلك الشبهات ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ اسمع الكلام الواضح من كلام الله من صحيح سنة رسول الله ﷺ من كلام العلماء الربانيين الأتقياء حتى لا يشوش عليك.

الأمر حتى لا تكون قد شهدت زورًا يغير عليك عقلك ويغير عليك قلبك وأنت لا تتفطَّن لذلك. فإنَّ اضطررت مثلًا فاستمعت أو مررت على باطل فالله علمنا ﴿وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾ إذا وقع لك ذلك دون رغبة منك فإنَّك لا تستمر عليه. بل ترفضه بفضل الله جل وعلا ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾ اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطلَ باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مُلتبِسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليقين ما تُهوِّن به علينا مصيبات الدنيا ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، «وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا» وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  5. آية: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ۝ وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 63-64 ↩
  6. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 65 ↩
  7. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 67 ↩
  8. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 68 ↩
  9. آية: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 11 ↩
  10. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 222 ↩
  11. آية: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 13 ↩
  12. آية: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ — كما ورد في الدرس: نوح 14 ↩
  13. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾ — كما ورد في الدرس: الفرقان 72 ↩
  14. آية: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصم﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 185 ↩
  15. آية: ﴿فَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلْأَوْثَـٰنِ وَٱجْتَنِبُوا۟ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحج 30 ↩
  16. آية: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 3 ↩
  17. آية: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 55 ↩
  18. آية: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 140 ↩
  19. آية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 68 ↩

من سلسلة: سلسلة صفات عباد الرحمن (24 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة