مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

الرسول صلى الله عليه وسلم صابرًا

سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم · الدرس 13 من 45 · 27 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. التأسي بالنبي ﷺ في مقام الصبر واقترانه بصفة الشكر
  2. الأمر الإلهي بالصبر ومكانة الصابرين وفضل الصبر بالله ولله ومع الله
  3. جزاء الصابرين بغير حساب ومراتب الصبر بالله ولله ومع
  4. صبر النبي ﷺ على يتمه وفقد والديه وأولاده وعبرات
  5. صبره ﷺ على شدة الوعك والوجع واستشهاد حمزة وقوله
  6. صبره في الدعوة ويوم الطائف وعفوه
  7. عصمة الله لرسوله وشمول صبره لأقسام الصبر الثلاثة والدعاء
التفريغ النصي الكامل للدرس

التأسي بالنبي ﷺ في مقام الصبر واقترانه بصفة الشكر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾2. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله جل وعلا وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا وعونه مع هذه السلسلة ﴿إِلَّا﴾ وهي هكذا كان ﷺ أو.

إن شئت فقل وقفات مع قول الله جل وعلا ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾3 وقد تحدثت إليكم يا أيها الإخوة الكرام في الخطبة الماضية عن الرسول ﷺ شاكرًا واليوم أتحدث عن قرين الشكر ﴿إِلَّا﴾ وهو الصبر فالحديث بإذن الله جل وعلا عن الرسول ﷺ صابرًا كيف صبر صلوات الله وتسليماته عليه.

الأمر الإلهي بالصبر ومكانة الصابرين وفضل الصبر بالله ولله ومع الله

وقد أمره ربه جل وعلا بالصبر في مواضع كثيرة ومواطن عديدة من كتاب الله عز وجل حتى في بعض المواضع التي ربما يظن ظان أن الأمر فيها سيكون بالشكر يأتي الأمر بالصبر لنكتة جليلة وحكمة بليغة فربنا سبحانه وتعالى، الملائم والموافق لذلك، أن يأمره بالشكر لأنه أمره بذلك بعد بيان إنزال القرآن وهو نعمة جُلَّى أنعم الله بها على النبي ﷺ

لكن الله يأمره حتى بعد ذكر النعم بالصبر لأن النعم كما تحتاج شكرًا تحتاج صبرًا وليبين لنبيه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه في هذه الحياة يبتلى ويبتلى ويبتلى، ولم لا وهو إمام الهدى صلوات الله وتسليماته عليه. وقد قال سفيان رحمه الله، في قول ربنا ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾4. قال لما كانوا أو لما أخذوا برأس.

الأمر جعلهم رؤساء فلما أخذوا برأس الأمر وهو الصبر واليقين صاروا رؤساء وأئمة في الدين وﷺ هو إمام الأئمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك فقد صبر الصبر الجميل صلوات الله وتسليماته عليه حقق الصبر في أعلى معانيه وأسمى أوصافه صلوات الله وتسليماته عليه عباد الله.

إن الصبر والشكر قرينان لذلك قال عدد من أهل العلم الصبر نصف الإيمان والشكر نصفه الآخر. وقد جاء مرفوعًا إلى النبي ﷺ الصبر نصف الإيمان إلا أنه لا يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ وإنَّما صح عن ابن مسعود رضي الله عنه «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله» اليقين هو الإيمان كله فأمر الله عز وجل نبينا ﷺ بالصبر في غير ما موضع، وكذلك سُئل ﷺ كما في حديث جابر رضي الله عنه سُئل عن الإيمان.

فقال الصبر والسماحة «سئل عن الإيمان فأجاب: الصبر والسماحة». وذلك أنَّ الواحد فينا، يا أيها الإخوة الكرام، إمَّا أن يؤمر بشيء يبذله وهو فعل الطاعات. وهذا يحتاج إلى سماحة وإمَّا أن يُنهى عن شيء وأن يؤمر بتركه. فهذا يحتاج إلى الصبر فجمع ﷺ بين الأمرين. فقال الصبر والسماحة. وقد جمع بينهما النبي ﷺ عليه وآله وسلم الصبر وما أدراك ما الصبر ذو مكانة عالية قد ورد ذكره في القرآن الكريم في مواضع كثيرة في نحو تسعين موضعًا كما ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى أثنى الله على الصابرين وبين، أن جزاءهم غير محدود.

جزاء الصابرين بغير حساب ومراتب الصبر بالله ولله ومع

فقال ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾5. بل بين الله جل وعلا. وقال ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾6. وبين الله سبحانه وتعالى، وصدق القائل إذ قال: والصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته، لكن عواقبه أحلى من العسل بفضل الله جل وعلا فللصابرين المعية والتأييد والنصرة من الملك المجيد سبحانه عز وجل إن الله مع الصابرين، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾7. وكذلك فالله جل وعلا يحبهم قال سبحانه ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾8.

ونهى عن ترك الصبر وذمه وهو الجزع ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ﴾9 جعلنا الله منهم بمنه وكرمه حتى لا أطيل عليكم فالصبر يكون صبرًا بالله ويكون صبرًا لله ويكون صبرًا مع الله والممنوع هو الصبر عن الله أو على الله. ولذلك قالوا «والصبر يُحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يجمل» الصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنَّه لا يجمل الصبر بالله، أي: الذي يعينك مع شدة البلاء الذي أنت فيه ومع كثرة الكربات التي تقع لك هو الله سبحانه وتعالى، فاستمد الصبر منه واطلب المدد منه فإنَّه نعم المعين ونعم المولى ونعم النصير سبحانه جل وعلا صبر بالله إذا ظننت أن مشكلة كبيرة ستقع لك أو ستقع بك وكذلك إذا شعرت بمصيبة قد وقعت عليك وبأزمة لا تستطيع حلها فقل الله هو الذي يعين وهو الذي يمد ومَنْ يتصبَّر يصبِّره الله واطلب من الله ذلك.

فالصبر عطاء لا ينفد وكنز قوي وجند لا يكبو بفضل الله سبحانه وتعالى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام، «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» فالذي يُعطى الصبر، فالإنسان إذا صبر عن شهوته يُسمَّى هذا بالعفة وإذا صبر في مواضع القتال يقال لذلك شجاعة وإذا صبر عن إطلاق غضبه يقال له: حلم ويجمع ذلك كله اسم الصبر، ومن ثم فاجعل صبرك لله لا ليُثنى عليك، ولا لتُمدح لذلك أمر الله نبيه ﷺ

فقال ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾10. ولم يقل فاصبر لربك وإنَّما قال ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والقصر كما يقول أهل البلاغة أي: ولربك وحده فاصبر ففي كل موضع قيل لك افعل أو اترك فإنَّك تفعل أو تترك كما يريد رب العباد سبحانه وتعالى، الصبر مع الله وقوف مع البلاء بحسن الأدب كما قال بعضهم: وهكذا كان ﷺ وأما الصبر الذي لا يصح فالصبر عن الله من يصبر عن ربه من يستغني عن الأنس بالله جل جلاله من يصبر عن حلاوة الإيمان.

نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين به وله ومعه لا من الصابرين عليه

صبر النبي ﷺ على يتمه وفقد والديه وأولاده وعبرات

ونبيكم محمد صلوات الله وتسليماته عليه قد ضرب أروع الأمثلة في باب الصبر ابتُلي ﷺ، إن شئت فقل ابتُلي في كل شيء إلا في أن يصاب في دينه ﷺ لذلك كان يدعو ربه: «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا» وحتى لا تظن أنني أبالغ في ذلك فأقول له: ضع أي نوع من أنواع الابتلاءات أمامك أو نصب عينيك وسل عنه أوقع مثله للرسول ﷺ؟؟ فإني أجيبك بوضوح وجلاء قد وقع أكبر منه للنبي ﷺ قد يُبتلى الواحد منا بفقد أبويه، ابتُلي ﷺ بفقد أبويه قد يبتلى أحدنا بفقد أبيه أو بفقد أمه.

أما هو فقد ابتُلي ﷺ بفقد أبويه، ومنذ صغره، بل لم ير أباه أصلًا وماتت أمه وهو حَدَثٌ صغير صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل ابتلي في أمر أخطر وأشد ﴿إِلَّا﴾ يسمع كلمة الإيمان من أبويه. وهذه جدًّا خطيرة. وقال الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾11. وقال ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾12. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في مسلم قال استأذنت ربي المباركة الطيبة الزاهدة المؤمنة خديجة بنت خويلد رضي الله عنه عنها كذلك ابتُلي بفقد أولاده جميعهم باستثناء فاطمة رضي الله عنها التي علم أنها ستكون أول أهله لحوقًا به ﷺ هو ﷺ الذي يباشر وفاة أولاده، ولما ماتت زينب رضي الله عنها قام ﷺ وفاضت عيناه.

وقال: منكم من لم يقارف الليلة؟ أو هل منكم أحد لم يقارف الليلة؟ فقام أبو طلحة وأمره بدفنها وعيناه تفيض بالدموع ﷺ تموت رقية وتموت زينب تموت أم كلثوم يموت القاسم ويموت كذلك إبراهيم ولد النبي ﷺ من ماريا ويبكي ﷺ ويقول مقولته المعروفة لديكم.

«إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا» ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾13. وفي لفظ «وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» يبتلى في أولاده ويبتلى في زوجه ويبتلى في أبويه. بل وتُتَّهم زوجُه الحَصَان الرَّزَان الصديقة بنت الصديق تبتلى وتتهم بما هي بريئة منه فتُرمى بالزنا والنبي ﷺ موجود بين ظهراني الناس ويصيبه من الغم والكرب.

صبره ﷺ على شدة الوعك والوجع واستشهاد حمزة وقوله

لكن الله أيَّده بالقريب وأيَّده بالغريب وبالعربي والعرابي والعجمي صلوات الله وتسليماته عليه يبتلى في ذلك كله وهو ثابت ﷺ بل ويُبتلى في صحته، فكان إذا مرض اشتد به الوجع حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه يقول له كما في الصحيحين يا رسول الله. وقد دخل عليه وبه وعك شديد قال له: يا رسول الله إنك لتُوعك وعكًا شديدًا.

فقال كما يوعك الرجلان منكم. فقال: ذلك أن لك أجرين قال ذلك كذلك «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» يوعك كما يوعك الرجلان من الأمة ﷺ فإذا مرض اشتد مرضه صلوات الله وتسليماته عليه ابتلي كذلك بفقد عمه الذي ناصره وأيده أبو طالب لم يؤمن لكنه كان يناصر الرسول ﷺ وما وُفِّق للإيمان وعمه أبو لهب خذله وعمه الذي ناصره من بداية الطريق وهو حمزة بن عبد المطلب قبل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، يقتل عمه أسد الله حمزة بن عبد المطلب في غزوة أحد وقُتل من المسلمين وقتها سبعون، أربعة وستون من الأنصار وستة من المهاجرين فلما جاء فتح مكة.

وقد قال بعض الصحابة والله لئن مكَّننا الله منهم لنُربِيَنَّ عليهم. إن مكننا الله من رقاب المشركين سنزيل وسنزيل مقابل ما صنعوا. وقد مثلوا بحمزة وغيره من أصحاب النبي ﷺ فلما كان يوم فتح مكة قال بعض الصحابة لا قريش بعد اليوم سنقضي على قريش كما أخذوا أموالنا وقتلوا أصحابنا.

فقال ﷺ لا تقتلوا إلا فلانًا وفلانًا وفلانًا ممن آذى النبي ﷺ وأحل الرسول دماءهم وأنزل الله عز وجل قوله بل فقال الرسول ﷺ «نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ» نصبر ولا نعاقب كما في حديث أُبيٍّ عند عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند وصححه الألباني أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

صبره في الدعوة ويوم الطائف وعفوه

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، ما البلاء الذي تريدون أن أحدثكم عنه لأقول لكم. إن الرسول ﷺ قد ابتلي بأشد ما يكون منه صلوات الله وتسليماته عليه. وأما إن تحدثت عن البلاء في الدعوة. فهذا حديث ذو شجون وحديث يطول ليس له منتهى والرسول منذ بداية دعوته إلى أن فارق الحياة وهو صابر ﷺ على الدعوة يصبر على الأذى فيها ويصبر على تبليغها ﷺ ورضي الله عن أم المؤمنين كما ثبت في الصحيحين حينما قالت: يا رسول الله واسمع تقول له يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشدّ عليك من يوم أحد هل أتى عليك يوم كان أشدّ عليك من يوم أحد نعم، يوم أحد يوم شديد كُسرت فيه رُباعية الرسول ﷺ وشُجَّ رأسه وسال الدم الشريف منه ﷺ

بل وأُشيع بين الناس أنه قُتل. لكن الله قد حفظه ﷺ هل أتى عليك يوم كان أشدّ عليك من يوم أحد وكأن بعائشة رضي الله عنها وهي تسأله هذا السؤال ما الذي يجيبها به رسول الله ﷺ وأمامه مشاهد كثيرة مشاهد عديدة. فقال لها واسمع العبارة ثم تفكر فيها لقد لقيت من قومك يا عائشة ما لقيت لقد لقيت يا عائشة من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة حينما عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال «فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ» فانطلقت وأنا مهموم.

وقد أرسل إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فسلَّم عليَّ ملك الجبال. ثم قال: يا محمد، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما شئت إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين الرسول عليه الصلاة والسلام، ترك مكة وخرج يدعو الناس بالطائف فلم يجد مؤازرًا، ولم يجد معينًا. بل إن السفهاء والأطفال قد تلقَّوه بالحجارة الدماء تسيل من قدميه ﷺ وها هو مُمكَّن، وملك الجبال يقول: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما شئت إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطَبِّقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فيجيب قائلًا ﷺ لا، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا ما تقولون في صبره؟ ما تقولون في المحن والابتلاءات؟ ألم يحاول المشركون؟ ألم يحاول اليهود القضاء على الرسول عليه الصلاة

والسلام، واستئصاله وإبادته

عصمة الله لرسوله وشمول صبره لأقسام الصبر الثلاثة والدعاء

والله قال له ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾14. صلى الله عليه وآله وسلم صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله صبر على الابتلاءات كلها لو شاء أن يكون ملكًا كان ملكًا لو شاء أن يُعطى الأموال أُعطي لو شاء أن يُعطى النساء أُعطي لكنه أراد الله والدار الآخرة، والجزاء له بفضل الله ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾15. اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتِّباعه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾16.

ولا تجعلهما ملتبسين علينا فنضل اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم قِنا الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلننا وما أنت أعلم به مني إنك «أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ» يا ذا الجلال والإكرام سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  3. آية: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 21 ↩
  4. آية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 24 ↩
  5. آية: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 10 ↩
  6. آية: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 35 ↩
  7. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 153 ↩
  8. آية: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 146 ↩
  9. آية: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا ۝ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا ۝ إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المعارج 19-22 ↩
  10. آية: ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ﴾ — كما ورد في الدرس: المدثر 7 ↩
  11. آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 56 ↩
  12. آية: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 272 ↩
  13. آية: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 156 ↩
  14. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 67 ↩
  15. آية: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — الزمر: 10 ↩
  16. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النحل 90 ↩

من سلسلة: سلسلة خطب : هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم (45 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة