مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء اليأس والقنوط من رحمة الله

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 66 من 96 · 29 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مقدمة الخطبة وداء اليأس والقنوط من رحمة الله
  2. التوازن بين الخوف والرجاء وسبق رحمة الله لغضبه
  3. الفرق بين اليأس والقنوط وتوبة المشرك والمذنب
  4. أجزاء الرحمة الإلهية وفتح باب التوبة والرجاء
  5. عقوبة المتألي على الله والنهي عن تقنيط العصاة
  6. المواظبة على الصلاة والحث على الاستغفار وفرح الله بالتوبة
التفريغ النصي الكامل للدرس

مقدمة الخطبة وداء اليأس والقنوط من رحمة الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4.

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله تبارك وتعالى وعونه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء وكنت قد تحدثت إليكم في الخطبة السابقة عن داء خطير يقع عند كثيرين أو يقع لكثيرين من الناس وهو قلة الخوف أو ضعف الخوف من الله سبحانه وتعالى والأمن مكره عز وجل.

التوازن بين الخوف والرجاء وسبق رحمة الله لغضبه

وهذا الداء. كما أنه خطير فيقابله داء كذلك خطير لا يقل خطورة عن ذلك وهو داء اليأس والقنوط من رحمة الله. قال الله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾6. ﴿يَحْذَرُ ٱلْءَاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟﴾ ٱلْأَلْبَٰبِ ربنا سبحانه وبحمده قد علمنا هذا الأمر أن نجمع بين الرجاء والخوف فنرجو ما عند الله ونخاف كذلك من عذاب الله سبحانه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (الأنبياء: 90)، وكانوا لنا خاشعين.

وقال الله ﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾7 ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾8 المسلم عليه أن يجمع بين الأمرين بين أن يكون خائفًا من الله يخاف أن لا يقبله الله يخاف أن يعاقبه الله لا يأمن مكر الله، وكذلك عباد الله.

إن الله سبحانه وتعالى جعل رحمته أسبق من غضبه فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال الله تعالى إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». وفي لفظ «إن رحمتي غلبت غضبي». فرحمة الله تسبق غضبه ورحمة الله تغلب غضبه. وهذا من فضل الله جل وعلا ورحمته عباد الله.

إن رحمة الله واسعة. لكن العبد العاقل هو الذي لا يغتر بذلك يرجو رحمة الله، مع العمل والجد والاجتهاد فهو يعلم، أن الله. كما أنه غفور رحيم فهو شديد العقاب قال سبحانه ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾9. وقد قال الحسن وغيره رحمهم الله. «إن قومًا غرهم حسن الظن بالله فماتوا، ولم يعملوا شيئًا يقولون نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل» لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل إن الذي يرجو رحمة الله، يعمل لذلك حتى يصل إلى رحمته سبحانه.

ولذلك قال الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾10. إذا أردت أن ترجو رحمة الله، فكن مؤمنًا ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. وقال سبحانه ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾11. ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: صورة ما شاء ركبك يا أيها الإخوة الكرام إننا حينما نقول علينا ﴿إِلَّا﴾ نيأس ذلك لأنَّ اليأس ممنوع قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا قول يعقوب عليه السلام إذ قال لبنيه ﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾12 (يوسف: 87) فالذي يقنط من رحمة الله، ولا يعتقد أن الله جل وعلا يفرج الكربات ويزيل الغموم.

الفرق بين اليأس والقنوط وتوبة المشرك والمذنب

إن ذلك يكون مستحقًا للعقوبة ﴿إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ﴾ ٱلْكَٰفِرُونَ. وقال أيضًا، ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾13 (الحجر: 56) فالذي يقنط من رحمة ربه ضال والذي ييأس من رحمة ربه جل وعلا كذلك ضال لذلك علينا ﴿إِلَّا﴾ نيأس وأن لا نقنط من رحمة الله، سبحانه وتعالى. وقد ذكر بعض أهل العلم، أن اليأس دون القنوط فالقنوط من رحمة الله، أخطر وأشد واليأس مقدمة له فاليأس أن يظن الإنسان، أن الله جل وعلا لن يرحمه وأن الله لن يغفر له. وأما القنوط فهو، أن يستمر على ذلك وأن يصر عليه ثم أخطر من ذلك، أن يسيء الظن بالله فيعتقد أن الله يثيب المسيء وأن الله جل وعلا يعاقب المحسن.

فإنَّ ذلك سيء الظن بالله. نسأل الله السلامة والعافية. لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ، هكذا علمنا ربنا جل وعلا. بل إن القنوط من رحمته كبيرة من الكبائر، من رحمة الله، وفضله، أن فتح لنا باب رحمته، وأن وسع لنا باب الرجاء، فهو ذو الفضل والإكرام والإنعام سبحانه عز وجل قال الله ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ، ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾1415.

إن الذنوب وإن كثرت فهي أشياء والله جل وعلا رحمته وسعت كل شيء فالله غفور رحيم كيف والله جل وعلا يتوب على المشرك إذا تاب إليه يتوب الله على المشرك الذي عبد غيره إذا تاب إليه قال سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ وَلَا16 يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، ﴿وَمَن يَفْعَلْ﴾ ذلك يلق أثامه ﴿يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ﴾ مهانه ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ ﴿عَمَلًا صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَـٰتٍ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا﴾ رحيمايبدل الله جل وعلا سيئاتهم حسنات لأنهم تابوا إلى الله وآمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات فإذا كان رب العباد سبحانه يتوب على المشرك إذا تاب إليه فكيف بالعبد المسلم الموحد الذي عصى الله جل وعلا بذنوب وإن كثرت لكنه على توحيد وهو يعلم ضعفنا ويعلم عجزنا قال الله وخلق الإنسان ضعيفًا وثبت عن نبيكم محمد ﷺ «كل ابن آدم خطاء».

وقال ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله عز وجل لهم». علم الله ضعفنا وعجزنا ففتح لنا باب التوبة إليه وباب الرجاء فيه وتصور أخي الكريم العبد فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ لو أمر بالأوامر ونهي عن نواهي ﴿وَقِيلَ﴾ له. إن خالفت في شيء. فإنَّ العذاب سيلحقك وليس ثمة مجال للتوبة ماذا سيصنع؟ الناس ولذلك من شر الموبقات، ومن أكبر الكبائر أن يسول الشيطان للإنسان ذلك فيقول له أتظن أنت أتظن، أن الله يتوب عليك أنت المجرم المسرف على نفسه أنت زنيت وسرقت وشربت الخمر ويقصد الشيطان بذلك أن يصده عن الله يقصد الشيطان بذلك أن يصده عن التوبة إلى الله والله قد فتح باب توبته. وقد فتح باب الرحمة لعباده سبحانه عز وجل.

بل إن النبي ﷺ قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ﷺ إن لله مئة رحمة. أن لله مئة رحمة. فأنزل منها في الأرض جزءًا واحدًا. فمنه يتراحم الإنس والجن والبهائم والهوام وبها يعطفون أو يتعاطفون ويتراحمون. فقال ﷺ «أترون هذه طارحة ولدها في النار» أترون هذه المرأة التي تهرول وتسرع حتى تجد ولدها فلما وجدته حملته وألزقته ببطنها لترضعه «أترون هذه طارحة ولدها في النار» لا يا رسول الله قال النبي ﷺ عليه وسلم فالله يفتح لنا باب الرحمة ليتوب المسيء وليتوب المجيد المحسن فالكل يحتاج إلى التوبة ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يا عبد الله يا من عصيت الله وأسرفت على نفسك من المعاصي والذنوب تب إلى ربك.

أجزاء الرحمة الإلهية وفتح باب التوبة والرجاء

فإنَّ رحمة الله واسعة وإن رحمه الله، قريب من المحسنين بادر بالتوبة إلى الرب الكريم كم من ذنب ارتكبته وسترك الله كم من خطأ اقترفته وحلم الله عليك هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، فباب التوبة مفتوح وباب الرجاء مفتوح. لكن الله جل وعلا إذ يأمرنا بالتوبة إليه وبالرجاء فيه علمنا أن نسعى إليه وأن نتوب إليه سبحانه وتعالى قال عز من قائل ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ لمن

﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أمَّا بعدُ:

فيا عباد الله، إياكم والقنوط من رحمة الله، لا تيأسوا من روح الله عجلوا بالتوبة إليه والأوبة إليه وإياك، أن تقنط مسلمًا من المسلمين لا تقنط أحدًا من رحمة الله، لا تقنط أحدًا من رحمة الله. فإنَّ رحمه الله، بيده لا بيدك ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًا﴾17.

عقوبة المتألي على الله والنهي عن تقنيط العصاة

وقد ثبت في سنن أبي داود وصححه الألباني من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي ﷺ قال كان في بني إسرائيل أخوان متواخيين بينهما أخوة وصداقة فكان أحدهما مجتهدًا، وكان الآخر مقصرًا فكان المجتهد يقول للمقصر دومًا أقصر. فقال له ذات مرة أقصر اترك المعصية. فقال له المقصر خلني وربي أبعثك الله عليَّ رقيبًا.

فقال له المجتهد والله لا يغفر الله لك وهو لا يملكها كيف يتألى على الله فقبضت أرواحهما فاجتمعا عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. فقال الله للمجتهد «أكنت بي عالما أم كنت على ما في يبي قادرا» أهلك الدنيا هو أخرى لأنه تألى على الله وقنط الناس من رحمة الله، سبحانه وتعالى وثبت في الصحيح أيضًا قال الله «أين المتألي على الله اذهبوا به فالقوة في النار» أين المتألي على الله

لا تحكم على الناس بأن الله لا يرحمهم، وأن الله لن يغفر له. فهذا ليس إليك. بل الله جل وعلا هو الذي يغفر ويعاقب، وهو الذي يعطي ويمنع، مالك الملك ذو الجلال والإكرام. عباد الله أقبلوا على ربكم، ولا تغتروا بواسع رحمته فالله وهو واسع الرحمة شديد العقاب ارجُ رحمة ربك بالعمل فرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور العبد المغرور هو الذي يصر على المعصية، والله يستره، والله يستره، ويمهله.

ومع ذلك يظن، أن الله يحبه، فيتمادى في معصيته، ولا يرعوي عن غيه. وأما حسن الظن بالله فهو الذي إذا أخطأ خطأ أو أذنب ذنبًا بادر بالتوبة. وقال يا رب تب عليَّ «يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظمه». إن كان لا يرجوك إلا محسن فيستجير بربه ويتوب إليه فيرعوي عن غيه والله - تبارك وتعالى غفور رحيم والإمام الشافعي أبو عبد الله ناصر السنة الفقيه العابد العالم حينما توفي أو قبل وفاته رحمه الله، دعا ربه فتقرب إلى الله بعظيم عفو الله سبحانه.

وقد قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، مت على حسن الظن بالله، من حسن الظن، أن تعمل، وأن تجد، وأن تجتهد، وأن تسأل الله عز وجل العفو والرحمة. عباد الله، كلنا خطاؤون، وليس منا أحد يسلم من الخطأ، فلنبادر بالتوبة إلى الله، ولا نغتر بأعمالنا، ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾18 فلا تقنط من رحمة الله، ومن باب اليأس المذموم أيضًا إخوة الكرام أن ييأس الإنسان من فرج الله.

فإنَّ المؤمن العاقل لا ييأس من رحمة الله، فإذا ابتليت وأصبت بمصيبة ابتليت في جسدك أو في ولدك أو في مالك فارجع إلى ربك واعلم، أن الله يفرج كربتك ويزيل غمتك ﴿إِلَّا﴾ تكن من أمثال هؤلاء ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً﴾. وقد قال عز وجل ف

المواظبة على الصلاة والحث على الاستغفار وفرح الله بالتوبة

من أعظم الأبواب وأجلها. بل هو أجلها بعد توحيد الله، أن تواظب على الصلاة أدم على الصلاة هذا بداية الطريق.

وهذه بداية التوبة، أن تسجد لربك، وأن تعلن ذلك وافتقارك لله، واسجد واقترب، تب إليه، وتضرع إليه، وقل يا رب تب عليَّ، قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبي ﷺ قال أذنب عبد ذنبا. فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب وهو آخذ به ثم أذنب ذنبا.

فقال: يا رب اغفر لي ذنبا. فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ثم أذنب ذنبا. فقال: يا رب اغفر لي. فقال الله علم عبدي أن له ربا يغفر الذنوب ويؤاخذ به اعمل ما شئت فقد غفرت لك والمعنى ما زال إذا دام على التوبة، إذا استمر على التوبة والتضرع إلى الله. فإنَّ الله جل وعلا يتوب عليه عد الله.

إن النبي ﷺ قال كما عند الطبراني حسنه الألباني قال إبليس يا رب يقول إبليس لا أزال أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. وقال ﷺ كما لا يخفى عليكم وهو في الصحيحين لله أفرح بتوبة أحدكم من رجل كان على راحلته بأرض فلاة فذهبت عنه راحلته وقد أيس منها وعليها طعامه وشرابه فجلس في ظل شجرة وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك فإذا هو بها قائمة عنده رجل في الصحراء ضلت راحلته وعليها الطعام والشراب جلس ينتظر الموت فإذا هو براحلته قائمة عنده فقال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح فالله أفرح بتوبة عبده من هذا بما وجد إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ فالشاهد أقبلوا على الله، ولا تغتروا كونوا من ذوي حسن الظن بالله، ولا تكونوا من المغرورين.

نسأل الله أن يرحمنا برحمته الواسعة اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها، أنت خيرُ مَن زكَّاها، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم احفظ مصرنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ اللهم اجعل مصرنا في رخاء يا ذا الجلال والإكرام اللهم أصلح ولاة أمورنا وخذ بنواصيهم للبر والتقوى سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. أَقِمِ الصلاة

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  3. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  5. آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
  6. آية: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 36 ↩
  7. آية: ﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 56 ↩
  8. آية: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓ﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 57 ↩
  9. آية: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 49-50 ↩
  10. آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 218 ↩
  11. آية: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ خَلْقًا مِّنۢ بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَـٰتٍ ثَلَـٰثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 6 ↩
  12. آية: ﴿يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 87 ↩
  13. آية: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجر 56 ↩
  14. آية: ﴿۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 53 ↩
  15. آية: ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 53 ↩
  16. آية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثامه يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانه إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا رحيما﴾ — الفرقان: 68-70 ↩
  17. آية: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًا﴾ — كما ورد في الدرس: الإسراء 100 ↩
  18. آية: ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ ۗ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ — كما ورد في الدرس: إبراهيم 34 ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • آية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 90

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة