داء الغيبة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقدمة الخطبة وخطورة آفات اللسان والغيبة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾1
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله وإياكم البدعة والضلالة والنار كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ولا يزال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا ومنته وكرمه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء أذكر فيها الداء ثم أتبعه بالدواء كما جاء مبينًا في كتاب الله، وفي سنة الصادق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد تحدثت إليكم يا أيها الإخوة الكرام منذ فترة عن داء قلة اللسان وعدم حفظه وتبين لنا أن خطر اللسان خطر عظيم فاللسان جِرمه صغير إلا أن جُرمه كبير واليوم. إن شاء الله جل وعلا أتحدث عن آفة من آفات اللسان هذه الآفة سبب في إهلاك الأمم والمجتمعات وتدميرها والقضاء عليها تبث النفرة والفرقة بين صفوف المسلمين حذرنا منها ربنا وكذا نبينا صلوات الله وتسليماته عليه وما أحوجنا يا أيها الإخوة الكرام وكما قال بعضهم.
تعريف الغيبة والفرق بينها وبين البهتان
إن السلامة من هذا الداء عزيزة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ من يسلم من داء الغيبة. نسأل الله أن يسلمنا من الأمراض كلها وسينحصر هذا الحديث حول هذا الداء في نقاط رئيسة منها تعريف الغيبة وبيان حقيقتها ثم التحذير منها كما جاء في كتاب الله، وفي سنة الصادق رسول الله الغيبة يا أيها الإخوة الكرام اسم من الاغتياب يقال اغتاب فلان يغتاب اغتيابًا والاسم غيبة وهكذا الغيبة بالكسر لا بالفتح كما يقول بعض الناس غيبة فالغيبة من غاب يغيب فيما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم قال «أتدرون ما الغيبة»
فقالوا الله ورسوله أعلم. فقال صلى الله عليه وآله وسلم «الغيبة ذكرك أخاك بما يكره فقيل أرأيت إن كان في أخي ما أقول أرأيت يا رسول الله. إن كان في أخي هذا الذي أقوله فيه. فقال ﷺ: إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته. فالنبي صلوات الله وتسليماته عليه سأل أصحابه هذا السؤال المباشر أتدرون ما الغيبة
وذلك ليشوقهم لسماع الخبر حتى يعتنوا به ويحذروا من الوقوع فيه. فقالوا الله ورسوله أعلم فأجاب ﷺ ذكرك أخاك بما يكره أي: هذا هو تعريف الغيبة، أن الغيبة لا تكون إلا في من هو بريء مما ترميه به فﷺ أزال هذا الإشكال حينما قيل له أرأيت إن كان في أخي ما أقول
قال: إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته. فأنت إذا ذكرت أخاك بما يكره. وهذا الذي تذكره به هو واقع فيه أنت مغتاب له أيضًا وإن كان سالما من ذلك. فهذا بهتان وهذا يعني: أنَّ هناك البهتان وأن هناك الغيبة ذكرك أخاك بما يكره في بيان حقيقة الغيبة أطلق النبي ﷺ فيدخل في ذلك، أن تذكر أخاك بما يكره بقول أو فعل أو بتنقص منك له في دين أو بدن أو مال وما إلى ذلك كل ذلك يدخل في غيبتك له فعلى ذلك لو أنَّ إنسان قال في آخر قولًا يعلم، أن أخاه لو سمعه لكرهه.
فإنَّ هذه غيبة. فإنَّ قلت: عن فلان إنه بخير وتتنقصه بذلك وهو بخير فأنت بذلك مغتاب له وإذا قلت: عن فلان فيه كذا وكذا. وهذا الوصف فيه وهو يكره، أن يذكر به فأنت مغتاب له سواء ذكرت ذلك بمقالك أم ذكرته بأفعالك أم ذكرته بتعريض ونحو ذلك لكنه يفهم منه التنقص وها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في مرة من المرات.
وقد ذكرت أمامها صفية رضي الله عنها. فقالت للنبي ﷺ ماذا عن صفية إنها هكذا تقصد قصيرة والحديث حسن رواه الترمذي وغيره هكذا تشير، ولم تتكلم في بعض الروايات. فقال النبي ﷺ عليه وعلى آله وسلم لقد قلت كلمة، لو مزجت بماء البحر لمزجته، أو لو اختلطت بماء البحر لنجسته أو لعكرت صفوته». نسأل الله السلامة مع أنَّ هذه بالإشارة فلو ذكر أمامك فلان أو ذكرت فلان وقلت فلان وتقصد بذلك التنقص منه لكونه قصيرا أو فلان لأنه سمين أو فلان لأنه طويل تقصد بذلك التنقص.
فإنَّ ذلك من الغيبة المحرمة. نسأل الله السلامة والعافية. بل ويدخل في الغيبة كما ذكر أهل العلم التعريض الذي يفهم منه التنقص كما لو ذكر أمامك فلان فتقول. نسأل الله العافية. نسأل الله السلامة أو ذكر أمامك فقلت الله المستعان فأنت حينما تقول الله المستعان أو تقول كما يقول بعض الناس الله سهله ويقصد بذلك التنقص من قدره.
فإنَّ ذلك من الغيبة المحرمة التي حرمها الله وحرمها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيستوي في ذلك ذكرك لأخيك ما يكرهه بقولك أو فعلك أو بإشارة من الإشارات يفهم منها التنقص لهذا الشخص كل ذلك مما حرمه الله وحرمه رسول الله ﷺ وقد قال الله جل وعلا: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ﴾6.
إن7 بعض الظن. إذن ولا تجسسوا
بشاعة أكل لحم الميت وعقوبة المغتابين
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾. أيحب أحدكم، أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فكرهتم ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾. إن الله تواب رحيم. فقال الله جل وعلا. وهذا نهي والنهي يقتضي التحريم كما هو معلوم. ثم قال الله جل وعلا: مبينًا بشاعة من يفعل ذلك، أن يحب أحدكم، أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا في البداية هل يحب واحد منا الجواب لا.
هل يرضى واحد منا أن يأكل لحم إنسان حيا كان أو مَيِّتا مسلمًا كان أو كافرًا الجواب لا. فكيف لو كان المأكول مسلمًا لا شك أن الأمر أشدّ وكيف لو كان مَيِّتا لا شك أن الأمر أشدّ وأشد فجاء تصوير المغتاب في هذه الصورة البشعة أيحب أحدكم، أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد في مسنده وهو حسن من حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم قال: «مررت ليلة عرج بي بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم».
«مررت ليلة عرج بي بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم». فقلت يا جبريل من هؤلاء الذين يفعلون ذلك. فقال: «هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». نسأل الله السلامة كل ذلك ذماً للغيبة وبيانًا لقبحها وتحذيرًا للمسلمين من الوقوع فيها هذه حقيقة الغيبة يا أيها الإخوة الكرام، أخي الكريم «ذكرك أخاك بما يكره» وكما قال بعضهم: الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب التصديق بالغيبة غيبة إذا لم تغتب أحدًا ولكنك جلست في مجلس اغتاب فيه بعض الناس غيرهم فسكت وصدقت على كلامهم، ولم تذب عن عرض أخيك فأنت مشارك لهم في ذلك.
ولذلك إذ أتحدث عن الغيبة فالمراد توقيها وتوقي المجالس التي تثار فيها هذه الأمور وعدم الجلوس في تلك الأماكن لأنَّ الغيبة صارت لدى كثير من الناس فاكهة لهم صارت الفاكهة التي يتسامر الناس بها والتي يأكلونها ويدورون حولها في مساكنهم ومجالسهم. نسأل الله السلامة والعافية.
بواعث الغيبة وفضل الذب عن أعراض المسلمين
وإذا سألت أخي الكريم فقلت وما أسباب الغيبة وما البواعث عليها ما الذي يحمل الناس على الغيبة والوقوع في هذا الداء العضال والمرض الفتاك فالجواب لذلك بواعث كثيرة وأسباب عديدة منها الحسد إنسان يحسد أخاه، لذلك هو يغتابه، لا يريد أن يذكر فلان بخير، يريد أن يرد وأن يبطل هذا الخير الذي قد انتشر بين الناس، فمن ثم هو يغتابه.
ومن ذلك الحقد. ومن ذلك أيضًا إرادة العبد أن يترفع على الناس، إنسان يريد أن يكون أفضل من غيره فهو يتنقص من غيره ليكون مساويًا له أو ليكون هذا المغتاب أدنى منه درجة ونسي المسكين، أن الله رافعه وأن الله ناصره وأن الغيبة سبب في هلكة العبد في العاجل والآجل. نسأل الله السلامة والعافية. ومن ذلك وهو يريد أن يبقى معهم وأن لا يستوحش منهم فيصبر على ما يصنعون بأخيه ويسكت، ولا يرد غيبة أخيه.
وهذا محرم. وقد قال النبي ﷺ: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». الذي يرد عن عرض أخيه ويذب عن عرض أخيه يرد الله جل وعلا النار عن عرضه عن وجهه يوم القيامة الله الله في المسلمين الله الله في الناس لا تغتاب المسلمين، ولا تجلسوا في مجالس المغتابين. وقد قال ﷺ كما في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أنه ﷺ قال: «يا معشر ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه» «لا تغتاب المسلمين ولا تتبع عوراتهم، فإنَّ من تتبع عورة المسلمين تتبع الله عورته، ومَنْ يتتبع الله عورته يفضح ولو في قعر بيته».
لا تغتاب مسلمًا ، ولا تتبع عورته فإنَّك. إن فعلت ذلك فضحك الله في الدنيا قبل الآخرة. فهذا كذلك من الأسباب التي تبعث الناس على الغيبة، ومن البواعث على الغيبة حب الدنيا وحب الوصول إلى المناصب فهو يغتاب الناس ليظهر بمظهر المتفوق أو الفائق عليهم الذي نال رتبة لم ينل هؤلاء فحينئذ يقدم ويؤخرون ويتوج ويبعدون وهيهات هيهات وإذا سألت أخي الكريم فقلت وكيف العلاج
علاج الغيبة والحذر من ضياع الحسنات
كيف أداوي نفسي من هذا الداء أقول إن من أعظم الجهاد جهاد النفوس قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾8. وقال ﷺ كما في حديث فضالة رضي الله عنه «المجاهد من جاهد نفسه في الله عز وجل». من أعظم الجهاد أن تجاهد نفسك وأن تكبح جماح شهواتك ونزواتك وهواك وأن تقدم رضا الله، مولاك، سبحانه وتعالى فمن أعظم العلاج أن تعلم، أن الله مطلع عليك ناظر إليك سامع لكلامك ومقالك وربما آخذك بذلك ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾9 قال وهيب رحمه الله، «والله والله لأن أسلم من الغيبة أحب إلى من أن فق جبلا من الذهب» إنسان ينفق جبلا من الذهب يصير العبد مفلسًا بسبب غيبته لأنه لم يتحلل.
بل اغتاب المسلمين وحينئذ يأخذون من حسناته حتى تنقص الحسنات فإذا فنيت الحسنات أخذ من سيئات المظلومين فطرحت عليه فطرح في النار. نسأل الله السلامة والعافية. علمك، أن تلك الحسنات التي تحصلها قد تذهب سدى. وقد تذهب هباءً منثورًا فمن حصل حسنة أجدر به وأليق أن يحفظ حسنته ورحم الله أئمتنا قال الحسن رحمه الله.
وقد قال له رجل بلغني أنك تغتابني. «سبحان الله لست عندي بتلك المنزلة التي أجعلك تتحكم فيها في حسناتك» أو تتحكم بها في حسناتي الذي تغتابه يتحكم في حسناتك يأخذ منها حتى ينقصها. بل حتى يذهبها فكيف أجعلك تتحكم في حسناتي. وقال آخر وهو ابن المبارك رحمه الله، «لو كنت مغتابا أحدًا لغتبت والدي لأنَّهما أحب الناس إلي لأنك حينما تغتاب تهدي الحسنات» إلى مَن تغتابه فإذا كنت مهدي الحسنات فإلى من تعطي تعطي لأبويك خير من أن تعطي لغيرهما أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ:
فيا عباد الله، مما يعينك على ترك الغيبة علمك بتحريمها قال بعض العلماء: والله منذ أن عقلت أن الغيبة محرمة ما اغتبت أحدًا أنت تعرف أن الغيبة حرام فكيف تسول نفسك لك، أن تكون من المغتابين. نسأل الله السلامة لا تغتاب أحدًا إذا علمت أن الغيبة محرمة. بل هي عند كثير من العلماء من الكبائر كبيرة من الكبائر تُوبِق صاحبها وتدخله نار جهنم أعاذنا الله منها بمنه وكرمه فلا تكن من المغتابين، ولا تجعل نفسك من أهل النار نعوذ بالله من النار إذا علمت أن الله يسمعك وينظر إليك ومحاسبك على الكلمة التي تتكلمها فإنَّك تعد لكل لفظة جوابًا ماذا قدمت لغدي ماذا أقول لربي غدًا ماذا أقول لربي إذا وقفت بين يديه.
ولذلك كان نبيكم ﷺ كما قالت عائشة رضي الله عنها كان يتكلم بالكلام لو عدَّه العادُّ لأحصاه لو أنَّ رجلًا عد كلمات ﷺ لاستطاع أن يحصيها له كلمات معدودة يعرف ما يقول يعرف أن الكلمة التي تخرج من فمه سيحاسب عليها، وكان بعضهم يمر به العام والعامّان. بل تمر به السنوات الطويلة، ولا يسمع منه ولا في مجلسه غيبة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾10 عود نفسك الخير لا تخالط الطالحين إذا جلست في مجلس فذكر الجالسين بالله.
فإنَّ ذكر الله دواء وذكر الناس داء إذا أكثرت من ذكر الله كنت صاحب شفاء ودواء وإذا أكثرت من ذكر الناس وقعت في القيل والقال ووقعت في المحذور والغيبة. نسأل الله السلامة والعافية. تجنب ذلك كله تجنب أن تكون من أهل الويل. وقد جاء في بعض الروايات في الرجلين الذين رآهما ﷺ يعذبان في قبريهما.
«أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة، وفي رواية كان يغتاب الناس» فلأنه كان يغتاب الناس عُذِّب في قبره واغتابت الزوجة زوجها فتجلس الزوجة إلى غيرها من النسوة فتقول إن زوجي يفعل ويفعل، وفيه صفة كذا وكذا مما يكرهه الزوج فهذه غيبة وكذلك يجلس الزوج مع الآخرين فيقول: امرأتي تصنع وتصنع وتصنع وتفعل وتفعل.
وهذا كله مما تكرهه المرأة. فهذا كذلك من الغيبة المحرمة والمسلم من سلمه الله والموفق من وفقه الله جل وعلا عود لسانك على الخير لا تتكلم بكلمة تعتذر منها إذا قلتَ كلمةً زِن تلك الكلمة. فإنَّ الكلمة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تتكلم بها أنت سيدها ومالكها فإذا خرجت منك ملكتك وصارت حكمًا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سبحانه جل وعلا يا أيها الإخوة الكرام.
المواضع المستثناة التي تباح فيها الغيبة
وقد يقول قائل هل يجوز الاغتياب في بعض الأحيان هل تباح الغيبة في بعض الأوقات والجواب نعم إذا كان ذلك لغرض صحيح لا يتم المقصود إلا به فحينئذ تجوز الغيبة وتكون مباحة مرخصًا فيها على قدر الحاجة. ومن ذلك باب التظلوم إذا كان العبد مظلومًا وفعل بي كذا وكذا. فهذا لا بأس به ولا بأس منه. بل ولو ذكر الظالم بالذي فعله دون اعتداء منه فهذه ليست من الغيبة قال الله جل وعلا: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾11.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. وقال ﷺ: «لي الواجد وفي لفظ مَطْلُ الغنيِّ ظلم يحل عرضه وعقوبته إنسان مماطل إنسان لا يرد الحقوق بل يأكل الأموال فسئلت عنه فتقول فلان ظلمني فلان أكل مالي هذا لا بأس لي وليس هذا من الغيبة المحرمة وإن عفوت مع الإصلاح فهو أفضل ولكن بشرط ﴿إِلَّا﴾ تزيد في الكلام وألا تقول كلامًا ليس فيه فمثلًا إذا كان فلان مماطلًا ومشكلته مشكلة». مالية فلا تتعرض له في عرضه فلا تقول مثلًا إن في ابنته كذا إن في زوجته كذا هو صفته كذا وكذا مما ليس لك حق فيه. فإنَّ هذا من المحرمات، وكذلك من الغيبة التي يترخص فيها، ولا يمتنع منها إذا استعان بغيره على ترك المنكر وإزالته مثلًا شاب يشرب المخدرات شاب يؤذي الناس وأنت لا تستطيع أن تدفعه عن ظلمه لكنك إذا أخبرت غيرك استطاع أن يدفعه وأن يمنعه كما لو قلت: لأبيه فلو ذكرت لأبيه ذلك وقلت إن ابنك يفعل كذا وكذا.
فإنَّ هذه ليست من الغيبة، وكذلك من الأبواب التي ترخص فيها الغيبة، ولا يُعدُّ ذلك من المحرمات: أبواب الشهادات ونصح الناس وبيان الحقوق. فإنَّ هذا ليس من الغيبة في شيء كما لو سألك سائل. وقال لك فلان تقدم لابنتي هل أزوجها له وأنت تعرف أن فلان سيء الأخلاق، وأنه معروف بالغش والكذب، وأنه لا يحب الله، فدله وانصحه، ولا تغشه، ولا تقول أخاف أن أكون مغتابا، كلا الرسول عليه الصلاة والسلام، لنحذر من روايته أو فلان مبتدع لنحذر من شره ومن بدعته.
فإنَّ بيان ذلك ليس فيه حرج. بل هو من الدين كما لا يخفى. ومن ذلك يا أيها الإخوة الكرام ما إذا كان الإنسان مشتهرا بالفسق أو بالبدعة فلا بأس أن ينبه على ذلك ليحذر الناس من شره ولكن هذا فيما ظهر لا فيما استتر كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم ويدخل في ذلك أيضًا باب التعريف كما لو كان فلان لا يعرف بين الناس إلا بصفة معينة فلان عنده عرج تقول لهم محمد يقول لك: من محمد تقول محمد إن فلان يقول أعرفه فلان الذي يعمل كذا يقول لا أعرفه فتقول فلان الأعرج فيعرفه الناس أو فلان.
إن فلانة لأنه اشتهر بين الناس بأمه لا بأبيه فإذا قصدت بذلك التعريف لا للانتقاص. فإنَّ ذلك ليس من الغيبة المحرمة يا أيها الإخوة الكرام في الختام أقول اعلموا اعلموا أنكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ موقوفون وأن تلك الكلمات التي تخرج من الأفواه ربما كانت سببًا في ارتفاع الدرجات وربما كانت سببًا في انحطاط الدركات تكلم بالخير تغنم واسكت عن شر تسلم؛ وإلا فسوف تندم، لسانك لسانك احذره؛ وإلا أهلكك هذا اللسان يحتاج إلى سجن يحتاج إلى أن تسجنه وأن لا تطلقه إلا فيما يرضي الله أوصى ﷺ عقبة.
فقال له «أملك عليك لسانك». وفي رواية «أمسك عليك لسانك». «وليسعك بيتك وابك على خطيئتك». وقال ﷺ أيضًا «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه — وهو الفرج — أضمن له الجنة». فاتقوا الله يا أيها الإخوة الكرام في ألسنتكم، وفي بطونكم. نسأل الله أن يرزقنا الحلال الطيب اللهم آتِ نفوسنا تقواها وزكيها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم آتنا في الدنيا حسنة اللهم أصلح ولاة أمورنا اللهم هيئ لهم بطانة الخير التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه يا ذا الجلال والإكرام اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم ارزقنا الإخلاص والقبول والعمل بما نقول اللهم فرج كرب إخواننا في سوريا أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 12 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجْتَنِبُوا۟ كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا۟ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 12 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ — كما ورد في الدرس: ق 18 ↩
- آية: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُۥ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 10 ↩
- آية: ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 148 ↩
من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- وقفات مع قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن..... خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- الحديث السابع والثلاثون الترغيب لفعل الحسنات
- وقفات مع قوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجرو وجاهدوا...... خطبة الجمعة للشيخ الدكتور محمد حامد
- حفظ اللسان
- أهمية الأدب: الدرس الأول من سلسلة الآداب الإسلامية
- يا أيها الناس اعبدوا ربكم الجزء الأول