مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

داء التسول

سلسلة خطب الداء والدواء · الدرس 22 من 96 · 28 دقيقة · الخطب المنبرية

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. مصارف الزكاة والتحذير من داء التسول الممقوت
  2. حرمة مسألة الناس بلا ضرورة وعقوبتها الشديدة
  3. نماذج التعفف النبوي وبيعة الصحابة على ترك المسألة
  4. حث الإسلام على الكسب الحلال وتحريم المسألة للقوي
  5. الأصناف الذين تحل لهم المسألة وحد الغنى الشرعي
  6. وجوب التوكل على الله وبركة التعفف وقبول العطاء بعزة
التفريغ النصي الكامل للدرس

مصارف الزكاة والتحذير من داء التسول الممقوت

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾12

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾34. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ5 وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾6. أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم [تُراجع الزيادة من التسجيل]، يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله جل وعلا وعونه بهذه السلسلة: سلسلة الداء والدواء وكنت قد حدثتكم في الجمعة السابقة عن داء منع الزكاة وتبين لنا، يا أيها الإخوة الكرام أن الذي يمنع الزكاة التي افترضها الله جل وعلا ومن المعروف.

يا أيها الإخوة الكرام أن الزكاة يستحقها أناس دون غيرهم. وقد ذكرهم الله جل وعلا في كتابه العزيز. فقال ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ7 وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾8. والله عليم حكيم فهناك من يستحق الزكاة، وهناك من لا يستحقها، وحديثي إليكم اليوم. إن شاء الله تعالى عن داء التسول، نعم. وهذه ظاهرة وللأسف الشديد قد بدت في المجتمع واضحة جلية، ونسأل الله السلامة والعافية.

حرمة مسألة الناس بلا ضرورة وعقوبتها الشديدة

حينما يدعى الناس إلى الزكاة وإلى التصدق، فليس في هذا ألبتة فتح لمجال التسول الممقوت سلمنا الله وإياكم. بل المؤمن عليه أن يتعفف عليه أن يتعفف عن سؤال الناس. فإنَّ سؤال الناس وطلب أموالهم لا يجوز إلا لصاحب ضرورة أو حاجة تقترب من الضرورة. وقد صرح غير واحد من أهل العلم بتحريم ذلك من عدة أوجه، من ذلك، أن الذي يفعل ذلك يظهر الشكوى من الله سبحانه فهو يشكو الله جل وعلا ويقول بي كذا وكذا ويظهر ذلك علنًا أمام الناس كذلك فالذي يفعل هذا يذل نفسه للناس، ولا يجوز في الأصل أن يُذِلَّ إنسانٌ نفسه لغير الله سبحانه وتعالى، في ذم التسول لمن لا يستحق ذلك وممن يطلبه بلا ضرورة، ولا حاجة وحرَّمت ذلك تحريمًا أكيدًا وبيَّنت أن الذي يفعل ذلك فإنما يسأل لنفسه جمرا من نار جهنم.

نسأل الله السلامة والعافية. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي ﷺ قال: «من سأل الناس أموالهم تكثُّرًا فإنما يسأل جمرًا من النار»9. فليستقل أو ليستكثر من شاء أن يستكثر من جمر جهنم فليستقل بكثرة سؤاله للناس. نسأل الله السلامة والعافية. هذا في حديث أبي هريرة، وفي حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، أنه ﷺ قال: «لا يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم».

يأتي يوم القيامة وليس في وجهه قطعة لحم هذا اللحم قد ذهب، ما الذي أذهبه الذي أذهبه سؤال الناس. نسأل الله السلامة والعافية. وقد أثنى الله جل وعلا على قوم من الناس هم ذوو حاجة. ومع ذلك يتعففون عن سؤال الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يتوجهون إلى الله وحده لا إلى غيره قال سبحانه ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾1011. ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا﴾ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ نعم الجاهل حينما يراهم لا يدقق النظر في رؤيته يحسبهم أغنياء لأنهم لا يسألون أحدًا.

نماذج التعفف النبوي وبيعة الصحابة على ترك المسألة

بل يحاول جاهدًا. وقال بعضهم: قد يسألون لكنهم يعرضون بالسؤال ثم لا يكررون. بل يتركون. الأمر لمن سمع وعلم حالهم أنهم قد أنزلوا فاقتهم وحاجتهم بالله الذي خلقهم، يا أيها الإخوة الكرام، الأصل أن لا يسأل أحد أحدًا شيئًا من أمور الدنيا. وقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم، يبايعهم النبي ﷺ على ذلك فها هو في صحيح الإمام مسلم من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال كنا عند النبي ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة.

فقال النبي ﷺ: «﴿إِلَّا﴾ تبايعون رسول الله؟» قالوا نبايع رسول الله أو بايعناك يا رسول الله. فقال: «﴿إِلَّا﴾ تبايعون رسول الله؟». فقالوا قد بايعناك يا رسول الله. فقال: «﴿إِلَّا﴾ تبايعون رسول الله؟». فبسطوا أيديهم، وكانوا حديث عهد ببيعة. فقالوا نبايعك يا رسول الله فعلى ما نبايعك يبايعهم النبي ﷺ على أن لا يسأل الناس شيئًا قال فلقد رأيت هؤلاء النفر يسقط السوط من أحدهم فلا يسأل أحدًا من الناس أن يرفعه إليه إذا وقع السوط من واحد منهم لا يطلب من أحد أن يرفعه إليه فكيف يسأله مالًا ونحوه إنهم تعففوا وأخذوا بوصية الرسول ﷺ وأن لا تسألوا الناس شيئًا.

وقد قال ﷺ كما في حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ: «من يكفل لي ﴿إِلَّا﴾ يسأل الناس شيئًا وأنا أتكفل له بالجنة». من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا وأنا أتكفل له بالجنة. فقال ثوبان رضي الله عنه أنا يا رسول الله قال فما سألت أحدًا شيئًا بعدها كان لا يسأل الناس شيئًا، ولا يطلب منهم شيئًا ﴿أَنَّمَا﴾ يتعفف عن سؤال الناس.

حث الإسلام على الكسب الحلال وتحريم المسألة للقوي

يا أيها الإخوة الكرام، المؤمن العاقل الذي لديه قدرة على الكسب عليه أن يكتسب وأن يأكل من حلاله وأن يتعفف وأن يعف نفسه وعياله وأي عمل حلال يعمله الإنسان خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه. وقد قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه ﷺ قال «لأن يحتطب أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها للناس» خير له من أن يسأل أحدًا أعطاه أو منعه لأنَّ يجمع الإنسان الحطب ويضعه على ظهره ويبيعه للناس لأنَّ يحتطب أحدكم ويحمل على ظهره حزمة من الحطب يبيعها للناس خير له من أن يسأل أحدًا أعطاه أم منعه هكذا يعلمنا ﷺ يعلمنا أن نكتسب من حلال وأن نعمل من حلال لا أن نأكل أموال الناس بالباطل، ﴿وَلَآ أَن﴾ نسأل الناس ما لديهم وها هو ﷺ أتاه رجلان يسألانه الصدقة فقلب ﷺ نظره فيهما فوجدهما شابين قويين يستطيعان العمل.

فقال ﷺ: «إن شئتما أعطيتكما». فسأعطيكما. وهذا أسلوب تهديد كما قال كثير من الشراح قال: «أما إنها لا تحل، أو لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». القوي المكتسب الذي يقوى على الكسب ويقوى على العمل لا يجوز له أن يسأل الناس ﴿أَنَّمَا﴾ يسعى جاهدًا في أن يعمل قليلًا أو كثيرًا قدرًا مستطاع حتى يحقق ما يكفيه ويكفي عياله بفضل الله عز وجل ﴿إِلَّا﴾ تعلم أخي الكريم، أن الذي ينفق كل ماله أو أن الذي يوصي بجميع ماله ويترك ورثته عالة يتكففون الناس مخالف للرسول عليه الصلاة والسلام

ها هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعلِّمه نبينا ﷺ أن ذلك لا يجوز ويدله على ما هو خير له فيقول: سعد رضي الله عنه عادني ﷺ «عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ» من وجع اشتد بي «فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» يقول له سعد بن أبي وقاص إنه قد بلغ بي من الوجع أي: وجعي وجع شديد، «وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ» ليس لي من الورثة إلا بنت أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قال فالشطر قال لا قال فالثلث قال: «الثلث، والثلث كثير».

«إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وإنك لا تنفق أو لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك يعلِّمه ﷺ يسأله ليس لي إلا بنت ولي ميراث كبير أفأتصدق بثلثي مالي قال لا قال فالشطر النصف قال لا قال فالثلث قال: «الثلث، والثلث كثير». إنك تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس المؤمن العاقل هو الذي يكتسب ويجتهد ويأكل حلالًا ويجمع من حلال فنعم المال الصالح للعبد الصالح علمنا ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض الناس.

الأصناف الذين تحل لهم المسألة وحد الغنى الشرعي

يا أيها الإخوة الكرام، لا يتقي الله في هذا الأمر يكون لديه ما يكفيه. ومع ذلك يسأل الناس واتخذ سؤال الناس عادةً واتخذ سؤال الناس أمرًا يصل به إلى أموالهم أقول له اتق الله فإنما تفعل حرامًا لا يجوز لك واسمع قول ﷺ كما في صحيح الإمام مسلم من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه قال تحملت حمالة الرجل الذي يصلح بين الناس أناس بينهم تقاتل وبينهم تخاصم فدخل رجل من أجل أن يصلح بينهم فحينئذ تحمل حمالة قال أنا سأدفع هذا الرجل يجوز له أن يأخذ من الزكاة لأنه غارم بسبب الإصلاح بين الناس.

بل كما قال كثير من الفقهاء وهو القول المرجح أنه يجوز له أن يأخذ من الزكاة ولو كان غنيًا لأنه لم يغرم من أجل نفسه وإنَّما من أجل الإصلاح بين الناس والإسلام يتشوف للإصلاح بين الناس فجاء قبيصة رضي الله عنه. فقال: يا رسول الله إني تحملت حمالة فأتى النبي ﷺ يسأله فيها.

فقال له الرسول ﷺ أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها انتظر حتى يأتي شيء من الصدقة فنأمر لك به. ثم قال النبي ﷺ: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة»12. الذين يحل لهم أن يسألوا الناس ثلاثة أصناف «رجل تحمَّل حمالةً فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يُمسك» هذا الرجل الذي يدخل للصلح بين الناس ويضمن ويتحمل فلا مانع أن يسأل حتى يقضي ما صار عليه من هذه الديون ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ قواما أو قال سدادًا من عيش ثم يمسك أي: فلا يسأل بعدها ورجل أصابته فاقة رجل فقير رجل ذو حاجة فقام ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه ثلاثة يشهدون من العقلاء من ذوي العقل من أهل بلدته يقولون لقد أصابت فلانًا فاقة فحلَّت له المسألة حتى ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ قِوامًا أو سدادًا من العيش يا قبيصة.

إن المسألة لا تحل فيما سوى ذلك «سُحْتًا يأكلها صاحبها سُحْتًا» الذي يأكل سوى ذلك فإنما يأكل سحتًا أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم هكذا يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام، ولما نهى ﷺ أن يسأل الرجل الغني المال الذي لدى الناس قالوا له: يا رسول الله كما في حديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قالوا: «يا رسول الله ما قدر ما يغنيه مَنْ الذي يقله معه ما يكفيه فلا يسأل الناس».

فقال: «قدر ما يُغدِّيه ويُعشِّيه». الله أكبر الذي لديه ما يغديه ويعشيه لا يسأل الناس وجاء في رواية قال خمسون درهمًا أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين. صلوات الله وتسليماته عليه.

أمَّا بعدُ:

وجوب التوكل على الله وبركة التعفف وقبول العطاء بعزة

فيا عباد الله، لا يجوز للمسلم الغني أن يسأل الناس شيئًا، ولا للقوي أن يسأل الناس، ولا للمكتسب. وقد قال ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي». هذا المستوي في الخلقة والقوة ذو المنظر الحسن الذي يقوى على العمل لا يسأل الناس شيئًا وإن سأل الناس فإنما يسأل جمرا من نار جهنم. نسأل الله السلامة والعافية.

لذلك، يا أيها الإخوة الكرام، وجب على المسلم، أن يعمل وأن يكتسب الحلال وأن لا يتواكل. فإنَّ التوكل على الله جل وعلا أخذ بالأسباب مع اعتقاد أن الله جل وعلا هو الرزاق «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدَّ فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله» لجأ إلى الله وأنزل فاقته بالله فيوشك الله عز وجل له بغنى إما بموت عاجل أو غنى عاجل وإغناء الله عز وجل له.

وقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كما في الصحيحين، أن ناسا سألوا ﷺ فأعطاهم «ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ» حتى نفد ما عنده ﷺ فقال «إنه ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومَنْ يستعفف يعفه الله، ومَنْ يستغني يغنه الله»13، ومَنْ يتصبَّر يصبِّره الله «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» نعم، من يستعفف يعفه الله من يسأل الله جل وعلا فالله يرزقه وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قال الله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا14 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾15.

وقد قال ﷺ لحكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الصحيحين. وقد سأل ﷺ فأعطاه ثم علَّمه النبي ﷺ فقال له «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه»16. «وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ» وكان كالذي يأكل، ولا يشبع أعطه إلى مَن هو أفقر مني، لا تعطه لي، أعطه إلى مَن هو أفقر مني.

فقال ﷺ: «خذه فتموله ثم تصدق به». نعم إذا أتاك مال بسخاوة نفس فاقبله يبارك لك فيه. وأما أن تقبل أنت على سؤال الناس فلا يبارك للعبد في ذلك ويكون الذي يأكل، ولا يشبع. نسأل الله السلامة والعافية، يا أيها الإخوة الكرام، ما أحوجنا إلى أن نعلم، أن الرزاق هو الله سبحانه وتعالى، وأن هذا يقتضي منا أن نتوجه إليه وأن نعلم، أن أسباب الرزق هي الأسباب المشروعة، ولا يحملن استبطاء الرزق على أن نطلبه بمعصية الله فإنما عند الله جل جلاله لا ينال إلا بطاعته لا تحسبن إذا أخذت من هذا وذاك بغير حق أنك ستصير غنيًا من الأغنياء لا والله ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ومع هذا كله أقول يا أيها الإخوة الكرام لا يعني: هذا أن كل من يسأل الناس يكون قاصدًا بذلك الحرام.

بل من الناس من يسأل الناس لشدة حاجته، وعلى المسلم، أن يتقي الله في أخيه وألَّا يدع أخاه واعلم أخي الكريم أنك إذا أعطيت صدقة لشخص من الأشخاص فتبين لك أنه لم يكن أهلًا للصدقة. فإنَّ هذا لا يضرك فصدقتك صحيحة بإذن الله جل وعلا. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في قصة الرجل الذي تتصدق على سارق وتتصدق على غني وتتصدق على زانية فلعل الزانية تتوب إلى الله ونسأل الله الكريم من فضله اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى والعفاف والغِنى اللهم إنا نسألك مُوجِباتِ رحمتك، وعزائمَ مغفرتك، والسلامةَ من كل إثمٍ، والغنيمةَ من كل بِرٍّ والعزيمة على الرشد والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم آتنا في الدنيا حسنة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟﴾ قَوْلًۭا سَدِيدًۭا — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
  2. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — الأحزاب: 70 ↩
  3. آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
  4. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — آل عمران: 102 ↩
  5. آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ ۚ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
  6. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — النساء: 1 ↩
  7. آية: إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ — كما ورد في الدرس: التوبة 60 ↩
  8. آية: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْعَـٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ — التوبة: 60 ↩
  9. حديث: «من سأل الناس أموالهم تكثُّرًا فإنما يسأل جمرًا من النار» — نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
  10. آية: لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ — كما ورد في الدرس: البقرة 273 ↩
  11. آية: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ﴾ — البقرة: 273 ↩
  12. حديث: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة» — نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم ↩
  13. حديث: «إنه ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩
  14. آية: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا — الطلاق: 2-3 ↩
  15. آية: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ — كما ورد في الدرس: الطلاق 2-3 ↩
  16. حديث: «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه» — نسبة الشيخ: الصحيحين ↩

تخريجات أخرى في الدرس

  • حديث: «بيعة الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئًا» — نسبة الشيخ: صحيح الإمام مسلم
  • حديث: «قصة الرجل الذي تصدق على سارق وتصدق على غني وتصدق على زانية» — نسبة الشيخ: الصحيحين

من سلسلة: سلسلة خطب الداء والدواء (96 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة