لمحة في سورة الطارق
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- القسم بالسماء والطارق ومقصد حفظ أعمال العباد وإثبات البعث
- تفسير النجم الثاقب وحفظ أعمال النفوس وتناسبها مع سورة
- نشأة الإنسان من ماء دافق بين الصلب والترائب وتوجيهاتها
- البرهان على البعث وأهوال ابتلاء السرائر وانكشاف الخفايا
- القسم بالرجع والصدع على فصلية القرآن وحجيته القاطعة
- إبطال كيد الكافرين بكيد الله المتين وحكمة إمهالهم رويداً
التفريغ النصي الكامل للدرس
القسم بالسماء والطارق ومقصد حفظ أعمال العباد وإثبات البعث
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع درس من دروس هذه السلسلة لمحة في سورة ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع سورة الطارق نعم سورة الطارق هذه السورة المباركة تسمى بسورة الطارق، وفي أولها ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ23 ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾456 فقد بين الله سبحانه وتعالى، أن الطارق هو النجم الثاقب فأقسم الله سبحانه وتعالى، بالسماء وأقسم بالطارق وسمى السورة كلها باسم الطارق.
وقد تقدم، أن الله سبحانه وتعالى، قد سمى بعض السور ببعض المخلوقات كالشمس والقمر فسمى الله سورة باسم الشمس وأخرى باسم القمر وسورة باسم النجم وهكذا. وهذه السورة التي معنا يقال لها: سورة الطارق وهي سورة مكية تبين، أن البعث حق وأن ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ لذلك فمقصود السورة الكريمة حديث عن، أن أعمال العباد كلها محفوظة يحفظها الله لا تغيب عنه سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه قد وكل بنا كراما كاتبين حافظين وأن العبد سينظر في أمره وسيحاسب على عمله يوم القيامة فالعبد كما قال الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ7 فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ فالسورة تتحدث عن بعض مظاهر قدرة الله وأن البعث حق ابتدأ الله هذه السورة الكريمة بأسلوب.
تفسير النجم الثاقب وحفظ أعمال النفوس وتناسبها مع سورة
القسم فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ فقوله: والسماء قسم أقسم الله عز وجل به وأقسم أيضًا بالطارق ثم فسر لنا الطارق. ولذلك من خير ما يفسر به القرآن نفسه أحيانًا تأتي كلمة في القرآن ويكون بيانها في القرآن نفسه، ومن أظهر هذه الكلمات هذه الكلمة التي معنا لأنَّ الله قال: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ تفخيما لشأن هذا الطارق ثم أجابنًا.
فقال: ﴿ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ قال بعضهم: النجم الثاقب، أي: الذي يثقب السماء بإضاءته واتقاده. ولذلك إذا جاء الليل. فإنَّ تلك النجوم تظهر في السماء ويظهر ضوءها بفضل الله سبحانه وتعالى. وهذه آيات عظيمة. وقد قال بعض العلماء: إن الله قد حفظ السماء وجعل فيها تلك النجوم. وقال ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا﴾8 فالله سبحانه وتعالى، حفظ تلك السماء ثم إن الله بين على ما أقسم.
فقال: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ9 ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾10 فالذي حفظ السماء يحفظ أعمال العباد لا تغيب. فقال: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أي: ما ﴿كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ حافظ. فهذا أسلوب حصر لأنَّ قوله، أن بمعنى ما وقوله: لما بمعنى إلا أي: ما ﴿كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ حافظ كما قال الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ11 كِرَامًا كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وكما قال الله ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ﴾12 وكما قال ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾1314.
فقال: إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ فالذي خلق السماء والذي جعل هذه النجوم تطرق السماء وتضيء لنا في السماء والذي حفظ السماوات وهو الله سبحانه قادر على حفظ أعمال العباد، وعلى محاسبتهم، ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ وترى أخي الكريم، أنَّ هناك تناسبا بين سورة البروج وسورة الطارق وسورة البروج هي السورة التي قبل الطارق بحسب الترتيب المصحفي.
ولذلك في أولها ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ15 وَٱلْيَوْمِ ٱلْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ وهنا قال والسماء فأول هذه والسماء وأول هذه السورة والسماء أيضًا وشاهد ومشهود قال بعضهم: من الشواهد أو من الشهود النجوم فالنجم يشهد والسماء تشهد والمخلوقات تشهد ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ثم ذكرنا الله بأصل خلقنا ليبين لنا أنه خلقنا وأنه عالم بنا. ومن ثم فهناك آخرة وهناك جنة ونار وبعث ونشور وحساب ثواب أو عقاب فلينظر الإنسان مما خلق إلا يتذكر الإنسان أصل خلقه ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ16 خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾17 هذا المعنى الذي هو المني الماء المهين الذي قال الله في شأنه ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ1819 فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ٱلْقَـٰدِرُونَ﴾.
نشأة الإنسان من ماء دافق بين الصلب والترائب وتوجيهاتها
وقال هنا ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ قال كثيرون أي: مدفوق فهو يخرج عن طريق الدفقة ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ قالوا المراد بالصلب العمود الفقري. فهذا يقال له: الصلب. وأما قوله الترائب فما يكون في أعلى الصدر قالوا وهو موضع القلادة من المرأة يقال له: الترائب فالإنسان خرج من بين هذا وذاك.
فإنْ قال قائل وكيف هذا قالوا أصل هذا السائل المنوي أو هذه القنوات وما يجري منها ﴿أَنَّمَا﴾ ينشأ ابتداء من العمود الفقري وما يكون كذلك من أعلى الصدر وهو الترائب. ولذلك ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة فيها إشارة علمية عرفت بعد ذلك طبيًا وصار ذلك من دلائل إعجاز القرآن الكريم ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾.
وذلك أنَّ هذا السائل المنوي ﴿أَنَّمَا﴾ ينشأ ابتداء كما قالوا من العمود الفقري ثم إن العمود الفقري هو النائب في نخاعه عن المخ الذي هو موضع التحرك وموضع إصدار القرارات كما هو معلوم إلى غير ذلك منىسبات كثيرة في ذلك. وقال بعضهم: بل هذه الآية على نحو قوله في ذكر اللبن ﴿مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾20 قال ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ أو أن هذا كناية عن أعضاء الإنسان وأنه الأصل فيه والعلم عند الله.
وقال آخرون: بل الحديث عن الجنين نفسه وهو الإنسان في قوله ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ يخرج قالوا، أي: الإنسان في أصله والجنين حتى أن بعض العلماء من أهل الطب قد ذكروا أنَّ بداية الجنين حينما تتكون عنده الخصيتان وما إلى ذلك. فإنَّ موقعها يكون بين الصلب والترائب ثم لا تزال تنزل وتنزل وتنزل إلى أن تصل إلى موضعها الذي يرى عليه هذا الجنين بعدما يخرج إلى الحياة أيًا ما كان.
الأمر فلا إشكال في الآية الكريمة. بل دالة على عظيم قدرته على واسع علَّمه وما كان لمحمد ﷺ وهو الأمي أن يعرف ذلك ﴿وَلَآ أَن﴾ يطلع على ذلك لولا أن الله أعلمه بذلك ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾21 على قول كثير من أهل العلم، أن الترائب كما قلت: أعلى الصدر أيضًا من الرجل لأنَّ بعضهم جعل الصلب للرجل والترائب من المرأة فهنا وقع إشكال والمني ﴿أَنَّمَا﴾ المراد به مني الرجل.
البرهان على البعث وأهوال ابتلاء السرائر وانكشاف الخفايا
فهذا متعلق بالرجل فلذلك الذي مال إليه الجمهور أن الترائب أيضًا أعلى صدر الرجل وأن قول من قال أنه موضع القلادة من المرأة لبيان الموضع الذي يكون فيه هذه أو تكون فيه تلك الترائب قال ﴿يَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ﴾ أنه على رجعه لقادر أنه، أي: الله سبحانه وتعالى، على رجعه على رجع من على رجع الإنسان لقادر أي: يوم القيامة، يعني: الذي خلقك من الماء المهين الذي أوجدك قادر على إعادتك فتكون الآية الكريمة كغيرها من الآيات الدالة على أن الله قادر على إعادة الإنسان كما خلقه أول مرة كما قال الله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾2223 ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾24 إلى غير ذلك من آيات كثيرة كما قال الله عز وجل ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ25 قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ فكذلك ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾26.
ولذلك بعضها قال الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾27 إذًا الآيات الكريمة بالرغم من قلة عددها وقصر آياتها لكنَّها تدلل على عظيم قدرة الله، وعلى أن البعث حق فكما خلقك الله من هذه النطفة فهو قادر على إعادتك سبحانه وتعالى، وبعض العلماء قال. بل إنه على رجعه أي: على رجع هذا المني لقادر، يعني: قادر على إرجاعه أو على رجعه إلى موضعه الأساسي الذي كان بين الصلب والترائب أو قادر على رجعه في الإحليل حينما يخرج من الإنسان فمَنْ الذي يسر له إخراج ذلك أو عدم إخراجه إنه الله سبحانه وتعالى.
ثم قال ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ اذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ هذه السرائر تبلى وتختبر وينكشف أمرها وتأمَّل! قوله ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ هذه السرائر تصير يوم القيامة علانية فما تسره وما تبطنه ربك سبحانه وتعالى، يظهره يكون ظاهرًا باديا. ولذلك هذه الآية الكريمة ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ تعلم الإنسان أنه لا مفر من الإخلاص وأنه ينبغي للعبد أن يخلص لله جل وعلا.
فإنَّ الله بين أنه يوم القيامة تبلى السرائر تبلى السرائر ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ تنكشف الحقائق كما قال الله سبحانه ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ28 وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ﴾29 حصل ميز ما في الصدور تبين من المحق، ومن المبطل من المخلص، ومن المرائي من الصالح، ومن الفاسد ﴿وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ﴾ وهنا قال ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ30 فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ أي: فما للإنسان ﴿مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ليس له من قوة يدفع عنه العذاب إذا كان كافرًا بالله ليس له من قوة تدفع عنه العذاب، ولا ناصر ينصره ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ ثم عادت الآيات إلى.
القسم بالرجع والصدع على فصلية القرآن وحجيته القاطعة
القسم مرة أخرى ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾31 ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾. لكن القسم هنا على شيء آخر فالقسم الأول كان كما قد تقدم، ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ للدلالة على أن الله حافظ لأعمال العباد وأما. القسم هنا ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ صدق القرآن، وعلى صدق ما جاء في القرآن من أن البعث حق ومن، أن التوحيد حق ومن، أن الشرك باطل وما إلى ذلك.
فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ قال كثيرون أي: والسماء ذات المطر فوصف الله السماء بأنها تمطر. فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ برجعها بإمطارها بالمياه التي تنزل منها ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ أي: والأرض ذات التصدع ذات التشقق فالسماء تنزل ماءها والأرض تتشقق فتخرج نباتها بفضل الله كما قال الله ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ32 أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا﴾33 فقول ﴿أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا﴾ في معنى: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا﴾ في معنى: ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾.
وهذا أحد الأقوال المشهورة في قوله سبحانه وتعالى، ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَـٰهُمَا﴾34 فيها أقوال ثلاثة مشهورة من الأقوال التي قيلت في الآية فتق الله السماء بالمطر وفتق الله الأرض بالتصدع والانشقاق ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ﴾ أنه، أي: أن القرآن أو أن البعث أو ما أخبرنا عنه أنه لقول فصل قول فصل بين الحق والباطل ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ليس بكلام فيه هزل أو لعب أنه كلام جد وأي جد وكلام حق وأي حق ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ قال أنه لقول فصل ﴿وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ أن هؤلاء الكفار يكيدون كيدا.
إبطال كيد الكافرين بكيد الله المتين وحكمة إمهالهم رويداً
لكن هذا الكيد كيد لا قيمة له ولا وزن لأنَّ الله سبحانه وتعالى، سيدمره وسيقضي عليه ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾35 الذي يكيد أنه الله يدبر لهم فالله يدبر لدينه ويحفظ أولياءه وينصر رسله سبحانه كما قال ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ36 ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾37 فقال: إنهم يكيدون كيدًا38 وكيدهم حقير وأكيد كيدا وكيد الله كيد عظيم فلا تبالِ بهم ولا تعبأ بهم فالله قادر على مؤاخذتهم لذلك تمهل يا رسول الله واصبر سيأتيهم وقت وسترى ماذا سيقع بهم وماذا سيحل بهم.
فقال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾39 اتركهم وتمهل عليهم والسورة كما قلت: سورة مكية قبل الهجرة، وقبل مشروعية الجهاد إلى غير ذلك من أحكام. وقد أرى الله نبيه محمدًا ﷺ النصر والتمكين وأعز الله الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين. فقال: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾ هكذا.
يا أيها الإخوة الكرام، هذه السورة الكريمة مع وجازتها حدثتنا عن بعض دلائل قدرة الله سبحانه وسعة علمه وأن أعمال العباد محفوظة وأن البعث حق وأن الله خلق الإنسان من ماء دافق وأنه قادر على إعادته فنسأل الله سبحانه، أن يجعل القرآن حجة لنا لا علينا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — ص: 29 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ — الطارق: 1-2 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ — الطارق: 2 ↩
- آية: ﴿والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 1-3 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ — الطارق: 1-3 ↩
- آية: ﴿ٱلنَّجْمُ ٱلثَّاقِبُ﴾ — الطارق: 3 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ — الطارق: 9-10 ↩
- آية: ﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظًا﴾ — فصلت: 12 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ﴾ — الطارق: 2-3 ↩
- آية: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ — الطارق: 4 ↩
- آية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ﴾ — الانفطار: 10-12 ↩
- آية: ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ — المجادلة: 6 ↩
- آية: ﴿وكل صغير وكبير مستطر﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 53 ↩
- آية: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ — القمر: 53 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ — البروج: 1-3 ↩
- آية: ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ — الطارق: 5-6 ↩
- آية: ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ — الطارق: 6-7 ↩
- آية: ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون﴾ — كما ورد في الدرس: المرسلات 20-23 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ — المرسلات: 20-23 ↩
- آية: ﴿مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ — النحل: 66 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ — الطارق: 8 ↩
- آية: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 29 ↩
- آية: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ — الأعراف: 29 ↩
- آية: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ — الروم: 27 ↩
- آية: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ — يس: 78-79 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجْعِهِۦ لَقَادِرٌ﴾ — الطارق: 8 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ — الطارق: 9 ↩
- آية: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ — العاديات: 9-10 ↩
- آية: أفلا يعلم إذا ﴿بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ﴾ وحصل ما في الصدور — كما ورد في الدرس: العاديات 9-10 ↩
- آية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ — الطارق: 9-10 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ — الطارق: 11-13 ↩
- آية: ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ — عبس: 24-26 ↩
- آية: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا﴾ — كما ورد في الدرس: عبس 24-26 ↩
- آية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَـٰهُمَا﴾ — الأنبياء: 30 ↩
- آية: ﴿إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 15-16 ↩
- آية: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 30 ↩
- آية: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ — الأنفال: 30 ↩
- آية: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ — الطارق: 15-16 ↩
- آية: ﴿فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًۢا﴾ — الطارق: 17 ↩
تخريجات أخرى في الدرس
- آية: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29
- آية: ﴿وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 12
- آية: ﴿وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾ — كما ورد في الدرس: الانفطار 10-12
- آية: ﴿فمهل الكافرين أمهلهم رويدا﴾ — كما ورد في الدرس: الطارق 17
من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)