لمحة في سورة السجدة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
السجدة والمضاجع وفجر الجمعة
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة لمحة في سورة ونحن الليلة بفضل الله وتوفيقه على موعد مع سورة السجدة هذه السورة المباركة تسمى بسورة السجدة، وفيها سجدة قال الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾2 بيد أنها ليست السورة الوحيدة التي فيها سجدة.
لكن لكل سورة اسما خاصًّا يخصها يقال له: اسم توقيفي واسم هذه السورة التوقيفي سورة السجدة، ومن مقاصد هذه السورة دعوة الخلق إلى الخضوع للحق سبحانه وتعالى. وهذا معنى السجود. كما أنَّ السورة تسمى بسورة الم م تنزيل وأيضًا الم تنزيل السجدة وهناك اسم آخر اجتهادي وهو اسم المضاجع فيقال لها: سورة المضاجع لأنَّ فيها قوله سبحانه ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ هذه السورة المباركة سورة مكية باتفاق كما نقل ذلك ابن الجوزي وغيره من المفسّرين فالسورة نزلت قبل هجرة النبي الكريم ﷺ
وقد عرفنا مرارًا أن السور المكية تتحدث عن أصول الاعتقاد فتتحدث عن الإيمان بالله رب العالمين عن التوحيد وتتحدث أيضًا عن الرسالة والنبوة والوحي. وهذا موجود في السورة كما تتحدث أيضًا عن السور المكية عن الإيمان باليوم الآخر الحديث عن البعث والمتأمَّل! في سورة السجدة يجد أنها تدور حول هذه المعاني الثلاث فحديثها عن التوحيد وبيان، أن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المدبر فهو المستحق لأنَّ يعبد عز وجل وتحدثت عن القرآن الكريم وبينت بعض مقاصده وحكم إنزاله وحدثتنا كذلك عن الآخرة وأحوال الناس فيها، ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: أن مقصود هذه السورة المباركة الحديث عن الخلق خلق الإنسان والحديث عن أحوال الناس في الآخرة، وكذلك عن أحوالهم في الدنيا فالناس في الدنيا منهم المؤمن، ومنهم الكافر منهم البر، ومنهم الفاجر، وفي الآخرة منهم الفائز، ومنهم الخاسر فالسورة حدثتنا عن أحوال الناس في الدنيا والآخرة.
ولذلك جاء فيها قوله جل ذكره ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾3 ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾4 ولعله والعلم عند الله من أجل هذا شرع لنا أن نقرؤها في فجر الجمعة كما سن لنا ذلك رسولنا ﷺ فقد ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ يقرأ في فجر يوم الجمعة بسورة الم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان.
فقال: بعض أهل العلم من حكم ذلك وأسراره، أن هاتين السورتين الكريمتين أعني سورتي السجدة والإنسان تتحدثان عن خلق الإنسان وعن يوم القيامة وما يؤول إليه أمر الإنسان وخلق آدم كان في يوم الجمعة، وكذلك تقوم القيامة في يوم الجمعة فعلم من ذلك، أن هذا له سر والعلم عند الله تبارك وتعالى فقراءة السورتين في يوم الجمعة يذكرنا ببدء الخلق ونهاية الخلق هذه السورة المباركة إحدى السور التي افتتحها الله عز وجل بالحروف المقطعة فأول السورة المقدم، أنَّ هناك 29 سورة افتتحها الله عز وجل بهذا الافتتاح وكثيرًا ما يذكر الله عز وجل بعد هذه الحروف الحديث عن القرآن الكريم وهكذا جاء في السورة الم م ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾56 حديث عن القرآن فانتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس تعرفون هذه الحروف لكنكم تعجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن.
تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ
فهذا القرآن ليس مفترا وإنَّما هو تنزيل رب العالمين لذلك جاء في صدر السورة ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، ومن المناسبات الواضحة بين سورة السجدة والسورة التي سبقتها بحسب الترتيب المصحفي وهي سورة لقمان، أن السورتين افتتحهما الله عز وجل بالحروف المقطعة فأول لقمان ﴿الٓمٓ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾7 وأول السجدة ما سمعتموه ﴿الٓمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾8.
فهذا الكتاب هو القرآن الكريم المراد بالكتاب القرآن هو لا ريب فيه لا شك في أنه من عند الله عز وجل كما قال الله في صدر سورة البقرة ﴿الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾9 لا ريب فيه والريب الشك مع القلق فالقرآن لا شك فيه وإن شك فيه أناس فالخلل فيهم لا في القرآن الكريم فقوله: ﴿لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ﴾ قال قائل وبعض الناس قد ارتاب في القرآن يقال الريبة منهم هم. وأما القرآن من حيث هو فلا وجه للارتياب فيه ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أم يقولون افتراه أم يقولون أي:
بل أيقولون افتراه أي: اختلق أم يقولون افتراه أي: هؤلاء يرددون هذا الكلام ويدعون، أن النبي ﷺ عليه وآله وسلم افترى القرآن. بَلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ. بَلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا ﴿أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ عرفنا من ذلك أنه من مقاصد القرآن الكريم الإنذار والهداية فالقرآن الكريم أنزل لمقاصد كثيرة عظيمة جليلة من أعظمها الإنذار القرآن أنزله الله لينذر الناس أن أنذر الناس ﴿هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ﴾ ومن مقاصد القرآن الكريم الهداية، ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ وهنا قال لتنذر قومًا أَتَىٰهُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّذِيرٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ إذًا أول السورة حديث عن ماذا
عن القرآن الكريم. وهذا هو الوحي. وهذه هي الرسالة والحديث عن القرآن يتضمن الحديث عن المرسل بالقرآن وهو الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ففيه تبرئة ساحته وأنه ليس مفتريا على الله كما يزعم أهل الشرك ثم انتقلت بنا السورة الكريمة إلى الحديث عن منزل القرآن وهو الله الرحمن سبحانه وتعالى، إذًا انتقال من الحديث عن القرآن إلى الحديث عن منزل القرآن الله الذي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾10 في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون يدبر.
خلق آدم من طين ونفخ الروح
﴿ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ﴾11 ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾12 كل هذه الآيات حديث عمن عن الله سبحانه وتعالى، فالله هو الخالق وهو المدبر وهو القادر على كل شيء ذكر الله أنه ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وأنه خلق الإنسان وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ ﴿مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن﴾ سُلَٰلَةٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّآءٍ مَّهِينٍ فالله يمتن علينا بأنه الخالق وأنه المدبر وأنه خالقنا جل وعلا.
ومع ذلك فما حال الإنسان قليلًا ما تشكرون فأكثر الناس لا يشكرون ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وقوله: سبحانه وتعالى، يدبر. الأمر ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ ثم يعرج إليه في يوم كان مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ذهب كثير من أهل التفسير إلى أن المراد بذلك نزول الملك وصعوده فالملك ينزل في مدة تستغرق في حساب الناس تستغرق 500 سنة قالوا: لأنَّ ما بين السماء والأرض يبلغ هذا المقدار.
فهذا في نزوله، وكذلك في صعوده فإذا ضمنا الصعود إلى العروج إذًا ضمنا النزول إلى الصعود أو العروج اجتمع من ذلك 1000 سنة. فهذا معنى قوله سبحانه يدبر. الأمر ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره 1000 سنة مما تعدون أي: عند صعود الملك ونزوله قال هذا أو قال بهذا عدد من العلماء، ومنهم من قال.
بل المراد بهذا قوله ثم يعرج إليه أي: يعرج إليه أمره سبحانه وتعالى، أو أن الحديث عن يوم القيامة والأول أظهر والعلم عند الله تبارك وتعالى قال الله عز وجل ﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ هذه القاعدة العامة ﴿ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾ كما قال الله ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْ13ءٍ﴾ قال الله سبحانه وتعالى، وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ ﴿مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن﴾ سُلَٰلَةٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّآءٍ مَّهِينٍ عرفنا أن معنى قوله ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ﴾، أن المراد بالإنسان هنا من آدم عليه السلام لأنَّ آدم هو المخلوق مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍ ﴿مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ﴾.
وهذه نفخه من روح الله جل وعلا. وهذا من فضل الله وإحسانه على العباد. ولذلك الإنسان المخلوق من طين له جانبان جانب يتعلق بجده وجانب يتعلق بروحه وغذاء روحه ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الروح من الوحي الذي أرسله الله وأنزله الله سبحانه وتعالى، ثم انتقلت بنا السورة بعد الحديث عن القرآن والحديث عن منزل القرآن وخلق الإنسان إلى الحديث عن قضية البعث.
ضللنا في الأرض وناكسو الرؤوس
فقال. ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾، يعني: غبنا في الأرض ضللنا في الأرض، يعني: صرنا في باطن الأرض أنا لفي خلق جديد. ﴿بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ﴾ ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾14 ولو ترى إذ المجرمون ناكس ﴿رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا﴾ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿مُوقِنُونَ وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَٰذَآ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حديث عن الآخرة حديث عن البعث والنشور.
فقال. بَلْ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ كَـٰفِرُونَ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يتوفاكم ملك الموت فالذي يتوفانا ملك الموت، ولا تعارض بين الآية الكريمة وبين قوله جل ذكره ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾15 وقوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾16 فالمتوفي حقيقة هو الله سبحانه لأنَّ ملك الموت لا يتوفى الإنسان أو لا يقدر على ذلك ولا يباشره الله إلا بتمكين الله عز وجل له وقوله: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يتوفاكم ملك الموت لأنَّ ملك الموت يباشر هذا وقوله: توفته رسلنا لأنَّ لملك الموت أعوانًا يعينونه في قبض الأرواح ثم يأخذ هذه الروح ويجري أو يقع لها ما يقع مما جاء في حديث البراء رضي الله تعالى عنه وتقدم بيانه في مناسبات كثيرة قال ﴿ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ﴾ المجرمون ناكس رؤوسهم عند ربهم.
تأمَّل! هذا خضوع لكنه خضوع مذموم خضوع المجرمين يوم القيامة يكونون في ذله ومهانه. وأما أهل الإيمان الذين خضعوا في الدنيا وانكسروا لله واستكانوا لربهم سبحانه وتعالى، وتواضعوا. فإنَّ الله يرفع ذكرهم يوم القيامة ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾، ولا هم يحزنون ماذا يقولون يقولون ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ﴾ صَٰلِحًا ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ مُوقِنُونَ.
لكن بعد فوات الأوان ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ﴿مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ فَذُوقُوا۟ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَـٰكُمْ ۖ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَٰذَآ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ نَسِينَٰكُمْ ما معنى أنا نسيناكم، يعني: تركناكم واهملناكم في العذاب عاملناكم معاملة الناس فليس المراد بالنسيان هنا الذهول لأنه محال على الله وإنَّما المراد بالنسيان الله لهم تركه اياهم في العذاب كقوله ﴿نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ثم ذكر الله عز وجل الجانب الآخر وهم أهل الإيمان.
تجافي الجنوب خوفًا وطمعًا
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. فقال: ﴿أَنَّمَا﴾ يؤمن بآياتنا هذا في مقابلة المجرمين إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ولذا سُمِّيَت السورة بسورة السجدة ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ من صفات هؤلاء المؤمنين أنه تتباعد جنوبهم عن المضاجع فيأتون ليناموا بالليل ثم إذًا بهم بعد مدة يسيرة ووجيزه من نومهم يفزعون ويُقوِّمون ليصلوا لله رب العالمين تتجافى تتباعد جنوبهم عن المضاجع فلا تلتصق بالمضاجع.
بل تبتعد عنها أنهم يصلون لله رب العالمين كما جاء في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام، يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذًا استثقلت بالمشركين المضاجع صلوات الله وتسليماته عليه ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ﴾ قالوا المراد بذلك قيام الليل. وقال بعضهم: الصلاة بين المغرب والعشاء ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
ولذلك إذا قلت: ما الذي يعين الإنسان على قيام الليل الناس نيام وهو يصلي والناس نيام ما الذي يعين الإنسان على ذلك الخوف والطمع أنَّ يكون خائفا من الله يخاف من نار تلظى يخاف أن يكون من المرائين فهو يريد أن يصلي بالليل يحقق بذلك الإخلاص حيث لا يراه أحد ولا يطلع عليه أحد فهو يناجي ربه. ولذلك قالوا قلمًا ساهر الليل منافق فأهلَّ الليل أهل الليل هم أهل الإخلاص.
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وطمعًا يرجو رحمة الله، يناجي ربه يريد أن يتمتع ويتلذذ بالأنس بربه سبحانه يخلو بربه. وهذا من أسباب محبة الله جل وعلا. وقد تقدم معنا في إحدى الخطب أن العلماء ذكروا أنَّ لمحبة الله أو لتحصيل محبة الله اسبابا بلغ بها ابن القيم عشره أسباب، ومن أجلها وأمتعها وأنفسها الخلوة بالله جل وعلا وقت النزول الإلهي.
وذلك في ثلث الليل الآخر حينما يناجي العبد ربه وينكسر لربه سبحانه وتعالى، قال ومما رزقناهم ينفقون فعملهم لا يتوقف على الصلاة فحسب وإنَّما هم أيضًا يحسنون إلى الخلق ومما رزقناهم ينفقون فجاءهم الجزاء والجزاء من جنس العمل ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ﴿جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ قالوا لما اخفوا أعمالهم اخفى الله جزاءهم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴿جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ هل يستوي الفريقان ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾.
مؤمن وفاسق والعذاب الأدنى
﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ﴾ ﴿ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. وأما الذين فسقوا. والمراد بالفسوق هنا الكفر فقوله: أما الذين فسقوا أي: اجرموا واشركوا بدليل الجزاء وبدليل المقابلة للايمان فالله قال ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا﴾ فالفاسق هنا في مقابلة المؤمن لأنَّ الفسوق يأتي بمعنيين هناك الفسوق المراد به الشرك وهناك الفسوق وهو فسوق أصغر أو دون الفسوق الأكبر.
والمراد به المعاصي دون الشرك، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾17. فقال بعضهم: المراد بالفسوق الكبائر لأنَّ الله جعلها بين الكفر والعصيان والعلم عند الله تبارك وتعالى. ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا﴾ وإذا دل على كفرهم لأنَّ المسلمين عصاة الموحدين لا يخلدون في النار وإنَّما الذي يخلد في النار هم الكفر ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قوله، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ﴾ العذاب الادنى في الدنيا والعذاب الأكبر في الآخرة.
فقالوا من العذاب الادنى بالقحط والجدب وبالفقر وبالآلام والمصائب والهلاك الدنيوي إلى غير ذلك مما يقع للكفار مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ وهنا لفتة استنبطها بعض العلماء ذلكم، أن الله قال ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ﴾، ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الادنى ﴿أَنَّمَا﴾ قال من إذًا معناه:، أن ما يذوقونه في الدنيا هو من العذاب الادنى قالوا وأين بقية العذاب الادنى قالوا في القبر فاستدلوا بالآية على وجود عذاب القبر لأنه لما قال ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ﴾ هذا معناه: أنَّ هناك عذابًا ادنى أيضًا قبل العذاب في الآخرة ما العذاب الذي يُعذَّبونه وليس في الدنيا وليس في الآخرة؟ إذًا هو في مرحلة وسطى وهي مرحلة القبر.
وهذا استنباط بديع وتدل على هذا أدلة أخرى أيضًا والعلم عند الله تبارك وتعالى ثم جاءت سنة النبي المتواترة تدل على أنَّ هناك عذابًا للقبر ونعيمًا كما لا يخفى، ومن اظلم مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ ﴿رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾ أنا من المجرمين منتقمون. ولقد اتينا موسى الكتاب فلا تكن في مريه اللقاء وجعلناه هدى لبني إسرائيل تجد في القرآن الكريم حينما يذكر الله الرسالة يذكر الله القرآن يتبع ذلك بالحديث عن التوراة أو يذكر نبينا محمدًا ﷺ فيتبع ذلك بالحديث عن موسى عليه السلام أو العكس لبيان، أن الرسول ليس بدعا من الرسل الرسول ليس بدعة من الرسل هو رسول، وقبله رسل وأنزل الله عليه القرآن وأنزل كتبًا على من قبله فلذلك قال.
موسى أئمة بالصبر واليقين
ولقد اتينا موسى الكتاب. والمراد بالكتاب هنا التوراة إذًا الكتاب في أول السورة القرآن. والمراد بالكتاب هنا التوراة ﴿فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ مِّن﴾ اللقاء قال بعضهم، يعني: لا تكن يا رسول الله في شك من لقائه من أنك تلقى موسى عليه السلام. وقد لقي الرسول موسى عليه السلام في المعراج ولقيه وصلِّ بهم في بيت المقدس كما دلت على ذلك الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام، أو أن.
المعنى فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ لقائه أي: في الآخرة أو فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ لقاء من أنك ستلقى ما لقي موسى عليه السلام من قومه أو فَلَا تَكُن فِى مِرْيَةٍ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ لقائه أي: من لقاء ربه عز وجل وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾ قالوا لما صبروا وأيقنوا ماذا كانوا صاروا أئمة قال سفيان لما أخذوا براس.
الأمر جعلهم الله رؤساء من أراد أن يكون ذا شأن، أن يكون من أئمة التقوى يأخذ براس. الأمر وما رأس. الأمر الصبر واليقين. ولذلك قالوا إذًا تزوج الصبر باليقين تحققت الإمامة في الدين فالإمامة في الدين تنال بالصبر واليقين قال الله، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ثم ذكرنا الله في آخر السورة ببعض دلائل قدرته أولم يهادي لهم إذًا القرآن كتاب هاد والكون يهدينا أيضًا لذلك ننظر في الكون فنهتدي ونعلم، أن هذا الكون الفسيح ﴿أَنَّمَا﴾ خلقه ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وإذا كان.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الفتح فأعرض وانتظر
الأمر كذلك فينبغي أن يعبد وحده لا شريك له. فقال: أولم يهد لهم. وقال بعضهم: أولم يتبين ﴿لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى﴾ مَسَٰكِنِهِمْ. انظر إليهم إلى الأمم السابقة كيف أهلكها الله وقضى عليها مع ما كانت عليه من قوة ومع ما كانت فيه من جبروت قال أفلا يسمعون. وقال هنا أفلا يسمعون فذكر السماع لأنَّ الأمم السابقة تبلغنا أخبارهم عن طريق السماع.
ثم قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾18 وهذا نراه بأعيننا فأول الآية أولم يروا واخرها أفلا يبصرون فنرى ارضا جرداء لا زرع فيها، ولا ماء ثم بعد ذلك ينبتها الله جل وعلا ويصير فيها الزرع والخير الكثير فمَنْ الذي مَنَّ بذلك وأنعم به إنه الله سبحانه وتعالى، ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾.
ثم قال الله في ختام السورة ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هكذا يقول المشركون يستعجلون بالعذاب يستعجلون وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الفتح. والمراد بالفتح هنا الوعد. والمراد به الآخرة على القول المرجح لأنَّ بعض المفسّرين قالوا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الفتح قالوا المراد به الفتح في الدنيا بأن يهلكهم الله في الدنيا.
وقد تحقق ذلك بفتح مكة. لكن الأقرب أن المراد بالفتح ما جاء في الآيات الأخرى وهو الوعد. والمراد به الآخرة لذلك قال ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟﴾ أيمانهم، ولا هم ينظرون. وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يكون يوم القيامة في الآخرة لأنه فات أوان الإيمان ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ أعرض عنهم يا رسول الله، ولا تشتغل بهم فإنما عليك البلاغ.
فإنَّ اعرضوا عنك ولم يستجيبوا لك فليس هذا بضائرك فانتم ستقفون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ جل وعلا وحينئذ يتبين المحق من المبطل. ولذلك قال الله في شأن يوم القيامة، ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾19 وقال: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾20 قال ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾ هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والله
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِـَٔايَـٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِهَا خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَسَبَّحُوا۟ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 15 ↩
- آية: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 18-19 ↩
- آية: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 20 ↩
- آية: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 2 ↩
- آية: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۚ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 2-3 ↩
- آية: ﴿الٓمٓ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: لقمان 1-3 ↩
- آية: ﴿الٓمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 1-2 ↩
- آية: ﴿الٓمٓ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 1-2 ↩
- آية: ﴿ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 5 ↩
- آية: ﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 6-7 ↩
- آية: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 8-9 ↩
- آية: ﴿صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 88 ↩
- آية: ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 11 ↩
- آية: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الزمر 42 ↩
- آية: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 61 ↩
- آية: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحجرات 7 ↩
- آية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِۦ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَـٰمُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: السجدة 27 ↩
- آية: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ كَانَ مِيقَـٰتًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبأ 17 ↩
- آية: ﴿إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الدخان 40 ↩
من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- الدرس الحادي عشر تتمة باب الاعتكاف وقيام رمضان
- المجلس الخامس والعشرون - في رحاب آية
- 11- تفسير قوله تعالى (اهدنا الصراط المستقيم)
- 08 - تفسير قوله تعالى الحمد لله رب العالمين٢
- وقفات مع قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾ القرآن - خطبة الجمعة للشيخ الدكتور محمد حامد
- يا أيها الناس اعبدوا ربكم الجزء الثاني