مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

لمحة في سورة الجمعة

لمحة في سورة · الدرس 56 من 134 · 26 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

فصول الدرس

  1. الجمعة بعد الصف وقبل المنافقون
  2. بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ
  3. يتلو ويزكي ويعلم الكتاب والحكمة
  4. مثل الحمار يحمل أسفارا
  5. تمني الموت وملاقاته رغم الفرار منه
  6. ﴿فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ وذروا البيع
  7. انفضوا إلى التجارة وتسلية الدعاة
التفريغ النصي الكامل للدرس

الجمعة بعد الصف وقبل المنافقون

﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:

فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، في مجلس جديد من مجالس هذه السلسلة لمحة في سورة وموعدنا الليلة بفضل الله وتوفيقه مع سورة الجمعة سورة الجمعة هذه السورة الكريمة الجليلة جاءت بحسب الترتيب المصحفي بعد سورة الصف، وقبل سورة المنافقون ومجيئها بعد سورة الصف وسورة الصف فيها قوله سبحانه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾2 سورة الصف كما سيأتينا بإذن الله تدعو إلى الواحدة وإلى الاتفاق، وإلى أن تتفق كلمة المسلمين وإلى أن يكونوا أمة واحدة وألا يتفرقوا، ومن أعظم مواضع الاتفاق: الاجتماع في الجمعة فصلاة الجمعة تجمع المسلمين في صفوف متفقة فيتراص المسلمون في صفوفهم بفضل الله في يوم الجمعة إذ سورة الصف تدعو إلى الاجتماع والاجتماع متحقق في صلاة الجمعة وصلاة الجمعة في يوم الجمعة وأشق على المسلمين والأمر الذي يفرقهم ويشتت شملهم هو النفاق.

ولذلك جاءت سورة المنافقون بعد ذلك فمن وفقه الله سبحانه فسلم من النفاق تيسر له بفضل الله الاتفاق ونسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين حقًا وصدقًا. سورة الجمعة إحدى المسبحات السبع تقدم معنا مرارًا أن في القرآن الكريم سبع سور افتتحها الله بالتسبيح ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا سبح لله يسبح لله سبح اسم ربك الأعلى﴾3 هذه السورة إحدى هذه المسبحات افتتحها الله بقوله يسبح يسبح بالفعل المضارع الذي يدل على تجدد الشيء وحدوثه شيئًا بعد شيء والمعنى أن مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ يسبحون لله شيئًا بعد شيء ومرة بعد مرة فيتكرر منهم التسبيح لله سبحانه وتعالى، سورة الجمعة سورة مدنية بالاتفاق نزلت بعد هجرة ﷺ ويدل على ذلك ما جاء في آخر السورة ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ4 قَآئِمًا﴾.

وهذا وقع والنبي ﷺ كان يخطب في المسلمين الجمعة، وكان هذا في المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام ﷺ قال الله سبحانه ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾5 سورة الجمعة أيضًا، يا أيها الإخوة الكرام، مقصودها العظيم بيان نعمة الله علينا بإرسال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ السورة تتحدث عن، أن لله المنة العظيمة إذ بعث فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول محمدًا ﷺ وأنه ينبغي لنا أن نتمسك بسنته وأن نتمسك بالقرآن الذي أنزل عليه الصلاة والسلام، تحذرنا السورة الكريمة من صنيع اليهود حينما تركوا التوراة، ولم يعملوا بها وجعلوها وراء ظهورهم نبذوها وطرحوها وراء ظهورهم تحذرنا السورة من الانهماك في الدنيا والاشتغال بأمرها حتى تصرفنا عن الآخرة ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ﴾ مُلَٰقِيكُمْ ثُمَّ ذكرت لنا السورة الكريمة فضل يوم الجمعة وما فيه من خير وبركة وما فيه من ذكر وصلاة لله سبحانه وتعالى، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ لماذا يسبح الخلق الخالق نسبح الله لأنه الملك فهو مالك الملك سبحانه وتعالى، فهو المالك الخالق المدبر الرازق سبحانه وتعالى، الملك القدوس القدوس المنزه عن كل نقص وعن كل عيب سبحانه وتعالى، ﴿ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ فهو العزيز الغالب الذي لا يغلب وهو الحكيم في قدره، وفي شرعه، وفي حكمه سبحانه جل وعلا.

بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ

ثم قال ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾6 يمتن الله على الأمة يقول هو، أي: الله الذي بعث في الأميين. والمراد بها: العرب لأنَّ عدم القراءة كان فاشيًا فيهم فالأمية نسبة إلى الأم والإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئًا فيقال للذي لا يقرأ ولا يكتب يقال له: أمي نسبة إلى أمه لأنه لما ولد ما عرف قراءة، ولا كتابة ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ وليس معنى ذلك، أن الرسول ﷺ دعوته خاصة بالعرب أو خاصة بالأميين.

بل إن الرسول رسول الخلق أجمعين رسول الأمم كلها منذ أن بعثه الله سبحانه وتعالى، فهو الرسول إلى الناس كلهم كما قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾7. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام، «وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» فهو ﷺ صاحب الدعوى العامة ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا8 وَنَذِيرًا﴾.

بل إن الجن أيضًا استمعت لدعوته ﷺ استمعوا لدعوته وآمنوا به صلوات الله وتسليماته عليه. ولذلك ربنا قال ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾9 فأم القرى مكة ومن حولها يشمل جميع القرى فيدخل في ذلك العالم كله قال الله ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ إذًا فلما خص الأميين بالذكر تنويهًا بهذا الفضل أسعدوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العرب فالله قد تفضل عليكم وأكرمكم بمجيء الرسول منكم.

فهذا من فضل الله عليهم. ولذلك حسد اليهود الرسول ﷺ من أعظم الأسباب التي جعلت اليهود تترك الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام أن الرسول لم يرسل من بني إسرائيل وإنَّما أرسل من العرب فمن أجل ذلك حسدوا رسول الله وحسدوا العرب وكرهوا دعوة الرسول ﷺ مع أنَّهم من قبله كانوا يستفتيحون على الذين كفروا، يعني: قبل مجيء ﷺ اليهود كانوا يقولون للكفار وللمشركين أنه قد اقترب زمان نبي هذا النبي حين يبعث سنؤمن به.

وهذا النبي سيقوينا الله به وسنقتلكم وننتصر عليكم به ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ﴾ ﴿فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾10 فلما جاء الرسول عليه الصلاة الذي كانوا يخبرون عنه ويستفتيحون على الذين كفروا به وجدوه ليس من بني إسرائيل فكفروا بالرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ إذًا من أعظم وظائف الرسول ﷺ ثلاث وظائف هذه من أعظم المهام التي بعثه الله من أجلها قال يتلو عليهم آياته من أعظم المهمات أن الرسول عليه الصلاة والسلام، ينزل عليه الوحي فيتلو على الناس آيات القرآن الكريم فيسمع الناس عن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ما يتلوه عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام.

يتلو ويزكي ويعلم الكتاب والحكمة

وهذا فيه أنَّ: تلاوة القرآن الكريم مقصد عظيم الرسول يتلو القرآن هذه مهمة وظيفة عظيمة لذلك تالي القرآن وقارئ القرآن وحافظ القرآن لهم أجر عظيم عند الرب العظيم. وقد قال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» يتلو عليهم آيات هذه مهمة ويزكيهم يزكي نفوسهم يطهرها من الأمراض والأسقام من الأدواء من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات يزكي النفوس يزكيها يطهرها حتى تزكو النفوس.

ولذلك كان من دعاء الرسول «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها». وهذا فيه أنَّ: المعلم لا يقتصر تعليمه على التلاوة والقراءة وإنَّما. الأمر أعلى من ذلك وأوسع دائرة من ذلك فالتلاوة شق من التعليم باب من أبواب التعليم، ومن أعظم أبواب التعليم التزكية، أن يسعى في تربية الجيل، وفي الارتقاء بدينهم وإيمانهم وأخلاقهم وما هم عليه من سلوك ويزكيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة الحكمة هي السنة سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، كما فسرها غير واحد من أهل العلم.

بل نقل الإمام الشافعي الإجماع على ذلك ويعلِّمهم القرآن والحكمة، يعني: يتلو عليهم يعلِّمهم تفسيره يعلِّمهم المقصود به ويعلِّمهم سنته ﷺ ولذلك قال الله لنساء ﷺ ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾11 ﴿مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ﴾12. ولذلك من حكم تعدد زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام أن النساء يتفاوتن في العلم، وفي الإدراكات، وفي الاهتمامات معروف أنَّ: كل امرأة لها اهتمامات تختلف عن الأخرى فهذه الزوجة تسمع من الرسول.

وهذه تسمع. وهذه ترى. وهذه ترى فتخبر هذه عن سنته وتخبر هذه عن سنته فيتناقل هديه في بيته كما يتناقل هديه في خارج بيته صلوات الله وتسليماته عليه وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ، إن هنا المخففة من الثقيلة بدليل دخول اللام في قوله لفي ضلال مبين فالمعنى معناه: وإنهم كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ، يعني: ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا ضالين.

ولذلك هؤلاء كانوا على الشرك بالله سبحانه وتعالى، وكانوا على الكفر هذا الذي كان منتشرا، وكان فاشيًا فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا قليلة جدًّا ممن كانت تعبد الله على الحنيفية والأكثر كان على الشرك بالله وقت أن بعث الله النبي محمدًا ﷺ ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾13 آخرين من غير الصحابة أو من غير من بعث فيهم الرسول من أهل مكة ابتداء فيدخل فيه بقية العرب في بقية أماكن ويدخل في معنى: قوله وآخرين منهم أي: من غير الأميين، ومن غير العرب، يعني: من العجم لما يلحقوا بهم.

لكن الله سبحانه وتعالى، بعث الرسول فبلغتهم الدعوة لذلك أرسل الرسول إلى فارس وإلى الروم وإلى غيرها، ومن هؤلاء مثلًا سلمان الفارسي رضي الله عنه «لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله أناس من فارس» منهم سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه لذلك دخل في الإسلام سلمان وصهيب وغيرهما ممن كانوا من العرب، ومن غير العرب دخل الناس في دين الله أفواجًا ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾14 ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا15 ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾16 ربنا يحذرنا قد أنعم علينا بالقرآن وبرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام أنعم علينا بهذا.

مثل الحمار يحمل أسفارا

لكن لا ينبغي لنا أن نأخذ القرآن ثم نغفل معانيه ثم نتراجع عن العمل به ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أي: ثم لم يعملوا بها ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا﴾ مثلهم ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا﴾ فالحمار حين يحمل كتبا لا يدري ماذا يحمل هو لا يدري هل يحمل كتبا أم يحمل أخشابًّا أو يحمل أحجارا أم يحمل أي: شيء ما يدرك الحمار الذي يحمله فلا ينبغي للإنسان أن يتساوى مع الحمار أو أن يكون مثله.

وهذا فيه أنه ينبغي لنا أن نعمل بالعلم فإذا علمنا، ولم نعمل فيخشى علينا أن نكون مثل هذا المثل الذي ذم الله عز وجل به اليهود. ولذلك ذكر الله أيضًا المثل للمنسلخ عن آيات الله ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾17 ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾18، يعني: رب العزة ضرب مثلين للذي لا يعمل بعلمه وينسلخ عن آيات الله مثل بالحمار ومثل بالكلب، ومَنْ يرضى لنفسه، أن يضرب به المثل كحمار أو ككلب أعزكم الله ونسأل الله السلامة.

ولذلك قالوا «هتف العلم بالعمل. فإنَّ أجابه؛ وإلا ارتحل» لا بركة في علم لا يقود إلى عمل. ولذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام، مما يقول في أذكار الصباح بعد الفجر يقول «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا». تأمَّل! علمًا نافعًا يسأل الله العلم النافع، وكان يستعيذ بالله كما في مسلم «وأعوذ بك من علم لا ينفع».

وقال الرسول أيضًا «والقرآن حجة لك أو عليك» لذلك يحرص المسلم على التمسك بما تعلم بعض الصحابة رضي الله عنهم في سيرتهم يمكث في حفظ بعض سور القرآن مدة طويلة ذكروا في حق ابن عمر وفي غيره من الصحابة بعضهم مكث في حفظ سورة البقرة ثماني سنوات الواحد ممكن يحفظها في شهر وفي أقل أو في أكثر قليلًا في مدة وجيزة.

لكن هؤلاء كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتفهموا معانيها وحتى يعملوا بما فيها حفظ الآية عمل بها وطبقها وعرف حقها عليه قال الله ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾19، أي: المصرين على الظلم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين هأدوا نداء لهم ربنا يقول للرسول ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين هأدوا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين هأدوا ﴿إِن زَعَمْتُمْ﴾ إنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين اليهود كانوا يرون أنهم أفضل من غيرهم، ولا زالوا يقولون ذلك ويقولون إنهم شعب الله المختار.

تمني الموت وملاقاته رغم الفرار منه

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ20 فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ فربنا يقول له ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم يا رسول الله، ﴿إِن زَعَمْتُمْ﴾ إنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين طالما أنت ولي لربنا وستدخل الجنة ولك ولك ولك عند الله الكثير والكثير إذًا ما قيمة الدنيا حقيرة تمنى الموت حتى تنال الأجر والثواب من الكريم الوهاب هذا معنى، والمعنى الثاني لأنَّ بعض العلماء قالوا المؤمن لا يتمنى الموت، ومنى يتمنى الموت والأصل إلا يتمنى الإنسان الموت.

فقالوا إن معنى قوله فتمنوا الموت على سبيل المباهلة تعالوا لندعو على الظالم، وعلى الكافر بالهلاك. ولذلك لما جاء وفد نصارى نجران إلى النبي ﷺ ودعاهم إلى المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾21 خافوا ﷺ نصح نصارى نجران ودعاهم إلى التوحيد وحذرهم من التنديد ومما عليه اعتقادهم الباطل ثم بعد ذلك قال نبتهل خافوا من المباهلة مع رسول الله ﷺ وهنا قال الله جل ذكره فتمنوا الموت إن كنتم صادقين إذًا تمني الموت هنا فيه قولان أنه التمني على بابه من باب الرغبة فيما عند الله والمعنى الثاني أنه بمعنى المباهلة، ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُۥٓ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ لا يمكن أن يتمنوا الموت النوم حريصون على الحياة ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ﴾22 وجاءت منكَّرة للدلالة على النوم يتمنون البقاء في الدنيا ولو كانت حياتهم رخيصة يعيشون حياة رخيصة ولكنهم هم يكرهون الموت.

ثم قال الله مذكرًا ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾23 موعظة لأهل الإيمان ليتذكروا الآخرة وليعرفوا حقيقة الحياة ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِيكُمْ﴾، ولم يقل فإنَّه مدرككم أو فإنَّه ملاحقكم ﴿أَنَّمَا﴾ قال فإنَّه ملاقيكم، يعني: أنت حينما تفر من شيء.

فإنَّ هذا الشيء الذي تفر منه يجري وراءك حتى يصل إليك لكنك تفر من الموت والموت يهجم عليك ويلاقيك ﴿فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ وهو الله سبحانه فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ثم جاء ختام السورة الكريمة ببيان فضل يوم الجمعة وبه سُمِّيَت السورة الجمعة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا24 نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ25 لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾26 وقوله: ﴿فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ ما المراد بذكر الله

﴿فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ وذروا البيع

خطبة الجمعة وصلاة الجمعة لذلك قالوا سماع الخطبة واجب وصلاة الجمعة كذلك فرض وواجبة فهي من ذكر الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه أمور أن الذي يسمع الخطبة يسمع ذكر الله سبحانه وتعالى، فعلية أن يراعي هذا الذكر الذي يسمعه، وكذلك ذلك على الداعي إلى الله، وعلى الخطيب أن يشعر بهذا. المعنى فهو يقول ذكرًا لذلك بعض الناس حينما يخطبون فيعبثون في الخطبة هذه مشكلة المفترض أن ما تقوله ذكر أو يُقوِّم مقام الذكر لأنه يذكر بالله سبحانه وتعالى، ﴿فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ وذروا البيع لذلك البيع في هذا الوقت حرام إذًا نودي بالنداء الثاني ليوم الجمعة بالنداء ليوم الجمعة الذي يخطب الإمام عقبه فإنَّه يحرم البيع ثم اختلف العلماء في صحة البيع أو عدم صحته هو حرام.

لكن لو وقع منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: باطل، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هو صحيح. لكن مع الإثم كما عليه الجمهور ﴿فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فإذا قضيت الصلاة ما الصلاة صلاة الجمعة فانتشروا في الأرض تحركوا في الأرض هنا وهناك من أجل السعي على الأرزاق إذًا ديننا لا يأمرنا بالركون إلى المساجد دون الأخذ بالأسباب نعم امكث في المسجد واعتكف في المسجد ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وفي الوقت ذاته خذ بالأسباب وتحرك لا تقل سأبقى في المسجد وسيأتيني رزقي وإنَّما أسعى.

فقال: سبحانه وتعالى، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ﴾ من الأرزاق السعي على المعيشة على أمور الحياة. وهذا فيه أنَّ: العمل يوم الجمعة لا حرج فيه. لكن بعد صلاة الجمعة. أما أن تعطل الصلاة وأن تؤخر الصلاة من أجل أعمال دنيوية زائلة لا قيمة لها ولا وزن. فهذا مما لا ينبغي فالجمعة لها قدرها ومكانتها.

أما الأعمال بعد أن يصلي المسلمون الصلاة كما ينبغي وكما يليق فلا حرج حينئذ قال ﴿وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ حتى في أثناء عمل، يعني: واحد يقول خلاص إحنا صلينا يا مولأنا وصلينا الجمعة وذكرنا ربنا وطلعنا بره نعمل اللي إحنا عاوزينه لا واذكروا الله كثيرًا حتى بعد الخروج حتى بعد السعي على الأرزاق وأنت تعمل وأنت في عملك وأنت في سعيك في ذهابك في إيابك واذكروا الله ومش واذكروا الله فقط واذكروا الله كثيرًا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وتقدم معنا إننا أمرنا بالذكر حتى في أثناء الجهاد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأنت مجاهد، يعني: تحمل السلاح.

ومع ذلك تذكر الله لأنَّ ذكر الله سبحانه مقو يقوي الأبدان ويقوي العقول وهو غذاء للأرواح بفضل الله سبحانه وتعالى، قال الله بعدها ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾27 بين الله سبحانه وتعالى، أن المسلم ينتشر في الأرض ويبتغي من فضل الله ويذكر الله كثيرًا ثم ذكر الله موقفًا وقع لبعض الصحابة الكرام والرسول عليه الصلاة والسلام على المنبر يخطب في الناس ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا﴾ انفضلًا إليها وتركوك قائمًا تركوا الرسول وهو قائم يخطب في الناس، ولم يبق معه كما في بعض الروايات اثنا عشر رجلًا بقوا مع الرسول ﷺ والباقي انصرف من أجل تجارة جاءتهم.

انفضوا إلى التجارة وتسلية الدعاة

فقالوا هذه صفقة ستفوتكم، ولن نعوض عنها فحذرهم الله مما وقع منهم وذكرهم بما ينبغي عليهم أن يفعلوه وقت إذ رأوا تجارة أو لهوا انفضلًا إليها وتركوك قائمًا وهنا للمفسرين أقوال تقدم ذكرها في مجالس التفسير إذ ربنا قال انفضلًا إليها، ولم يقل لهما أو أنفضلًا إليهما ﴿أَنَّمَا﴾ عاد الضمير لواحد فبعضهم قال ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا﴾ انفضلًا إليها لو عاد إلى القريب لقال أو لهوا انفضلًا إليه.

لكن قال انفضلًا إليها فعادت على التجارة لأنَّ القضية وقعت من أجل التجارة العير التي جاءت بالتجارة، ولأن التجارة تشغل الناس كثيرًا. نسأل الله السلامة. ولذلك ربنا قال ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ28 ٱللَّهِ﴾؛ بعد أن عمّ ذكر التجارة ثم نص على البيع عن ذكر الله ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾29 على أن الضمير أحيانًا يأتي مفردًا ويراد به: أكثر من ذلك ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾30 قال الله سبحانه وتعالى، وتركوك قائمًا.

وهذا فيه تسلية للدعاة لما كان النبي ﷺ يخطب على المنبر انصرف الناس اثنا عشر رجلًا هذا فيه تهوين للأمر لأنَّ بعض الدعاة يغضبون غضبًا شديدًا ويحزنون إذًا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الناس أو كثروا ﴿أَنَّمَا﴾ عليك، أن تأخذ بالأسباب وأنت ترجو من الله، أن ينفع الله بك الخلق. لكن انتفع بك الخلق أو لم ينتفع فأنت قد أديت ما عليك ولربما انتفع الناس بالعبد بعد وفاته أو انتفعوا به بعدما ظن أنه لن ينتفع به ﴿إِلَّا﴾ ترون، أن قوم يونس عليه السلام دخلوا في الإيمان بعد ماذا

بعد انصراف يونس عنهم وهل معنى ذلك، أن يونس عليه السلام ليس له أجر في ذلك لا. ولذلك لما سمى الله سورة يونس لم يسمها بسورة قوم يونس وإنَّما سماها بسورة يونس ولعل في ذلك دلالة على كرامة يونس عليه السلام مع أنَّه لما انصرف انصرف وهو مليم يُلام على أنه فعل ذلك وأنه ذهب مغاضبا. لكن تاب الله عز وجل عليه.

وقال ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾31 معناه أن الشخص ممكن لا يُنتفع به في وقت. لكن يأتي النفع بعد ذلك بفضل الله قال الله ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾32 هكذا، يا أيها الإخوة الكرام، سورة الجمعة ذكرتنا بفضل الله علينا ببعثه نبيه محمد ﷺ وذكرتنا بأنه ينبغي للعالم، أن يعمل بعلَّمه؛ وإلا كان مثل الحمار أعزكم الله ثم حذرتنا كذلك من الانهماك في الدنيا ودعتنا إلى تذكر الموت والآخرة ودعتنا إلى الحرص على يوم الجمعة وما فيه من فضائل فنسأل الله، أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الهوامش والتخريجات

  1. آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
  2. آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ — كما ورد في الدرس: الصف 4 ↩
  3. آية: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا سبح لله يسبح لله سبح اسم ربك الأعلى﴾ — الإسراء: 1 ↩
  4. آية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 11 ↩
  5. آية: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 1 ↩
  6. آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 2 ↩
  7. آية: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 158 ↩
  8. آية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: سبأ 28 ↩
  9. آية: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الأنعام 92 ↩
  10. آية: ﴿فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 89 ↩
  11. آية: ﴿وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 34 ↩
  12. آية: ﴿مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 34 ↩
  13. آية: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا۟ بِهِمْ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 3 ↩
  14. آية: ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 4 ↩
  15. آية: ﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 5 ↩
  16. آية: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 5 ↩
  17. آية: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 175 ↩
  18. آية: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 176 ↩
  19. آية: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ — الجمعة: 5 ↩
  20. آية: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ — كما ورد في الدرس: المائدة 18 ↩
  21. آية: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 61 ↩
  22. آية: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 96 ↩
  23. آية: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 8 ↩
  24. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 45 ↩
  25. آية: ﴿فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 9-10 ↩
  26. آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 9 ↩
  27. آية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 11 ↩
  28. آية: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 37 ↩
  29. آية: ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ — كما ورد في الدرس: النور 37 ↩
  30. آية: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ — كما ورد في الدرس: التوبة 62 ↩
  31. آية: ﴿وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الصافات 147 ↩
  32. آية: ﴿قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَـٰرَةِ ۚ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: الجمعة 11 ↩

من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)

موضوعات هذا الدرس

دروس مشابهة